السلطوية في العالم العربي بين الأفول والتجدد

لقد‭ ‬مثّلت‭ ‬السلطوية‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أشكال‭ ‬الأنظمة‭ ‬غير‭ ‬الديموقراطية،‭ ‬والتي‭ ‬يعد‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬مشتلا‭ ‬لإنتاجها‭ ‬بصفة‭ ‬مستمرة‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المترابطة‭ ‬ذات‭ ‬الصبغة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬بالأساس،‭ ‬دون‭ ‬إهمال‭ ‬تبعات‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬وما‭ ‬أفرزته‭ ‬من‭ ‬تبعية‭ ‬سياسية‭ ‬للغرب،‭ ‬الذي‭ ‬وجد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬السلطوية‭ ‬العربية‭ ‬حليفا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬لخدمة‭ ‬مصالحه‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وإلا‭ ‬فكيف‭ ‬نفسر‭ ‬ذلك‭ ‬الموقف‭ ‬الغامض‭ ‬للدول‭ ‬الغربية‭ ‬تجاه‭ ‬الانتهاكات‭ ‬المتكررة‭ ‬والمتواصلة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬ببلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬وفي‭ ‬طليعتها‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬ينكر‭ ‬الطابع‭ ‬الملتبس‭ ‬الذي‭ ‬تعاطت‭ ‬به‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مع‭ ‬الإعدامات‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬مؤخرا‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬ولا‭ ‬طريقة‭ ‬تعاطي‭ ‬ترامب‭ ‬مع‭ ‬قضية‭ ‬مقتل‭ ‬الصحفي‭ ‬السعودي‭ ‬جمال‭ ‬خاشقجي‭.‬
إن‭ ‬المطلع‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬سيجد‭ ‬أن‭ ‬التسلط‭ ‬قد‭ ‬انصهر‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬قوالب‭ ‬مؤسساتية‭ ‬رسخت‭ ‬مفهوم‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬والدولة‭ ‬بالعالم‭ ‬العربي‭.‬ تلك‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬بنياتها‭ ‬الإدارية‭ ‬والدستورية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬امتداد‭ ‬تاريخي‭ ‬لما‭ ‬يسميه‭ ‬المفكر‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬العروي‭ ‬بالدولة‭ ‬السلطانية‭. ‬ولعل‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬طريقة‭ ‬تأويل‭ ‬القيم‭ ‬الثقافية‭ ‬والدينية‭ ‬المؤسسة‭ ‬لمشروعية‭ ‬هذه‭ ‬الدولة،‭ ‬شكل‭ ‬مبررا‭ ‬ومنطلقا‭ ‬تحليليا‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬المستشرقين‭ ‬مثل‭ ‬برنار‭ ‬ليفيسBernad Lewis‭ ‬ وإرنست‭ ‬رونو‭ ‬Ernest Renan‭ ‬ وصامويل‭ ‬هنتغتون‭ ‬Samuel Huntington‭ ‬لتأكيد‭ ‬فرضية‭ ‬تعارض‭ ‬الإسلام‭ ‬مع‭ ‬القيم‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬استحالة‭ ‬دمقرطة‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬و‭ ‬الإسلامية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬أحداث “‬الربيع‭ ‬العربي” ‬والتي‭ ‬انطلقت‭ ‬أولى‭ ‬شراراتها‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬سنة‭ ‬2011،‭ ‬جاءت‭ ‬لتنسف‭ ‬تلك‭ ‬الفرضية‭ ‬ولتؤكد‭ ‬تطلع‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬التغيير‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الإكراهات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عكسته‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشعارات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬رفعها‭ ‬المحتجون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬والمغرب‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬الحراك‭. ‬ولقد‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬بشكل‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬منسوب‭ ‬الوعي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المتنامي‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يتبلور‭ ‬بهذه‭ ‬البلدان‭ ‬في‭ ‬تزامن‭ ‬مع‭ ‬النقلة‭ ‬النوعية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الديمغرافي‭. ‬ولعل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الأبحاث‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ” ‬الربيع‭ ‬العربي‭” ‬كمعطى‭ ‬جديد‭ ‬لتناول‭ ‬ودراسة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬طرحها‭ ‬لفرضيات‭ ‬الانتقال‭ ‬الديمقراطي‭ ‬وإمكانية‭ ‬بناء‭ ‬مشروع‭ ‬حداثي‭ ‬بالبلدان‭ ‬العربية‭.‬
لكن‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬مقابلة،‭ ‬فالمسار‭ ‬الذي‭ ‬قطعته‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬وطبيعة‭ ‬مخرجاتها‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الربيع‭ ‬خريفا‭ ‬تعمّه‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬مستمرة‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬وسوريا‭ ‬واليمن،‭ ‬مرورا‭ ‬بإمساك‭ ‬الجيش‭ ‬بزمام‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬بعد‭ ‬الانقلاب‭ ‬الذي‭ ‬نفذته‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬رئيس‭ ‬محسوب‭ ‬على‭ ‬تيار‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭. ‬وحتى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الحراك‭ ‬بطريقة‭ ‬استراتيجية‭ ‬يشوب‭ ‬مسلسل‭ ‬الإصلاحات‭ ‬السياسية‭ ‬والدستورية‭ ‬بها‭ ‬عدة‭ ‬عراقيل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬تلك‭ ‬الإصلاحات‭ ‬وفق‭ ‬مقاربة‭ ‬سلطوية‭ ‬أفرغتها‭ ‬من‭ ‬حمولتها‭ ‬الديمقراطية‭. ‬فإذا‭ ‬استحضرنا‭ ‬النموذج‭ ‬المغربي،‭ ‬نلاحظ‭ ‬بأن‭ ‬المخزن‭ ‬كثقافة‭ ‬وكأليات‭ ‬للتحكم‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬وفرملة‭ ‬الإصلاحات‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬مستويات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬مراقبة‭ ‬مخرجاتها‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تحدث‭ ‬تغييرا‭ ‬يقلص‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة‭. ‬لذا،‭ ‬فإن‭ ‬كيفية‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬الإرث‭ ‬المخزني‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الرهانات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬مسلسل‭ ‬الدمقرطة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬مثل‭ ‬المغرب،‭ ‬أصبح‭ ‬فيه‭ ‬الشباب‭ ‬هو‭ ‬الفاعل‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬المسيرات‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضي‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬الديمغرافية‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬تعبويا‭ ‬نتيجة‭ ‬لإمساكها‭ ‬بزمام‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬ترتب‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬التمثل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للسياسة‭ ‬والسلطة‭ ‬والدولة‭.‬
يمكننا‭ ‬القول‭ ‬إذن،‭ ‬أن‭ ‬أحداث‭ ”‬الربيع‭ ‬العربي‭” ‬تتمثل‭ ‬من‭ ‬جانبها‭ ‬الإيجابي‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬فتحت‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬الشباب‭ ‬لكي‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تأسيس‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬جديدة‭ ‬أهمها‭ ‬المحاسبة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬وفق‭ ‬تصور‭ ‬اجتماعي‭ ‬جديد‭ ‬ومغاير،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬ملكا‭ ‬تاريخيا‭ ‬للحاكم‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬شأنا‭ ‬خاصا‭ ‬له،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الفقر‭ ‬قدرا‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬المواطن‭ ‬الإيمان‭ ‬به‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تماما،‭ ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬المواطن‭ ‬يعتبر‭ ‬غياب‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتقاعس‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬والنظام‭ ‬السياسي‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬أدوارهم،‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬لأوضاعه‭ ‬المزرية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬السوسيواقتصادي،‭ ‬وبات‭ “‬الفساد‭” ‬عدوه‭ ‬الأول‭ ‬والأخير‭.‬
غير‭ ‬أنه‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬الإيجابية،‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬المحلل‭ ‬في‭ ‬تناوله‭ ‬للأحداث‭ ‬والدينامية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬بلدان‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬منذ‭ ‬يناير‭ ‬2011،‭ ‬أن‭ ‬يخوض‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬حول‭ ‬حتمية‭ ‬الإصلاح‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسقط‭ ‬في‭ ‬جدلية‭ ‬التشاؤم‭ ‬والتفاؤل‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬لأن‭ ‬أسباب‭ ‬استمرارية‭ ‬السلطوية‭ ‬في‭ ‬التجذر‭ ‬لازالت‭ ‬قائمة‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬التحول‭ ‬الحاصل‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والديمغرافي‭. ‬فارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬الأمية‭ ‬ومحدودية‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬القيم‭ ‬الثقافية‭ ‬المحددة‭ ‬للعلاقات‭ ‬والنظام‭ ‬الاجتماعيين،‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تشرح‭ ‬أسباب‭ ‬تأييد‭ ‬بعض‭ ‬الشرائح‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للأنظمة‭ ‬السلطوية‭ ‬وشكها‭ ‬في‭ ‬مصداقية‭ ‬مطالب‭ ‬الفئات‭ ‬الأخرى‭ ‬المطالبة‭ ‬بالتغيير‭. ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬التغيير‭ ‬بهذه‭ ‬البلدان‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬معادلة‭ ‬يصعب‭ ‬فهمها‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬حلها‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬فهم‭ ‬دقيق‭ ‬ومعمق‭ ‬لهذا‭ ‬التناقض‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬التغيير‭ ‬والاستمرارية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المخاض‭ ‬العسير‭ ‬الذي‭ ‬تمر‭ ‬منه‭ ‬اليوم‭ ‬عملية‭ ‬ولادة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ببلدان‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط. ‬ويحيل‭ ‬التلاقح‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬في‭ ‬أبعاده‭ ‬الجدلية،‭ ‬على‭ ‬كون‭ ‬أهم‭ ‬عائق‭ ‬يقف‭ ‬حجرة‭ ‬عثرة‭ ‬أمام‭ ‬عملية‭ ‬التحديث،‭ ‬يتجسد‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬محدودية‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬وفي‭ ‬نسبية‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الملاحظة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمعات‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬بنياتها‭ ‬بشكل‭ ‬عقلاني‭ ‬يسمح‭ ‬ببناء‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني‭ ‬قوي،‭ ‬يكون‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬إطار‭ ‬لإنتاج‭ ‬وعي‭ ‬ديمقراطي‭ ‬مضاد‭ ‬للقيم‭ ‬السلطوية‭ ‬التي‭ ‬ينتجها‭ ‬الفضاء‭ ‬السياسي‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ينضاف‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬المجتمع‭ ‬عبر‭ ‬بناء‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشبكات‭ ‬الزبونية‭ ‬التي‭ ‬سهلت‭ ‬عليها‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬دينامية‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬وبالتالي‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬للأفعال‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬القوى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المطالبة‭ ‬بالتغيير‭.‬
إن‭ ‬المنطق‭ ‬الريعي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المقاربة‭ ‬القمعية‭ ‬يُعدان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬نخب‭ ‬وأجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة‭ ‬بالعالم‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬الحراك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وأسهمت‭ ‬بشكل‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬تدجين‭ ‬القوى‭ ‬المعارضة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬الإصلاح‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬توجيهها‭ ‬وفق‭ ‬منطق‭ ‬سلطوي‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬السلطوية‭ ‬بدل‭ ‬الديموقراطية‭. ‬ولذا،‭ ‬فإن‭ ‬مسعى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المكتسبات‭ ‬الدستورية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬أتت‭ ‬بفضل‭ ‬حراك‭ ”‬الربيع‭ ‬العربي‭” ‬ظل‭ ‬يشكل‭ ‬موضوع‭ ‬انتقاد‭ ‬لحصيلة‭ ‬الأداء‭ ‬الحكومي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭. ‬وفي‭ ‬المغرب‭ ‬مثلا،‭ ‬أصبح‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬أمام‭ ‬عدة‭ ‬رهانات‭ ‬سياسية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتأثير‭ ‬هذه‭ ‬الحصيلة‭ ‬على‭ ‬مصداقيته‭ ‬كحزب‭ ‬قدم‭ ‬نفسه‭ ‬انتخابيا‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬بديل‭ ‬سياسي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تخليق‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬وتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬لكن‭ ‬محك‭ ‬الممارسة‭ ‬السياسية‭ ‬والتسيير‭ ‬جعله‭ ‬يتبنى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الاختيارات‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬تتناقض‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬مع‭ ‬برنامجه‭ ‬الانتخابي‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬مرتكزات‭ ‬أهمها‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتنمية‭.‬
وارتباطا‭ ‬بالحالة‭ ‬المغربية‭ ‬دائما،‭ ‬فقد‭ ‬أفرزت‭ ‬سنوات‭ ‬تسيير‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬للشأن‭ ‬العام‭ ‬عدة‭ ‬نتائج‭ ‬أهمها‭ ‬بروز‭ ‬صراع‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬وضمني‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة،‭ ‬وبالأخص‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬عرف‭ ‬بـ‭ “‬البلوكاج‭” ‬الحكومي‭ ‬سنة‭ ‬2016،‭ ‬حيث‭ ‬انتقل‭ ‬بعض‭ ‬زعماء‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬عبد‭ ‬الإله‭ ‬بنكيران‭ ‬في‭ ‬خطابتهم‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬إبراز‭ ‬أوجه‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مخطط‭ ‬لإضعاف‭ ‬الحزب‭ ‬والقضاء‭ ‬عليه‭ ‬سياسيا‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬التحول‭ ‬الحاصل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العلاقة‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬إسلاميي‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية،‭ ‬ثم‭ ‬نخب‭ ‬وأجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة‭/‬المخزنية‭ ‬يترجم‭ ‬بنحو‭ ‬ما‭ ‬أهميةَ‭ ‬ذلك‭ ‬التنافس‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭ ‬حول‭ ‬موارد‭ ‬السلطة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬ويعبر‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬نجاح‭ ‬الإسلاميين‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬ثقة‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬تشك‭ ‬في‭ ‬مصداقية‭ ‬خطابهم‭ ‬ونواياهم‭ ‬السياسية‭. ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬يبقى‭ ‬دائم‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬القائمة‭ ‬بينهما‭ ‬وبالأخص‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬أعضاء‭ ‬الحزب‭ ‬يوظفون‭ ‬انتصارهم‭ ‬الانتخابي‭ ‬كمورد‭ ‬سياسي‭ ‬يقوي‭ ‬نفوذهم‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬السياسية،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يذكرنا‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬نسبي‭ ‬بتجربة‭ ‬جماعة‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬حين‭ ‬قامت‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬باستثمار‭ ‬فوزها‭ ‬الانتخابي‭ ‬بطريقة‭ ‬جعلتها‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬صدام‭ ‬سياسي‭ ‬مع‭ ‬مؤسسة‭ ‬الجيش،‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تعتبر‭ ‬نفسها‭ ‬هي‭ ‬الفاعل‭ ‬والممثل‭ ‬الرئيسي‭ ‬للإرادة‭ ‬الوطنية‭ ‬مند‭ ‬الانقلاب‭ ‬العسكري‭ ‬لسنة‭ ‬1952‭.‬
إن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬خصوصيات‭ ‬الظاهرة‭ ‬السلطوية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬هي‭ ‬تحكم‭ ‬الجيش‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬السياسية‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬دواليب‭ ‬القطاع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سهل‭ ‬على‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬ضمان‭ ‬نفوذها‭ ‬السياسي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يشكل‭ ‬اسلوب‭ ‬الرئيس‭ ‬السيسي‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬بدولة‭ ‬مصر،‭ ‬ترجمةً‭ ‬حرفية‭ ‬للهيمنة‭ ‬السلطوية‭ ‬لهذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬الدولة،‭ ‬والأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬مؤسسة‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬إطلاقا‭ ‬بوجود‭ ‬فاعلين‭ ‬سياسيين‭ ‬أخرين‭ ‬ينافسونها‭ ‬في‭ ‬المشروعية‭ ‬التاريخية‭ ‬المكتسبة‭ ‬منذ‭ ‬الفترة‭ ‬الناصرية‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭.‬

< حسن الزواوي

Related posts

Top