منزلقات المشهد المسرحي المغربي

 بات المسرح المغربي يشكو ألما موجعا بَرا جسده، لم تنفع معه المسكنات المناسباتية، بقدر ما زادته استفحالا، وعوقت طرق تشخيص أمراضه، والمساعدة على إيجاد علاج ناجع لها؛ ومن ثم كان من واجب الأمانة الفنية والغيرة المعرفية والثقافية، أن يصدع بكلمة حق، وإن لم تكن كافية للقضاء على الداء، فهي قادرة على إسماع صوت أنينه وأوجاعه .
 لاشك في أن المسرح جزء أصيل في المشهد الثقافي العام، ذلك المشهد الذي يرفل في صور متعددة من الرداءة الفنية والجمالية وبالأحرى الفكرية، في فضاء أدركه التسيب، ولا يفهم من ذلك غير الدعوة للجودة بعيدا عن أية وصاية أو تحجيم للحريات أو تقييد للإبداع؛ بل على العكس من ذلك الاحتكام إلى معايير ذات قيمة معترف بها، لإنتاج أعمال مسرحية تتناسب والإمكانيات المتاحة فنيا وتقنيا وجماليا وفكريا، وتستحق صرف تكاليف الإنتاجية من المال العام .
 فمنذ السنوات الأولى لبرنامج الدعم المسرحي، أدار الجمهور ظهره للمسرح، وأصبحت العروض المنبتة هنا وهناك بدون حضور جماهيري يذكر، بينما قدمت عروض أخرى بشكل سري أو افتراضي، متحايلة على أموال الترويج للعروض المسرحية؛ وشيئا فشيئا انحصرت العروض في نقاط حضرية معدودة ومحددة، وكأن باقي المواطنين في أغلب المناطق ليسوا من دافعي الضرائب، ولا يحتاجون لهذه الخدمة الفنية؛ ومهما تعددت أعراض الظاهرة، فإن الجمهور قد هجر المسرح، لواحد من الأسباب العميقة، وهو عدم قدرة العروض التي ركبت موجة الإضحاك المجاني، على تقديم فرجات وازنة، تعبر عن انتظارات الجمهور وقضاياه الحقيقية، بعيدا عن التنكيت المبكي المغلف  بالمساحيق الشكلية .
 وحيال هول المعضلة المسرحية، ظهر في الساحة المسرحية أدعياء ومنتفعون، ركبوا رياح وأهواء الشعبوية المسرحية، تحت يافطات متعددة، وإن كانت في صلبها إساءة للتراث الثقافي والقن المسرحي، أكثر من إساءتها للمؤلفين الحقيقيين؛ تلك الإساءة التي ما فتئ كتاب الدراما المغربية يتقون محاذيرها بالانزواء أو التواري إلى الخلف، على الرغم من أحقيتهم في الجهر بالمظلمة، والتنبيه لخطورتها ومنزلقاتها .
  إذ لا يعقل أن يقدم المال العام من جيوب دافعي الضرائب المغاربة، لأعمال مسرحية معدة عن نصوص درامية غربية أساسا، وبنسب تفوق السبعين أو الثمانين بالمائة من أصل الأعمال الحائزة على الدعم، ولسنوات متوالية، وفي ظل فراغ معياري أو ضوابط مشاعة ومعروفة، مما يطرح أكثر من علامة استفهام، لعل من أوكد أجوبتها تهريب الريع والإفلات من تقديم حقوق المؤلفين المغاربة، وبالتالي تقديم عروض مسرحية بنصوص باهتة .
 ولرب قائل يقول كان على النقد أن يتحمل مسؤوليته التاريخية، في مواجهة هذا الدرك الأسفل، الذي لم يبلغه المسرح من قبل، وقت  ما كان مسرحا هاويا بإمكانات منعدمة وعزائم وأحلام كبرى، غير أن النقد هو الآخر لم يسلم من عدوى الرداءة، فتولى بعضه منها وقد اختار الصمت، إذ من العبث أن يخوض النقد غمار التحليل والقراءة والتأويل، في أعمال لا تتوفر على الحد الأدنى من شروط العمل الفني المسرحي .
 ولا تقف منزلقات المشهد المسرحي عند ذلك الحد، بل تتعداه إلى المهرجانات الوطنية والدولية؛ فعلى المستوى الوطني، استحدث المهرجان الوطني للمسرح بمكناس، وكان مناسبة ثقافية للاطلاع على مستجدات الركح وتجارب فاعليه، واستبشر به المختصون والجمهور خيرا، وغضوا الطرف عن نواقصه، ورأوه اختيارا موفقا زمانا ومكانا، وبعدما يزيد عن عقد من الزمن على حضوره وترسيخه كموعد فني وثقافي، إذ به ينقل إلى مدينة تطوان بدون سبب معلوم، وضدا على كل الأعراف الثقافية العالمية، فمن رابع المستحيلات أن تسمع يوما بأن مهرجان «أفينيون» قد تم نقله إلى مدينة فرنسية أخرى ترضية للمزاج .
ولئن كانت المهرجانات ذات الطبيعة الدولية، فرصة لإبراز المقدرات والكفاءات الفنية والجمالية، التي تتمتع بها الفرق المشاركة من مختلف الدول، الساعية إلى دخول معترك المنافسات والمسابقات بالأجود والأحسن والأفيد، فإن حظ المسرح المغربي الإخفاق الذريع والعودة بخفي حنين في كل محفل مسرحي دولي؛ ولا أدل على ذلك احتضان المغرب للمهرجان العربي للمسرح برسم الدورة السابعة، والمنظم بشراكة بين الهيئة العربية للمسرح ووزارة الثقافة شهر ينايرسنة 2015، حيث سقطت ورقة التوت عن كل الخطابات المتسترة على الواقع المزري للممارسة المسرحية ومنجزها البئيس؛ وقتها لم تفلح الفرق المسرحية المغربية المتقدمة للمسابقة الرسمية، في الحصول ولو على التفاتة من لجنة التحكيم فبالأحرى نيل جائزة من الجوائز؛ ومن خلف الستارة تطرح عشرات الأسئلة، لم تجد أجوبة ناجعة حتى الآن؛ ولعل من المفارقات العجيبة أن تتضمن هذه الدورة تنظيم ندوة موسعة حول مرور مائة عام على المسرح المغربي، ذاك الحاضر تنظيرا وتاريخا، والمسجل في حكم الغائب عرضا .
 هذه الوضعية المزرية للمسرح المغربي، قد خلقت مناخا ملائما للإحباط واليأس لدى الفرق المسرحية الجادة، والمسرحيين الغيورين على المسرح والثقافة المغربية، مما جعلهم يركنون إلى الزوايا القصية نسيانا وتهميشا؛ وهي الوضعية التي أنتجتها رافعة الدعم المسرحي من أجل التخفيف من العطالة الفنية من جهة؛ وسرعان ما اتخذت كبعد واحد، لعمل فني وثقافي متعدد الأبعاد، تحول معها الإنتاج المسرحي إلى ما يشبه الريع من جهة أخرى .
 إن هذه الصورة المزرية لواقع المسرح المغربي، لا تتحمل وزرها جهة دون أخرى، بل هي مسؤولية جميع المؤسسات وكافة المتدخلين، بما فيهم الوزارة الوصية والنقابات المختصة والفرق المسرحية والمسرحيين على اختلاف تخصصاتهم؛ مما يستوجب إعادة النظر في منظومة الدعم المسرحي، بمدخلاتها ومخرجاتها، وفق منظور يحافظ على كيان المسرح كفن وثقافة وتراث إنساني، ووفق ما يعيد للمسرح توهجه وقيمه الجمالية والفكرية في أبعادها الوطنية والإنسانية .

> بقلم: محمد الشغروشني

Related posts

Top