إشراك المجتمع المدني: إعلان للثقة وتفعيل للشفافية

أدى تطور المقاربات في تدبير الشأن العام إلى ملاحظة تؤكد بأن احتكار الدولة لهذا الأمر لا يمكِّن من تحقيق انتظارات المواطنين على الوجه الأمثل، وأن الديمقراطية التمثيلية من خلال المجالس المنتخبة المحلية والوطنية، تظل بدورها، بالرغم من ضرورتها وأهميتها الحيوية، قاصرة عن تحقيق هذا الهدف. أولا لتعدد الانتظارات مع تطور الحياة الحديثة، وثانيا للسرعة التي تتجدد بها هذه الانتظارات وتتزايد وتتعقد.
لهذا يمكن اعتبار إشراك المجتمع المدني جزءا لا يتجزأ من الممارسة الديمقراطية في تدبير الشأن العام، بل إن هذا الإشراك صار، ربما، أحد المعايير التي يمكن من خلالها قياس مدى الالتزام بمبادئ الديمقراطية في أوسع ما لهذه الممارسة من معنى، وبشكل خاص خارج صناديق الاقتراع. ومن هنا يمكن أن نفهم كيف أصبح مطلب المشاركة المدنية أكثر بروزا في العالم العربي خاصة بعد العام 2011، وهو المطلب الذي تمت الاستجابة له، بقدر أو بآخر، في أكثر من بلد عربي.
يتحقق إشراك المجتمع المدني من خلال مستويات عدة، يمكن حصرها، حسب المهتمين بالموضوع، في أربعةٍ كبرى هي: “الإخبار” من خلال الاكتفاء بوضع المعلومات رهن إشارة المجتمع المدني، والمواطنين أيضا، حتى يكونوا فقط على اطلاع بشأن البرامج والسياسات التي يتم إقرارها وتنفيذها. ثم “الاستشارة” أي طلب رأي المجتمع المدني في مشروع تقرر إنجازه أو يتم التفكير فيه من قبل الإدارة العمومية.  و”التشاور” الذي يتخذ شكل مناقشة وحوار في أفق اتخاذ قرار ما.  وأخيرا “الإشراك الكامل” من خلال ضمان وجود المجتمع المدني منذ البداية في الإعداد وفي اتخاذ القرار النهائي بشأن قضية ما لها أثر على المجتمع سواء محليا أو وطنيا.
إن هذه العملية تحقق مرتكزين أساسيين من مرتكزات الحكامة الجيدة. ويتمثل الأول في الإشراك ذاته، بينما يتمثل المرتكز الثاني في الشفافية، بما يعني أنهما متلازمان. وبالتالي فالديمقراطية التشاركية، بهذا الشكل، تعني، بمعنى ما، نهاية احتكار الدولة، بما في ذلك المؤسسات المنتخبة، للقرار في تدبير الشأن العام تشريعا وتخطيطا وتنفيذا. أما الهدف منها فهو المساهمة في تجويد عمل المؤسسات العمومية وتطويره في إطار من التكامل مع الديمقراطية التمثيلية المفروض أنها قاعدةٌ للممارسة السياسية المفضية إلى مسؤولية تدبير الشأن العام.
لكن الديمقراطية التشاركية تحتاج بالضرورة إلى تعاون إدارات الدولة ومؤسساتها والهيئات المنتخبة لكي تكون ناجعة. وهذا التعاون له أوجه عدة من بينها أن تنفتح هذه المؤسسات على المجتمع المدني من خلال تأمين المعلومات الكافية المتعلقة بطرق عملها بما في ذلك المساطر والقوانين وأنظمة التوظيف والأجور والمكافآت، إن اقتضى الأمر، وأيضا بالبرامج التي تسعى لإعدادها وتنفيذها.
ومن البديهي أن نلاحظ، أنه ليس من السهل المرور من ممارسة أحادية انفردت بها الدولة في التدبير طيلة عقود طويلة إلى ممارسة تشاركية. لتحقيق هذا الانتقال لابد من تأطيره بمقتضيات قانونية يخضع لها الجميعُ، وتسمح لفعاليات المجتمع المدني بالخروج من أدوارها التقليدية التي يتم حصرها غالبا في حملات الترافع والتوعية حول قضايا كثيرة تعتمل في المجتمع من دون أن تتدخل مع مؤسسات الدولة في صياغة الحلول وإعداد السياسات بشأنها.
إلا أنه بقدر ما يشكل وجود قانون يؤطر ويضمن الوصول إلى المعلومة أهمية حيوية بالنسبة للمجتمع المدني للقيام بأدواره الجديدة، بقدر ما ينبغي تعزيز ذلك بتوفير هذه المعلومة بشكل مبكر لضمان المشاركة في كل مراحل اتخاذ القرار. وبدون إتاحة المعلومات في وقتها، لا يمكن لمبدأ الديمقراطية التشاركية أساسا أن يتحقق، لأن ذلك يحرم المعنيين بالمشاركة من أداة ضرورية لبلورة رأي أو نقد فكرة وتطويرها أو إبداع أفكار أخرى بشأن مشاريع القرارات المطلوب اتخاذها.
في هذا الإطار، نجد، بالنسبة للمغرب مثلا، أنه إذا كان دستور سنة 2011 قد مكن المجتمع المدني من أدوار جديدة في الحياة العامة كما نقرأ في الفصل 12 الذي ينص على أنه “تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها”، فإنه عاد في الفصل 27 للتأكيد على التلازم بين المشاركة والشفافية من خلال إقرار الحق في الوصول إلى المعلومة بالتنصيص على أن “للمواطنين والمواطنات الحق في الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارات العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام”. وأنه “لا يمكن تقييد الحق في المعلومات إلا بمقتضى القانون بهدف حماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، الحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة”. 
وأود أن أشير هنا، إلى أن تجربة إشراك المجتمع المدني في عدد من الأوراش المجتمعية كانت حاضرة قبل دستور 2011، من خلال مثالين على الأقل. يتمثل الأول في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي تم إطلاقها سنة 2005، لتنفيذ برامج تهدف لمحارية الهشاشة الاجتماعية والفقر والإقصاء الاجتماعي. حيث نجد ضمن اللجان المحلية والإقليمية والجهوية لتتبع تنفيذها تمثيلية للمجتمع المدني بهدف المشاركة في انتقاء البرامج المرشحة للدعم، وهي برامج تقدمها جمعيات أو تعاونيات، وضمان التقائيتها مع برامج المؤسسات العمومية. أما المثال الثاني، فتجسده الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، التي ضمت ضمن أعضائها تمثيلية واسعة للمجتمع المدني العامل في مجال مكافحة الفساد، وهو ما ساعدها على إنتاج تقارير ودراسات على قدرٍ كبير من الغنى والمصداقية ارتقت بها إلى مؤسسة دستورية.
لكن الجديد الذي حمله دستور 2011، هو، تعميق مبدأ المشاركة من خلال إضافة الأدوار المشار إليها سابقا الواردة في المادة 12، وإحداث مؤسسات تعنى بالشباب والمساواة مثلا تضم في تركيبتها ممثلين عن المجتمع المدني. ولتنزيل هذه المقتضيات، كانت الحكومة قد أطلقت في العام 2013 حوارا وطنيا حول المجتمع المدني، لمدة عام كامل، من خلال لجنة وطنية انتقلت إلى مختلف الجهات للإنصات واستقاء آراء الجمعيات بخصوص بلورة المقتضيات الدستورية إلى مقترحات قوانين، خاصة قانونين تنظيميين حول العرائض والملتمسات التشريعية، إضافة إلى مراجعة الظهير المؤطر للجمعيات لسنة 1958، وإقرار ميثاق للديمقراطية التشاركية.
إن الهدف العام من كل هذه المقتضيات، هو إنهاء احتكار الدولة لتدبير الشأن العام، وبالتالي إنهاء احتكار المعلومة وصياغة السياسات والبرامج، أي إضفاء الشفافية على عملها، تلك الشفافية التي تفضي إلى ثقة متبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة. تثق الدولة في ذكاء المواطن وتَطوُّرِ وعيه وقدرته على ابتكار الأفكار. ويثق المواطن في الدولة من منطلق أنها تنصت إليه وتضع في أولوياتها الاستجابة لحاجياته، مع مراعاة حقه في تتبع وتقييم ما يتم إنجازه على الأرض. بهذا فإن الدور الرقابي الذي بات المواطن يقوم به، من خلال المجتمع المدني أساسا، يكتسي أهمية كبرى في تحسين الحكامة سواء على مستوى جودة الخدمات التي تقدمها المؤسسات العمومية، أو على مستوى صرف الأموال العمومية المرصودة للبرامج والمشاريع المسطرة، أو على مستوى تحديد الأولويات في إعداد وإنجاز تلك المشاريع. لهذا كانت أجهزة الرقابة من مفتشيات للمالية وللوزارات والمحاكم المالية تقوم بعملها بشكل بعديّ، وإن المجتمع المدني، بضمان تمثيليته وإشراكه، يقوم بذلك في كل المراحل، بما يمكن من رصد الاختلالات مهما كان نوعها بشكل مبكر وإتاحة المجال لتعديل البرامج أو لتصحيح ما يمكن تصحيحه.
وإذا علمنا أن التدبير العمومي، سواء الموكول للإدارات العمومية أو للمؤسسات المنتخبة، على المستويين الوطني والمحلي، يروم الاستجابة للحاجيات الفعلية للمواطنين، فإن الغاية من إشراك المجتمع هو ضمان القيام بذلك بشكل ناجع. فالمجتمع المدني يظل الأقرب إلى الناس والمعبر عن تطلعاتهم الآنية والملحة، وبالتالي هو الذي يمكنه أن يكيف الاستراتيجيات والسياسات التي تسطرها الدولة من خلال مؤسساتها مع الحاجيات ذات الأولوية للسكان، والوصول إلى سياسات متوافق عليها تراعي في الوقت نفسه الأهداف طويلة المدى للدولة من سياساتها والمطالب الآنية التي يرفعها السكان في كل جهة أو إقليم، بما يضمن أحد أوجه الحكامة الجيدة المتمثل في حسن توجيه الموارد والأموال العمومية وترشيد إنفاقها.
وإذا أردنا أن نلخص أهمية الديمقراطية التشاركية أو المشاركة المواطنة أو إشراك المجتمع المدني، وهي تعابير تفضي إلى المعنى ذاته، فيمكن رصدها من خلال عدد من نقط القوة، في مقابل الديمقراطية التمثيلية عبر العملية السياسية التي تظل هي الأساس الأول في بناء المجتمعات المتقدمة. وتتمثل هذه النقط في:
* أولا، أن جمعيات المجتمع المدني أقرب إلى المواطنين وانشغالاتهم مقارنة مع الأحزاب السياسية التي يرتبط عملها في الغالب بالأجندة الانتخابية وبالحصيلة الدورية لبرنامج عملها في التدبير محليا ووطنيا، وبالتالي فالجمعيات هي أكثر معرفة وإلماما بتلك الانشغالات التي قد تبدو صغيرة أحيانا وغير مثيرة للاهتمام.
* ثانيا، أن هذه الجمعيات، التي من بين مهامها الأساسية تأطير المواطنين، هي القناة الممكنة لاستعادة شرائح واسعة من المجتمع نفرت من العمل السياسي لفقدانها الثقة في عمل التنظيمات السياسية، وجعلها فعالة من موقع آخر في تدبير الشأن العام.
* ثالثا، وبمناسبة الحديث عن فقدان الثقة في الفاعل السياسي، فإنه على خلاف ذلك يُنظر إلى المجتمع المدني كقطاع بدون رهانات ومطامع للوصول إلى سلطة أو منصب مما يجعل منه فضاء للتعبير الحرّ عن مطالب الناس بدون تحفظات أو توافقات من طبيعة تلك التي يفرضها العمل السياسي وتحالفاته.
* رابعا، اعتبارا للدور التوعوي الذي تقوم به جمعيات المجتمع المدني، فإن هذا الأخير يمكنه أن يكون الشريك الأمثل للدولة في تفسير بعض القوانين والقرارات وتبسيطها للناس على نطاق واسع بشكل يقوي من أثرها ويوفر لها أسباب النجاح.
هذه النقط، وغيرها، تجعل المجتمع المدني قادرا على لعب الأدوار المنوطة به، خارج الدور الترافعي، في مجالات التنمية ودعم الأوراش المجتمعية الكبرى المؤسسة مثل مكافحة الفساد وتعميق الممارسة الديمقراطية.

* مسؤول وحدة التنسيق والتعاون الوطني بالهيئة المركزية للوقاية من الرشوة

* نص المداخلة التي ألقيت خلال أشغال المنتدى الدولي الثاني حول “الأدوار الثقافية الجديدة للمجتمع المدني في تعزيز ونشر ثقافة الحوكمة الرّشيدة” المنعقد بتونس يومي 23 و24 مارس 2018، ونظمته الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بتونس بالتعاون مع وزارة الشؤون الثقافية التونسية والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو)

> بقلم: جمال الموساوي *

Related posts

Top