التحولات الأخيرة

يمكن للمرء، وبغير افتئات على حماس، أن يرى في تحولاتها الأخيرة ما يناقض بعضه بعضا. فخطوة إعادة الزَخم لعلاقتها مع طهران بتلك الحرارة التي انعكست في رثائها لقاسم سليماني؛ تنمُّ عن حسابات مرتجلة، ولا نقول ذلك من منطق إنكار حقها في المواساة، على الأقل لأن الرجل الذي قاد خطط إيران العسكرية في المشرق العربي؛ قد شمل حماس برعاية تسليحية ومعنوية. لكن حقّ حماس على نفسها أيضا أن تستذكر الدور الذي لعبه سليماني، كقائد ميداني ينفذ إستراتيجية إيرانية، قوامها السيطرة على بلدان في قلب هذا المشرق، على النحو الذي لا يلائم تمنيات الإخوان إن لم يكن يمثل لهم كابوسا.
ربما يكون قادة حماس قد جلسوا وفكروا، قبل أن يتخذوا خطوتهم، لكن المنطق يقول، إن محددات هذا التفكير لم تكن صائبة، بحكم معطيات كثيرة في محيطهم الأقرب.
فقد كان يتعين عليهم أن يعلموا بأن الصراع اليوم، على بلداننا وفيها، يدور بين قوة أعظم قررت إعادة إيران إلى حدودها، وقوة إيرانية أضعف تريد تثبيت وجودها المتخطي الحدود، من خلال ميليشيات هادرة، ربما في غمرة حماستها، لا تستطيع قراءة السياق الإستراتيجي للسياسات الإقليمية والدولية. وإن ظللنا في نطاق الحديث عن حماس تحديدا، بمقدورنا أن نتبين الفجوة بين خطوتها الإيرانية الجديدة، وتحولاتها الجديدة داخل منطقة سلطتها في غزة.
ففي الوقت الذي يحافظ فيه حلفاء إيران الصغار، على خطابهم المُرعد عبر الأثير، فإن إيران نفسها تتوخى تسوية مع الأميركيين، وهي تعرف أن الغرب بات موحّدا على هدف تحجيم نفوذها في المشرق العربي، كما تعرف أن ما تملكه من القوة العسكرية، ينحصر في الصواريخ الباليستية، وأن القواعد الأميركية تحيط بها من الشرق والغرب، وأن أي حرب يمكن أن تندلع ستكون محفوفة بالمخاطر. فسلاحها الجوي شديد التواضع، وتقنيات التحكم في النيران لن تضاهي التقنيات الأميركية، والمجتمع المدني الإيراني يتحين الفرصة للانفجار، وبالتالي فإن أي حرب، من شأنها تضييع النظام، ولن يجدي قبلئذ، كل طنين الخطاب الجامح، عند الوطيس. فما الرشقات الصاروخية التي أُطلقت على قاعدتين أميركيتين في العراق بالكيفية التي أطلقت بها؛ إلا محاولة مدروسة ومبلّغ عنها مسبقا، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تأثير خطاب الطنين. بل إن الإشارات الإيرانية الكثيرة، التي أرسلتها طهران وقالت أو ألمحت فيها إلى أن الثأر البليغ، سيكون بأيدي “محور الممانعة” ليست إلا نوعا من الممارسة التعبوية. فتعبير “محور الممانعة” يُرادُ منه الإشارة إلى الميليشيات قبل الإشارة إلى الدول. لذلك رأت “زينب” ابنة قاسم سليماني وجاهة في إعطاء التكليف الشخصي من أسرتها لــ”حزب الله” بالثأر لوالدها.
اليوم، يواجه حزب الله مأزقا داخليا في لبنان وفي إستراتيجيته الإقليمية. والوضع لم يعد كما كان في عهد باراك أوباما، عندما تركت الولايات المتحدة الميليشيات الإيرانية ترتع، دون أن تلحق بها صفة من الصفات التي استحقها تنظيم داعش. فهذا تمييز لم يعد قائما. ودوائر اتخاذ القرار في إيران تعرف أن زمن الهجوم بالوكالة قد ولّى. فهذا الأخير، بات يؤخذ باعتباره هجوما بالأصالة، تتحمل مسؤوليته مرجعيات المهاجمين. وهذه عقيدة حربية اخترعها الإسرائيليون. كذلك فإن زمن اقتصار الحديث عن إرهاب وإرهابيين، على الطائفة السُنية والإرهابيين الذين خرجوا منها، قد ولى أيضا إلى غير رجعة. ففي الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بلغة متعالية في القاهرة (10 ديسمبر 2019)  تحدث عن أيديولوجية جهادية خرجت من الطائفتين السنية والشيعية، وقال ما معناه، إن من ينددون بإرهاب داعش لديهم إرهابهم، وتحدث صراحة عن أذرع إرهابية إيرانية، أطلقتها طهران على الشعب السوري، وأردف قائلا “سنعمل مع شركائنا لإخراج آخر جندي إيراني من سوريا” وكان يقصد الميليشيات. فإن كان هذا القول، لا يزال في حيز التمنيات، إلا أن المضمر لدى الإدارة الأميركية، جاء في عبارة قالها بومبيو “لقد انتهى عصر الخزي الأميركي الذاتي!”.
في هذا الخضم خطت حماس خطوتها، وكان ذلك ارتجالا غير محسوب. فمن باب أول، لم تعد هي نفسها، تتبنى مشروعا عسكريا، وسط صراع الفيلة ومع بؤس المجتمع في غزة. ومن باب ثان، ليس لدى إيران ما تفعله لها سوى بيانات امتداح المقاومة حتى وإن لم يدُر رحاها. فقد دُكت غزة بكل وحشية عديد المرات، ولم تُطلق من جهة إيران وميليشياتها صفارة إنذار. ومن باب ثالث، لم يلقَ قرار استعادة الزخم للعلاقة مع إيران، ولا حرارة الرثاء لسليماني واعتباره شهيد القدس، حماسة لدى منتسبي حماس. فقد عاش هؤلاء سنوات، في حال التأسي على الشعب السوري والتعاطف مع المعارضة المسلحة عدوة سليماني. ثم إن منحى التفاهمات على التهدئة مع إسرائيل، وهذه شقيقة الاتفاقات، لا تلائمها حرارة الرثاء لسليماني. ربما تلائمها تعزية عُمان في رحيل سلطانها. فكيف قرأ قادة حماس المشهد؟ وبأي منظار؟ وماذا يريدون؟
اضطرابات المنطقة تبعث رسائلها. والسياستان الإيرانية والتركية تواجهان انسدادا، والأمن القومي العربي يشهد فراغا أغوى طهران وأنقرة، وليس للفلسطينيين من نصير حقيقي، لا في التسوية ولا في المقاومة. لذا فإن الأجدر بجماعة التسوية الفاشلة والمقاومة المجهدة، أن يلتقيا على هدف جمع عناصر العافية للمجتمع الفلسطيني وتطبيب جراحه وتنمية قدراته وإطلاق حرياته واستعادة مؤسساته، لكي تستعيد القضية الفلسطينية زخمها بدل الضياع بين المحاور!

عدلي صادق

كاتب وسياسي فلسطيني

Related posts

Top