سوق السبت: عملية هدم البناءات العشوائية

وارحمونا وارحمونا” من جحيم القصدير…، بهذه الكلمات المبللة بدموع الألم والحسرة تعالت أصوات نسوة حي الصفا بسوق السبت أولاد النمة بإقليم الفقيه بن صالح، من أجل منع السلطات المحلية من هدم جدران وأساسات بيوتهن غير المرخصة، وذلك خلال حملة قادها باشا المدينة رفقة رئيس مفوضية الشرطة وعناصر أمنية وقائد القوات المساعدة وعناصر الوقاية المدنية وأعوان السلطة صبيحة يوم السبت الماضي.
أصوات النساء وبكاؤهن، وصراخ الأطفال والكبار، لم تكن وحدها أشكالا مميزة لحملة يوم السبت كما جرت العادة، وكما كان يحدث في كل مرة تطال فيها جرافة السلطات المحلية الأساسات والبنايات غير المرخصة، بل تجاوز الأمر ذلك، وبلغ حدود التهديد بالقفز من فوق سطح إحدى البنايات غير المكتملة التي أضحت حلما محققا يستحق “الشهادة” بالنسبة إلى “سيدة مكلومة” تقول إن حياة القصدير أنهكتها، وأنها لا ترغب سوى في “عُش إسمنتي ” يستر فلذات أكبادها من قهر الزمان والطبيعة.
ولذلك، كادت حملة السبت، الرامية في جوهرها إلى وقف نزيف البناء العشوائي، أن تُحول حياة أسرة إلى مأساة حقيقية، لولا يقظة رجال الأمن وممثلي السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية الذين تراجعوا عن قرار الهدم بعدما أقسم أحد المواطنين رفقة السيدة التي رفضت النزول من فوق جدار قابل للسقوط في أي لحظة، على أن الهدم يساوي الشهادة، وان الموت أفضل من عيشة ضنكي، وان الدولة تتحمل مسؤولية ما يحدث اليوم، وأنهما كباقي المغاربة أولى بسكن لائق وعيش كريم.
مواقف استثنائية، جعلت السلطات المحلية وعناصر الأمن بين مطرقة القانون وسندان ضغط هذه الفئات الرافضة لعمليات الهدم ليس فقط بدعوى عدم ملاءمة قانون التعمير لوضعها الهش، إنما أيضا بالنظر إلى كون الكثير من عمليات الهدم لم تكن موضوعية حسب وصفهم، وقد أجحفت في حق البعض دون الآخر، يقول أحد المتضررين بعين المكان.
ولغة المحتجين اليوم، كما لغة كل من طالتهم جرافة الهدم، أقرب دلالة مما سبق وقيل، بما أنها تحمل في شكلها الكثير من توصيفات الحكرة ذات الإشارات الواضحة على أن الجهات المسؤولة على مختلف هذه العمليات لم تتعامل على قدم المساواة مع كل المخالفين لقانون التعمير، حيث أضرّت بالبعض وغضت النظر عن البعض الآخر، سواء عن قصد أو غير قصد، بسبب الحملات الموسمية التي تتناقض في أبعادها ومفهوم المراقبة المستمرة لكل مواقع البناء العشوائي.
وتفاديا لمواقف حساسة من هذا النوع، وحتى لا يكبر الاحتقان في صفوف مواطنين أجبرتهم الحياة على بناء جدران إسمنتية بعيدا عن أنظار السلطة وجرافاتها، وفي أفق وقْف نزيف البناء العشوائي، لابد من الإشارة إلى أن المواطن ليس سوى شخصية واحدة من شخصيات هذا المسلسل الدرامي الذي يبقى أبطاله الحقيقيون هم لولبيات العقار والمضاربون والمجزئون السريون وبعض المنتخبين الذين يبيعون الوهم إلى فئات منهوكة تأمل في تحقيق حلم، هو في الأصل موؤود، بما أنه يفتقر إلى أبسط شروط الحياة 🙁 الماء والضوء).
أما بخصوص السلطات المحلية، التي تبدو في غنى عن مجابهات من هذا النوع، فشرعية مطلب الساكنة الهشة في” حق السكن ” يقتضي منها الضرب على أيدي المجزئين ولوبيات العقار وكل من يتاجر في هموم المستضعفين الذين أجبرتهم الحاجة على خرق “قانون” ينتهك بالواضح حقهم في العيش الكريم، وليس فقط الاكتفاء بالحملات الموسمية ” التي باتت تُؤسّس للأسف لـ “سياسة الحكرة “ولم تنتج إلى حدود اليوم سوى صناعة هجينة إن لم نقل سيئة لمفهوم “هبة” رجال السلطة الذي بدأ يفقد دلالاته لاعتبارات من هذا النوع.

حميد رزقي

Related posts

24 Comments

Top