حروب وحروب

بأصوات متعددة

كثيرة هي الكلمات الأصيلة والجميلة التي تغتصب بالقوة أو العماء أو رصاص الإيديولوجيا.. كلمات تعضد الصلات الإنسانية، وتشرعن الاختلاف. بل أكثر من ذلك، تؤنسن الحياة تحت سقف يعلو على قدر أهل العزم أو يسقط على الرؤوس كوطء يومي حين تندحر العزائم. لكن حين تسقط هذه الكلمات – مثلما الجثث – وتداس يوميا بكامل العدة المؤسساتية؛ بل تسحق بحراك الدوائر الذي يقفز إلى الأمام ولو على التاريخ.. أقول حين تسقط، يسقط معها المحيط، ذاك أن الإنسان والمكان والأفق على قدر وثيق الصلة في امتداد متداخل.
كلمات صغيرة من قبيل: ديمقراطية، حرية، حياة، حب، قصيدة، قصة.. هي في الواقع مفردات حياة، كل واحدة تنهض على تاريخ وقطائع. وهي بذلك أكثر خصبا في الفكر، مثلما في الحياة. لهذا الاعتبار، تحولت إلى مطايا عند البعض، وإلى ذرائع وأحيانا دروعا للانتساب للعصر ولعبه السياسي. وهي في المقابل تقترن عند البعض بأفق الجسد؛ فكلما قضمت تلك الكلمات بفعل الصراع وآلاته، نرى الجسد يلقى نفس الأمر.
حضرتني هذه الكلمات، وأنا أتأمل في الحرب الدائرة رحاها في العديد من أماكن المعمور. حرب متعددة الأشكال والأهداف، فكانت المواجهة مفتوحة على كافة الأصعدة، بما في ذلك حرب الخطاب والصورة. لكن، هل يجوز أن نتجرد من إنسانيتنا، ونستهلك صور التدمير والفتك كما نستهلك البصل؟!، البصل في إحالة على الرتابة. صور تتلبس بالتفاصيل وتدعوك إلى بلعها؛ لأن العين بصيرة واليد قصيرة كما تقول جدتي دون نفخ أوداج وميكروفونات.
ويبدو اليوم، أن للفضائيات العربية علاقة متوترة بالجسد، فهو إما للحرث أو القبر؛ أي منطلقا في عريه بشكل مائع وبكامل الفن، دون انخراط في سيرورة التاريخ والواقع؛ أو منكفئا على أباعضه بسبب من وما يسوقه قطيعا أو حجرا أو..
كثيرة هي الكلمات الجملية المليئة بالإنسان والحياة التي تغتصب، فيفسد الهواء أي ما نحيا به يوميا. وبالتالي، نفقد امتدادنا الطبيعي في مفردات الحياة المغصوبة، ونحيا ضدا علينا كبالونات محشوة. لكن حين يفسد الكلام والخطاب المكرور، تلك مسألة أخرى، نخشى أن يفسد معها سيد الكلام (الأدب) الذي يقفز إلى أعلى دون تاريخ أو مجتمع، يقفز إلى سماء – لا سابع لها – دون خلق إنساني؛ ما عدا عجين الرمز المتراخي وفي الاتجاه المعاكس. مثلما أن الحرب تزلزل كيان الإنسان، ينبغي أن تزلزل أيضا كيان الأدب العربي الحديث الذي ينام على أشكاله ويحرس قبعات أسلافه.
أنصتواـ بعد أن تنفضوا أجسادكم من الكلام المندس. للكلمة الصغيرة التي قال في شأنها الشاعر أحمد المجاطي:
مملكتي مملكة الصمت
اخسأوا
أمقتها كلمة
قيلت لغير المدح
والهجاء.

> بقلم: عبد الغني فوزي

الوسوم ,
Top