“تيودور هرتزل” الصحفي والأديب وميلاد الحركة الصهيونية في فرنسا

قبل أن يصبح سياسيا شهيرا ويلقب بالأب الروحي لدولة إسرائيل، كان تيودور هرتزل (1860 – 1904) يهتم بالأدب ويكتب المسرحيات، كما كان صحفيا لامعا. في سن 14 بدأ الطفل تيودور يكتب الشعر، وينظم وينشط، وسط عائلته، مسرحيات برفقة أخته الصغيرة. كما سيؤسس مع عدد من الأصدقاء جمعية أدبية اسمها “نحن الآخرون”. وهو اسم قد يكون مؤشرا مبكرا عن رغبته في إثبات هويته اليهودية، مما سيؤدي لاحقا إلى إشعال حرب هويات ما تزال آثارها المدمرة مستمرة، منذ 100 سنة، في الشرق الأوسط، وكانت الهوية الفلسطينية إحدى ضحاياها الرئيسيين.
في سن 20، كتب هرتزل أول مسرحية كوميدية بعنوان “جماعة العمل”، وسيؤلف في المجموع حوالي 12 مسرحية منها مسرحية “الغيتو الجديد” وسيعرض بعضها في مسارح شهيرة في فيينا عاصمة النمسا. وقد عاش هرتزل أولا في هنغاريا ثم رحل مع عائلته إلى فيينا. وقام بعدة جولات عبر أوربا انطلاقا من قناعاته كمثقف شاب ذي توجه كوسموبوليتي وإنسانوي لم يكن في البداية يتبنى هوية يهودية منغلقة. (1)
حصل على الدكتوراة في القانون في سن 24 لكنه لم يمارس أي عمل رسمي. وإلى جانب الكتابة الأدبية، اشتغل هرتزل في الصحافة مع عدة جرائد في فيينا. وسيتوج مساره الصحفي ككاتب مقالات أدبية وسياسية، وافتتاحيات، بالحصول على منصب مراسل جريدة “الصحافة الحرة الجديدة”Die Neue Freie presse النمساوية الشهيرة آنذاك في باريس. وكانت العاصمة الفرنسية بالنسبة لهرتزل وللعديدين مركزا ثقافيا وسياسيا مرموقا بأوربا. وفيها سيصبح هرتزل صحفيا مشهورا وصديقا لعدد من الأدباء الكبار مثل إميل زولا وألكسندر دوما والأخوين غونكور.
عندما حل بالمدينة، كان يعيش علاقات صعبة ومعقدة مع زوجته جولي التي تركها في فيينا، قبل أن تلتحق للعيش معه رفقة ولديهما في باريس. وستتحسن علاقتهما وستثمر بميلاد طفل ثالث. كما سيلتحق به والداه أيضا في 1892. وبعد أن كان مقيما في فندق سينتقل هرتزل للإقامة مع جميع أفراد العائلة الصغيرة والكبيرة في منزل فخم في المدينة بفضل التعويضات المجزية التي كانت تمنحها له الجريدة.
كان هرتزل معروفا في أوساط باريس بأناقته وبلباسه المتميز. كان في سن الواحدة والثلاثين وسيما وطويل القامة بلحية يطلقها على طريقة الموضة الجارية آنذاك. وكان مكلفا بتغطية كل صغيرة وكبيرة من أحداث المدينة. يتكلم جيدا اللغة الفرنسية، ويحب ثقافتها. وقد اعتبر تعيينه كمراسل في باريس بمثابة ترقية له وتطورا مهما في مساره سيساعده على تحقيق الشهرة وعلى تحقيق تطلعاته الأدبية.
وسيؤرخ لحياته الباريسية في كتاب بعنوان “قصر بوربون – لوحات من الحياة البرلمانية في فرنسا” (2). وقصر بوربون هو، إلى اليوم، مقر الجمعية الوطنية (الغرفة الأولى للبرلمان). ويقدم الكتاب لوحات دقيقة للحياة البرلمانية الفرنسية التي صار هرتزل متخصصا في قضاياها ويتابع أشغالها باستمرار من 1891 إلى 1995. حيث نجد فيه متابعة للانتخابات وللنقاش البرلماني، ورسما متميزا لبورتريهات أهم الشخصيات السياسية الفرنسية مثل: الزعيم الإشتراكي جون جوريس، أو جورج كليمونسو… وهي لوحات تكشف عموما أنه كان ضد الاشتراكيين. في أحد الفصول يتوقف مثلا عند وصف مراسيم دخول رئيس الجمعية الوطنية إلى القصر محفوفا بالجنود وعلى إيقاع الطبول حيث يقول: “بقدر ما يتفاهمون عند تنظيمهم للإستعراضات أو عند صياغة الجمل الرنانة، فإن الفرنسيين يعرفون، أفضل من أي أحد آخر، إبداع وتنظيم التظاهرات الرسمية”. ويقدم الكتاب عموما صورة عميقة عن المجتمع الفرنسي. حيث يقول: “في قصر بوربون، بدأت أفهم فرنسا”. ولتخليد ذكرى هاته الفترة التي عاشها بباريس، توجد في العاصمة الفرنسية اليوم ساحة تحمل منذ 2006 “اسم هرتزل” وذلك بقرار اتخذته بلدية المدينة.
لكن الكتاب لا يخلو من انتقادات لاذعة لهؤلاء السياسيين ولجوهر الديمقراطية الفرنسية ككل عندما يعتبر أن “سيادة الشعب” التي تفتخر بها هذه الديمقراطية هي فكرة منغلقة لا تختلف عن النظام السابق، وما هي إلا تعبير عن “سيطرة الأغلبية المعبر عنها بشكل مستتر ومنافق”. كما يتضمن الكتاب نصائح حول أساليب السياسيين وحيلهم البسيكولوجية عند تأخرهم عن مواعيدهم مثلا: “من بين المبادئ الأساسية للحكام هي أن يتركوا الناس ينتظرونهم. كما أن تعودهم على عدم الرد على رسائل الناس هو دليل على إحساس حقيقي لديهم بالتفوق”.
وتساعد علاقة هرتزل بفرنسا وبالفكر السياسي الفرنسي كثيرا على فهم كيف تأسس الفكر الصهيوني، بداية، على قواعد العلمانية التي تعتبر فرنسا إحدى مرجعياتها في الغرب، وذلك قبل أن تتحول الصهيونية إلى فكر ينبني على المرجعية الدينية أساسا لتبرير وجود الدولة العنصرية.

قضية دريفوس
تصادف وجود هرتزل في باريس مع انفجار قضية “دريفوس” الشهيرة التي سيتهم فيها ضابط فرنسي يهودي، ظلما وعدوانا، بالخيانة والتجسس لصالح ألمانيا. ويعترف هرتزل بهذا التأثير قائلا: “قضية دريفوس من الأسباب التي دفعتني إلى التفكير في إنشاء دولة إسرائيل” (3). وكان هرتزل شاهدا، كمراسل صحفي، صباح ذلك اليوم الذي تم خلاله، في المدرسة العسكرية بباريس، تجريد الضابط “دريفوس” من رتبته كقبطان عقابا له على تهمة الخيانة. وسيتبين لاحقا أن هذا القرار كان ظالما. وستعاد محاكمة دريفوس و الإعلان عن براءته. وقد شكل هذا الحدث بالنسبة لهرتزل انهيارا لقيم العدالة والإنسانية والأنوار التي كان يؤمن بها.
لقد تأثر هرتزل في شبابه بكتابات معادية لليهود ومنها كتاب “المشكلة اليهودية” للمؤلف أوجين دوهرين. كما تأثر لاحقا بموجات العنصرية واللاسامية المتصاعد في فرنسا وفي معظم أوربا، رغم أن الأجواء التي كان يعيش في ظلها اليهود في هنغاريا كانت تطبعها الحرية نسبيا حيث كان اليهود يمارسون عدة حقوق مقابل اندماجهم في المجتمع بأمر من فرانسوا جوزيف ملك هنغاريا.
لكن هرتزل سيقتنع في النهاية بضرورة إنشاء دولة إسرائيل. وسيقوم بتنظيم مؤتمر بال الشهير في سويسرا. وكان أول مؤتمر للحركة الصهيونية العالمية جمع مآت اليهود عبر العالم لدعم فكرة الصهيونية وللتخطيط، بشكل سري في البداية، لإنشاء دولة إسرائيل التي كتب عنها كتابه الشهير “دولة اليهود”. وعن هذا المؤتمر يقول هرتزل في مذكراته:
“في مدينة “بال” أنشئت دولة اليهود. لو قلت هذا اليوم أمام العموم، فإن الجميع سيستهزئ بي. لكن ربما، بعد 5 سنوات، وبكل تأكيد، بعد 50 سنة، سيوافق الجميع على ما أقوله”. وستتحقق نبوءة هرتزل فعلا بعد عدة تطورات كان من بينها المحرقة التي تعرض لها اليهود على يد النازية. وقد تعبأ هرتزل لتحقيق هذا الهدف قلبا وقالبا إلى درجة أنه كان يحس بأنه صار على عتبة الجنون. وسيموت منهكا صغير السن. وتكريما له سيتم في 1949، أي بعد سنة على إعلان دولة اسرائيل، نقل رماد جثمانه، حسب وصيته، من فيينا مسقط رأسه، لدفنه في القدس.
كان كبار منظري الصهيوينة ومنهم هرتزل وغولدا مايير يقولون لتبرير مشروعهم الاستيطاني قولتهم الشهيرة إن فلسطين: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. وردا على ذلك، كان إدوارد سعيد المفكر الفلسطيني الكبير يؤكد: “من غير المقبول لأي شخص إنكار معاداة السامية والتجربة الرهيبة للهولوكوست. نحن لا نريد طمس أو عدم توثيق المعاناة البشرية لأي أحد، لكن في نفس الوقت هناك فرقا كبيرا بين الاعتراف بالمعاناة اليهودية واستخدامها لتغطية معاناة شعب أخر” (4). وقد انتقد إدوارد سعيد في عدة كتب ودراسات هذه الأطروحة الصهيونية الشهيرة. وكان ينادي بحل الدولة العلمانية التي تجمع الفلسطينيين واليهود. كما انتقد اتفاقية أسلو في 1993 التي أعطت الحكم الذاتي للفلسطينيين واعتبر أنها فشلت في إحقاق الحق الفلسطيني.
في الذكرى المائوية لوعد بيلفور، من المهم مراجعة مسار منظر الصهيونية الأول تيودور هرتزل. لأن فهم فكره والتعرف على التطورات التاريخية والفكرية للصهيونية سيساعد، إلى حد كبير، على حل القضية الفلسطينية بعيدا عن القراءات السياسوية المضللة والمتعصبة للتاريخ، والتي لا تساعد على تبني فكر الحداثة والتعايش مع الآخر، ولكن بدون التفريط في الدفاع عن الحق في الوجود الفلسطيني، وعن قضية تبقى هي قضية القضايا بالنسبة للعرب والمسلمين.
**
المراجع:

•جل المعلومات عن حياة هرتزل مصدرها دراسة أصدرتها الأكاديمية الملكية للغات والأدب الفرنسي في بلجيكا في 1992 بعنوان “تيودور هرتزل ويوتوبيا إسرائيل” للكاتب رايمون تروسان. تم الإطلاع عليها في موقع الأكاديمية يوم 19 مارس 2017 : www.arllfb.be
• كتاب تيودور هرتزل “قصر البوربون – صور من الحياة البرلمانية الفرنسية”. وقد صدر هذا الكتاب بالألمانية لاحقا بعد أن عثر على المقالات في الأرشيف. ثم ترجم إلى الفرنسية في 1995 وصدر عن دار النشر “لوب” Editions de l’Aube
• بيير هاسكي موقع جريدة “ليبراسيون” الفرنسية تم الإطلاع على المقال في 20 مارس 2017.
• المصدر جريدة العرب في لندن. تمت مراجعة المقال يوم 17 مارس 2017 في العنوان التالي: http://www.alarab.co.uk/pdf/2014/02/09-02/p09.pdf

> بقلم: محمد مستعد

Top