الرحيل المأساوي للرشيدين

رحل خلال هذا الأسبوع كاتبان عزيزان: رشيد شيباري ورشيد بوغا. كلاهما كان يحس في أعماقه بقرب رحيله من هذه الدنيا الفانية، وكانا قد عبرا عن ذلك أكثر من مرة، سواء بطريقة مباشرة أو مبطنة، بالنظر إلى الآلام والأوجاع التي ما عاد لها متسع في حياتهما ووجدانهما.
في آخر تدوينة لشيباري، كتب ذات صباح بارد:
“أكره الويكاند، الزمن بطيء والوهن يتمدد بنكاية مغرضة”.
وكتب بوغا، قبل أن يضع حدا لحياته بوقت قصير:
“في الكون كواكب.. في الكواكب الأرض.. في الأرض بحار.. في البحار زوارق.. في الزوارق حياة.. في الحياة قلب.. في القلب رصاصة وصمت ينبض”.
كانت نهايتهما مأساوية بالفعل، وكان لهما إحساس فادح بأن حلول هذه النهاية بات وشيكا، ولذلك استعدا لمواجهتها بكل شراسة.

***
وعلى ذكر الشراسة؛ فقد كان شيباري الذي له عدة إصدارات في القصة والمسرح على الخصوص، قد دأب على توقيع تدويناته في صفحته الخاصة بالموقع الاجتماعي، باسم: “شرس” تأكيدا منه على أن ما يعبر عنه لا يمكن إلا أن يحمل بصمة الشراسة بالنظر إلى أن الواقع في حد ذاته يتسم بهذه الصفة.
غير أن شراسته لم تكن سلبية أو ذات حمولة عدمية، بل كان منخرطا في الحياة الثقافية بفعالية، سواء من خلال إدارته لمجلة “الصقيلة” المنفتحة على الكتابات الحديثة في مجالي الإبداع والنقد الأدبي، وتأسيسه لجمعية نشيطة أكدت على حضورها الفاعل والمتميز في الساحة الوطنية، جمعية الراصد الوطني للنشر والقراءة، كان لها إسهام في إصدار مجموعة من الكتب في أجناس تعبيرية مختلفة لأدباء من أجيال متعددة، بدعم من وزارة الثقافة المغربية، مع التركيز أكثر على الأسماء الجديدة، وعيا من الجمعية بحاجة هذه الأسماء إلى من يشد عضدها لكي يكون لها موقع في ساحتنا الثقافية.
لم يكن هذا الكاتب الشرس – بالمعنى الإيجابي لكلمة شراسة- يقصر اهتمامه على مجال النشر، بل كان حريصا على تنشيط ورشات في الكتابة الأدبية، في فن القص على وجه الخصوص، وعادة ما كان يستهدف بهذه الورشات فئة النشء، سواء داخل المؤسسات التعليمية أو حتى داخل مؤسسات السجن، وهذا لم يكن مفاجئا بالنظر إلى أنه رجل مربي قبل أي شيء آخر، وقد تم توقيع اتفاقية بين جمعيته وهذه المؤسسات؛ مما يعني أن هذا المشروع لم يكن متروكا للصدفة والعشوائية بل كان ممأسسا ومفكرا فيه، ولا شك أنه سيعطي ثماره، على أمل أن تحافظ جمعيته على المكتسبات التي عمل على تحقيقها – رحمه الله- بمعية أعضاء مكتبه وعلى رأسهم القاصة فاطمة الزهراء المرابط.

***
تأسفنا كذلك للنهاية المأساوية للكاتب الصحافي رشيد بوغا، رغم أن كتاباته الصحافية لم تكن ذات حمولة عدمية، بل كانت تنم عن غيرته على بلده وتوقه إلى أن يراه في حال أفضل، لكن لا شك أن الواقع كان فوق الاحتمال، حيث فاقم إحساسه بالضغوط النفسية وبالتالي قرر التعجيل بالرحيل.

***
النهاية المأساوية لهذين الكاتبين اللذين كان لهما حضور فاعل في ساحتنا الثقافية والإعلامية، يجرني لوضع علامة استفهام كبيرة حول الوضع الاعتباري والاجتماعي للكاتب المغربي، وبها أختم، سيما وأن بعض منظمات المجتمع المدني تدعي اهتمامها بهذا الجانب.

عبد العالي بركات

barakatabdelali@yahoo.fr

Related posts

Top