في صف الوطن…

تخليد ذكرى الأعياد الثلاثة (العودة، الانبعاث والاستقلال)، هذه السنة يكتسب رمزية خاصة وأكثر كثافة ودلالة، ذلك أن الذكرى الخامسة والستين لعيد الاستقلال (18 نونبر) تحل ضمن التطورات الجارية على صعيد قضية وحدتنا الترابية، وفِي سياق التعبئة الوطنية الواضحة للشعب المغربي انتصارا للمغرب وسيادته الوطنية ووحدته الترابية.
في التاريخ، عيد الاستقلال يقترن بعودة الملك الراحل المغفور له محمد الخامس من المنفى إلى أرض الوطن، وإعلان انتهاء عهد الحجر والحماية، وبزوغ فجر الحرية والاستقلال، والانتقال من معركة الجهاد الأصغر إلى معركة الجهاد الأكبر، أي معركة بناء الدولة الحديثة وترسيخ الديمقراطية ودولة المؤسسات، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأيضا استكمال الوحدة الترابية وسيادة المغرب على كافة أراضيه.
هذه الدلالة التاريخية ليست أثرا متحفيا جامدا نستحضره في الخطب كل عام، أو وقائع تدرس في المقررات، ولكنها التعبير العملي عن إرادة شعب وتطلع وطن للإعتاق من الاستعمار، والانكباب على بناء الوطن الحر والمستقل، وهو ما تواصل طيلة ستة عقود ونصف إلى اليوم.
الحدث التاريخي يتواصل إذن ممتدا في المعنى والسلوك والقناعات، وفِي الأفق.
اليوم، لما تتعمد العصابة الانفصالية ومن يحركها استفزاز المغرب، وتقترف أفعال بلطجية في الميدان لشل الحركة التجارية ومنع تنقل الأشخاص على الحدود الوطنية، ولما تسعى إلى قطع العمق الإفريقي الإستراتيجي للمملكة، واستهداف سيادتها الترابية، فإن معنى ورمزية النضال الوطني المغربي من أجل الاستقلال يحضر بقوة، ويؤطر وعي كل المغاربة ومشاعرهم.
عندما تتربص مخاطر التقسيم والاستهداف بالبلاد، وعندما تكون البلاد في مواجهة مناورات استفزازية انفصالية تهدد وحدتها وأمنها وسيادتها، لا يظهر سوى طريق واحد لا ثاني له، وهو الاصطفاف في خندق الوطن، والانخراط في معركة الدفاع عنه والانتصار له.
ليس المكان والسياق والمناسبة لنجرب الإسقاطات البلهاء، أو ليتقيأ بعضنا أحقاده التاريخية الصبيانية، أو لينزوي داخل لعبة التستر خلف أقنعة جامدة وبليدة وبلا نظر، ولكن واجب المرحلة هو أن ننتصر لوطننا أولا، وألا نطلب مقابل عن ذلك أو نطرح شروطا.
الوطن ليس تعبيرا خرافيا أو غلوا شوفينيا أو موقفا حزبيا أو حلقيا، ولكنه فوق كل هذا، وفوقنا نحن كلنا، ويعنينا جميعنا، ونحن ننتصر له عن حب وصدق، وعن وعي وإدراك وبعد نظر.
أكثر من أي وقت مضى، يجب أن نبرز  اليوم للأجيال الحالية من المغاربة دلالات ذكرى عيد الاستقلال، وأن نستحضر التضحيات والنضالات التي خاضها شعبنا من أجل الاستقلال، ولحماية الوحدة الترابية للبلاد، وذلك لكي يدرك الكل أن ما تحقق من مكتسبات، سقطت، من أجله، أرواح المغاربة، وعانى شعبنا، في سبيل ذلك، من القهر والحرمان والتعذيب، واستطاع المغرب تحقيق الانتصار بفضل صمود شعبه ومقاومته المسلحة، وبفضل التحالف المتين بين المؤسسة الملكية وقوى الحركة الوطنية، وكل هذا يجسد دروسا للحاضر أيضا، وللمستقبل، من أجل حفظ وحدة البلاد واستقرارها وأمنها، ومن أجل تطوير الديمقراطية وإنجاز الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
الاصطفاف المطلوب في هذه اللحظة الدقيقة هو اصطفاف في صف الوطن، ومن أجل الوطن، ولكي ينتصر الوطن.

< محتات‭ ‬الرقاص

[email protected]

الوسوم , ,

Related posts

Top