الهوس بالمشاهير

التطرف في المشاعر، سمة طالما ارتبطت بجمهور الفنانين في مراحل زمنية مختلفة. يتذكر الجمهور العربي صورة لرجل اقتحم، قبل عقود، حدود مسرح كانت تقف عليه المطربة أم كلثوم تغني إحدى وصلاتها الغنائية. أصرّ الرجل على تقبيل حذاء الفنانة المصرية وسط دهشة الجميع، وعندما حاولت منعه تعثرت وكانت علامات الحرج بادية عليها.
يلجأ بعض مشاهير هوليوود إلى حيلة التنكر بملابس ونظارات تخفي شخصياتهم الحقيقية، عندما يرغبون في التجوال بالشارع مثل الأشخاص العاديين، بعضهم يحيط نفسه بحلقة من مساعدين أو رجال أمن لمنع الفضوليين من جمهور الشارع من اقتحام خصوصيتهم… بعضهم لا ينجح في ذلك، فيمنح الآخرين الفرصة كي ينغصوا عليه حياته وهذه هي ضريبة الشهرة.
هذه الأيام، ينصب هوس المراهقات، تحديدا، بأداء فرقة موسيقية تعد من أكبر فرق البوب الكورية الجنوبية، تعرف باسم “بي.تي.أس”؛ فرقة “فتيان” يقال إنها حققت أعلى المبيعات في تاريخ الغناء، ليس في ما يتعلق بألبومات أغانيها فحسب، بل في كل ما يمت لها بصلة من منتجات؛ شارات، ملابس مطبوعة بصور أعضاء الفرقة إضافة إلى ميداليات الجيب والحقائب والقبعات.
أثناء حفلتهم الأخيرة في لندن على مسرح “ويمبلي”، وبعد أداء أغنياتهم، قضى أعضاء الفرقة نصف ساعة وهم يخاطبون الجمهور المهووس ويحيونه بإنكليزية متواضعة لم يستطع البعض سماعها، وسط تشجيع وتصفيق الآلاف من الفتيات والفتيان الذين حضروا العرض وقوفا على مدرجات المسرح مع عوائلهن، للاستماع إلى فرقتهم الغنائية المفضلة.
أغلب أغاني فرقة بي.تي.أس كانت باللغة الكورية التي يجهلها الغالبية العظمى من الجمهور، لكن هذا الأمر لم ينقص من منسوب الإعجاب والهوس بل إنه، أضاف إلى الأجواء غموضا وإثارة عززتها الموسيقى التي لعبت أوتارها بأنغام مختلفة بعض الشيء على مسامع الجمهور.
الهوس بالمشاهير، يشبه كثيرا أعراض الحب؛ انبهار بالآخر، إعجاب بلا حدود، تشوش في الرؤية وضياع الحد الفاصل بين الواقع والخيال حتى يصل الأمر بالبعض إلى “تأليه” شخصية المحبوب/ النجم. ينجح بعض الناس في الوصول إلى مبتغاهم في نهايات قصص حب سعيدة قد تتوج بالارتباط. لكن، ما الذي يجنيه معجبو فنان أو فنانة معينة غير الوهم؟ أكثر من هذا، فإن الأمر يبدو مكلفا للغاية.. أن تتم “مطاردة” النجوم من مسرح إلى صالة سينما ومن مدينة إلى أخرى والدخول في منافسة مع جمهور عريض في بورصة أسعار التذاكر، فيما تخصص ميزانية أخرى للتذكارات؛ قميص أو قبعة مطبوعة عليها ملامح النجوم وابتساماتهم تساوي قيمتها وجبة طعام يمكن أن تتناولها أسرة متوسطة في مطعم فاخر.
مع ذلك، يبدو هذا الهوس مشروعا في مظهره العام، إذ أنه لا يؤذي إلا صاحبه وفي دائرة ضيقة تشمل الأشخاص في محيطه الاجتماعي.
يسري توظيف الهوس في العالم العربي هذه الأيام، ليشمل أعضاء الهيئة السياسية فهم نجوم من نوع آخر. بعض الناس لا يترددون في بذل الغالي والرخيص والمال والبنين، فداء لـ”هالة” سياسية لا ترقى إلى مستوى نجمة في فندق رخيص، وهم يفعلون هذا بكامل إرادتهم ومن دون أي ضغوط خارجية فالحب والهوس لديهم مبذول بسخاء؛ مثل مجرى نهر في موسم فيضان.
الهوس برجال السياسة قد يصل إلى تقبيل أحذيتهم أو إطارات سياراتهم والتبرك بلمس أيديهم، التي لا تشبه أيدي نبي فهي لا تشفي الآخرين من العمى. وعندما يموت رجل السياسة، يتحول بفعل جمهوره المهووس إلى نصف إله يتعكز على نصفه الآخر.. مجرد إطار لصورة مقيتة تعلق على جدران وطن مهزوم.

>نهى الصراف 

Top