أدباء مغاربة وعرب وضعوا حدا لحياتهم..

إن من ينتحر ليس بالضرورة إنسانا يكره الحياة، بل إنه يحبها بشدة، غير أنه لم يجدها كما كان يتمناها. العديد ممن اختاروا أن يضعوا حدا لحياتهم تركوا رسائل ذات معنى بليغ، ومنهم من لم يترك أي رسالة، لكن انتحاره كان في حد ذاته خطابا بليغا إلى من يهمه الأمر
العديد من الأدباء والمبدعين المغاربة والعرب وجدوا أنفسهم ذات لحظة يأس وإحباط؛ مرغمين على توديع الحياة رغم حبهم الشديد لها
ضمن هذه الفسحة الرمضانية، سيرة لمجموعة من هؤلاء المعذبين على الأرض، إلى جانب نماذج من إنتاجاتهم الإبداعية، تكريما لأرواحهم الطاهرة

الحلقة 5

ألقت الشاعرة صفية كتو، بنفسها من على«جسر تيليملي» بوسط الجزائر العاصمة، وهناك من رجح سبب انتحارها بتنبئها ببداية العشرية الدموية في الجزائر.
صفية كتو، قاصة وشاعرة جزائرية.. اسمها الحقيقي “زهرة رابحي”؛ كانت تكتب باسم مستعار، مثل بعض الكاتبات في زمنها، ولدت عام 1944 في مدينة العين الصفراء، عملت مدرسة للغة الفرنسية حتى 1969، ثم انتقلت إلى مدينة الجزائر، وفي 1973 عملت صحافية  في وكالة الأنباء الجزائرية.
بدأت موهبة الكتابة عند “صفية كتو”؛ وهي في عمر الخامسة عشر، ونشرت ما تكتبه في 1960، حيث نظمت قصائد عن الثورة والنضال وهي في المرحلة الثانوية، وكانت أول قصيدة نشرت لها بعنوان (الجزائر) قبل السنة الأولى للاستقلال، وقد بدأت تجربة كتابة القصة في 1962، وقبل رحيلها بسنوات أوضحت “صفية كتو” أنها بصدد كتابة رواية طويلة تتناول الواقع
الاجتماعي، وأنها أنهت مسرحية بعنوان
(أسماء) وقدمتها للإذاعة والتلفزة الجزائرية، ولا يعرف مصير هذه المسرحية، وتعتبر “صفية كتو” واحدة من الأديبات الجزائريات اللواتي أسسن لمسيرة الكتابة النسائية في الجزائر، وأثرين الساحة الأدبية بإبداعاتهن مع نهاية الخمسينيات.
لم تخلف الراحلة سوى كتابين، الأول ديوان شعري بعنوان (القيثارة الصديقة) 1979، والثاني مجموعة قصصية (الكوكب البنفسجي) 1981، وقد صدرا بالفرنسية عن دار أنطوان نعمان” بكندا.
***

من قصائدها:

عبء

عـبء
أحس بثقل في قلبي
كأنما يحمل أثقالا
أقبل بكل حمل
حتى ولو كان لمجرمين
منهك أنا بكاهلي الثقيل
بالخطايا بضجيج
المحطات المكتظة
في كل يوم أزداد انحناء
تحت عبء آخر
يهبط و يضغط
على صدري الضيق
المخنوق بالملل
قليلون هم
من يفكروا في معاناتي
ولا من يواسيني
ولو بكلمة، بابتسامة
ربما لأني مجرد عتّال.
***

مقطع من إحدى قصصها القصيرة:

“عام 2222، كان ياسين يشتغل قائدا للمركبة الفضائية «عايدة 15». مركبة نقل المسافرين التّابعة لشركة الخطوط الجويّة القمرية.
كانت المركبة تقوم، مرّة كل شهر، برحلة ذهاب وإياب إلى سطح القمر، ناقلة على متنها 500 مسافر. كان مقر شركة «الخطوط الجوية القمرية» متواجدا على سطح جزيرة اصطناعية، تمت إقامتها وسط البحر الأبيض المتوسط عام 1999
ذلك اليوم كان الانطلاق مبرمجا على السّاعة الثّانية زوالا، بتوقيت غرينتش. قام القائد بإجراء بعض التّجارب الرّوتينية، ثم قام بتفحص لوحة التّحكم بعد التأكد من تعداد ركاب الرحلة. أطلق برج المراقبة في الوقت المحدّد إشارة الانطلاق. تمت كل إجراءات الإقلاع بالشكل العادي.
انطلقت المركبة من القاعدة واندفعت محلّقة كطائر حرّ في الأجواء. كانت مليكة مضيّفة المركبة تقوم بمهامها. كانت تجلس داخل مقصورة مُجهّزة بكاميرات تنقل كل شاردة وواردة. يسمح لها النظام المستخدم بتقديم التعليمات دونما الحاجة للتحرك من مكانها. كان بإمكان الرّكاب مشاهدتها عبر مختلف الشاشات الموزعة عبرهيكل الطائرة الدّاخلي. كانت كل المقاعد الخمسمائة من المركبة مجهزة بلوحة أزرار صغيرة تستخدم وفق تعليمات المضيفة. كما أن المسند كان مجهزًا بلوحة تحكم.
موسيقى هادئة كانت تملأمقصورة الركاب. موسيقى من تأليف ملحن مختص في الأمراض العصبية.
كان كل شيء يسير على ما يرام. غفا بعض الرّكاب وانسحب آخرون إلى الكتابة، بينما فضلت البقية طلب بعض الحلويات والمشروبات من الموزعات الأوتوماتيكية.
كان القائد ياسين بمقصورته المعزولة، يراقب آلاته. يؤدي مختلف العمليات بسهولة. كان يعرف المركبة جيدا. في الحقيقة كانت المركبة جزءا منه. يعاني لمعاناتها وينتشي لسعادتها. لحسن الحظّ كانت، ذلك اليوم، في أحسن حال.
لم تكن«عايدة 15»، بالنسبة لياسين، مجرد آلة، بل رفيقا حسّاسا، يمنحه غالبية وقته. كأنما رابط عاطفي يجمع ما بين الطرفين.
لهذا السّبب ترفض الزّواج!. خاطبه ابن عمِّه يوما. كلما أعاد تذكر تلك الكلمات ينفجر قهقهة.

“صحيح”، فكّر ياسين
«أنا سعيد هكذا. لست بحاجة لشيء آخر»

أغمض عينيه للتلذّذ أكثر بتلك اللّحظة، قبل أن يعيد فتح جفنيه قليلا. لم يكن وقت الحلم مناسبا.
هزّه صفير سريع
كان إشعارا بالخطر

ردّد بعدها مباشرة صوت رتيب وكئيب عبارة:
«عودوا إلى الأرض!…عودوا إلى الأرض!…عودوا إلى الأرض.
أعاد ياسين بسرعة ربط الاتصال بالمحطّة الأرضية متسائلا بصوت حائر:

هنا «عايدة 15»، ماذا حصل؟

أجابه مسؤول الأمن:

– القمر في خطر

انقبض لسان ياسين قائلا:

– هل بإمكاني فعل شيء

– مع 500 راكب. هذا مستحيل

– حقا! تعجّب ياسين

– أتستطيعون الرجوع؟
. – لا بأس

لم يكن ركاب «عايد 15» على إطلاع بما يحصل. كانوا غارقين في عطر المقاعد، متفرجين على الشاشات التلفزيونية. مدركين مسبقا، بأنه في حالة طارئ سيأتي من يبلغهم. كما أن هنالك جهاز تواصل تحت كل مقعد، مما يشعرهم بأمان أكبر.
كانوا قد تخيّلوا قبل الأوان، وصولهم إلى القمر سالمين وملاقاة الأهل والأصدقاء الموجودين هناك.
نادى القائد على المضيّفة وأبلغها، بلباقة بالنبأ السّيء. كان يدرك بأن خطيبها متواجد على نفس الرّحلة. شحب وجهها بينما امتلأت نظراتها هلعا.

اعداد: عبد العالي بركات

الوسوم ,

Related posts

Top