رحلة حول العالم في ثمان دقائق

يهمل أدباؤنا توثيق رحلاتهم. الإنتاج الذي يدخل في خانة أدب الرحلة يكاد يكون شبه منعدم في المكتبة المغربية، خاصة في وقتنا المعاصر، وعيا بأن أسلافنا خلفوا لنا إصدارات بهذا الخصوص، إلى حد لا يجعلنا نتردد في القول إن أدب الرحلة كان مزدهرا في إنتاجنا الأدبي خلال القرون القليلة الماضية.
هل معنى هذا أن أدب الرحلة باعتباره فنا أدبيا قائما بذاته، صار متجاوزا في عصرنا الحالي، بعد أن كان أغلب إنتاج أدبائنا يصب في هذا الفن بالذات، أكثر من سواه من فنون الإبداع الأدبي؟
ليس هناك ما يجعل أدب الرحلة قابلا للتجاوز، اعتبارا لأنه مرتبط بالوجود الإنساني في علاقته بالواقع، فضلا عن أن أسلوب التعبير في أدب الرحلة غير مقيد بقالب معين، على غرار فن المقامات، بل يتماشى مع التطور الذي يلحق بأسلوب الكتابة عموما. وبالتالي فإن الحاجة إلى التعبير عن رحلاتنا تظل قائمة، طالما أن هناك مؤلفا يتنقل ويرحل ويشاهد أشياء لم يألف مشاهدتها ومعايشتها.
صحيح أن الكتابة في خانة أدب الرحلة، باتت تنافسها وسائط الاتصال الرقمية، حيث أن الرحالة المعاصر يمكن أن يستغني عن الكتابة، مكتفيا بتصوير فيديوهات للأماكن التي يعبرها ويرحل إليها، مجرد مشهد من هذه الفيديوهات يمكن أن يختصر عشرات الصفحات.
القارئ أصبح كسولا، بمعنى أنه لم يعد يتحمل قراءة صفحات وصفحات للاطلاع على الأماكن التي يكون قد زارها الكاتب وكتب عنها سواء بهذا الأسلوب أو ذاك.
يكفي المتلقي أن يضع في محرك البحث اسم المدينة التي يرغب في زيارتها؛ ليزورها بالفعل، ولو افتراضيا. فإذا كان الكاتب الفرنسي الشهير جول فيرن قد كتب عن رحلة حول العالم في ثمانين يوما، فإن قارئ اليوم يمكن أن يقوم بالرحلة نفسها في ثمان دقائق.
لا أعتقد أن ما يمنع كتابنا المعاصرين من الكتابة عن رحلاتهم، هو وجود بديل يتمثل في التكنولوجية الرقمية. صحيح أن العديد من هؤلاء الأدباء صاروا يكتفون بنشر صور عن رحلاتهم في صفحاتهم الخاصة بالتواصل الاجتماعي مع وضع تعليق جد مقتضب، أو حتى هذا التعليق قد يزهدون فيه. لكن السبب الحقيقي لعزوفهم عن تأليف كتب حول رحلاتهم يعود – في اعتقادي- إلى انتفاء حس المغامرة لديهم.
ماذا عساه سيكتب الكاتب الذي قام برحلة ما سواء داخل وطنه أو خارجه؟ إنه عادة ما يتنقل في حيز ضيق حتى وهو في رحلة: من الطائرة إلى الفندق، ومن الفندق إلى المقهى.. إلى قاعة الندوات بالنسبة لمن يسافروا للمشاركة في الملتقيات الثقافية.. ليس هناك احتكاك بالناس وبأماكن متعددة لا تخلو من خطورة.
لا يكفي أن نقوم برحلة ما لكي نكتب عنها، بل من المفروض حسب اعتقادي أن تكون هناك أشياء تستحق الكتابة عنها.

عبد العالي بركات

barakatabdelali@yahoo.fr

Related posts

Top