اليوم العالمي للشباب نداء عالمي للاستثمار في التعليم المهني

تطلق الحكومات العربية تصريحات وردية عن واقع الشباب ومستقبلهم في إطار خططها للتنمية وتطوير التعليم وتوفير فرص العمل، بينما يعتبر الشباب أن ما يعيشونه أمر مختلف تماما عما تصوره الجهات الرسمية، ويؤكدون أن شعار يوم الشباب العالمي؛ “النهضة بالتعليم”، لهذا العام هو مطلب أساسي لهم ويجب أن يجد تطبيقا على أرض الواقع لا أن يبقى مجرد شعار.
واقعيا يحاكي هذا الشعار حاجة المجتمعات العربية إلى إيجاد حلول لآلاف الشباب الخريجين الذين لا يحتاجهم سوق العمل فعليا، فلا يكفي إنشاء مدارس وجامعات دون الاهتمام بنوعية التعليم وتوعية الأجيال باحتياجاتهم المستقبلية بعيدا عن النظرة التقليدية لهذه المجتمعات التي تبحث عن المكانة الاجتماعية للمهنة بغض النظر عن الكفاءة أو المردودية.واختلفت نظرة الشباب اليوم حول نوعية التعليم الذي يفضلونه حيث أصبحوا أكثر وعيا بمتطلبات سوق العمل، ويقول ياسين (28 عاما) خريج قسم الفلسفة من جامعة دمشق، إن الشهادة الجامعية التي حصل عليها قبل سنوات لم تقدم له أي إضافة في سوق الشغل، واضطر للعمل كعامل يومي كي يؤمن احتياجاته الأساسية، وفي بعض الأحيان بقي عاطلا عن العمل.
ويضيف أن الزمن لو عاد به إلى الوراء لاختار أي نوع من التعليم المهني الذي يضمن له إيجاد فرصة عمل سواء في سوريا أو خارجها.
وكانت عدة تقارير محلية ودولية قد تناولت في ما سبق، الحالة المزرية للتعليم بشكل عام، في العديد من البلدان العربية، من حيث انهيار البنية التحتية، وتردّي وضع المعلم وعدم توافر الكوادر المدربة، إضافة إلى وجود حالة من الفوضى في قطاع التعليم الجامعي، في ظل تردّي مستوى الجامعات الحكومية، ومطالبة الجامعات الخاصة بتكاليف باهظة، دون توفير تعليم جيد.
لكن وإلى جانب ما يقوله كثيرون عن أن النظام السياسي، يبدو غير راغب في إحداث نهضة حقيقية في قطاع التعليم، بالعديد من الدول العربية، فإن نسبة كبيرة من الشباب في العالم العربي، باتت عازفة عن التعليم، أو تتشكك في إمكانية أن يُوفر لها مستقبل أفضل، بسبب تخريج الجامعات لآلاف الشباب سنويا، ممن ينضم معظمهم إلى طابور البطالة الطويل، في ظل عجز الحكومات عن وضع خطط تنمية حقيقية تنهض بمستوى التعليم، وتوفر فرص العمل اللازمة.

مهن تقليدية تحتاج دماء جديدة

يشكل الشباب الشريحة الأكبر من السكان في المنطقة العربية، وكان تقرير صادر قبل أيام عن منظمة اليونيسف التابعة للأم المتحدة، قد أشار إلى أنه حاليا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يشكل الأطفال والشباب دون الـ24 عاما حوالي نصف عدد سكان المنطقة.
ويعتبر بعض المختصين بالتعليم في عدة دول عربية، أن التعليم الجامعي، يجب ألا يكون إلا للقادرين والنابهين فقط، وأن فتح الباب على مصراعيه، لتخريج أفواج كبيرة من المتعلمين الجامعيين، يؤثر على مستوى الشباب بما يجعله غير قادر، على العثور على فرص عمل جيدة في سوق الشغل، وينادي هؤلاء بضرورة التوسع في التعليم الفني، عوضا عن استمرار التوسع في التعليم الجامعي.

نموذج تدريبي رائد

وتتجه العديد من الدول العربية إلى استثمار طاقات الشباب في مجال التعليم والتدريب المهني لمواكبة احتياجات سوق العمل، تزامنا مع اليوم العالمي للشباب، وأعلنت النشرة التي يصدرها مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية في افتتاحيتها الأسبوع الماضي تحت عنوان “استثمار أمثل في منظومة التعليم المهني” عن إطلاق “المدرسة المهنية لشباب الإمارات” التي ستفتتح أبوابها قبل نهاية العام الجاري، وتُدار بالكامل من قبل الشباب، لتكون أكبر منظومة تعليم تنفيذي ومهني في الدولة والمنطقة، هدفها سدّ الفجوة بين التجربة الأكاديمية والاحتياجات التي يوفرها سوق العمل للشباب، من خلال تطبيق مبدأ المشاركة الجماعية على منظومة التعليم التنفيذي، وتوفير نمط جديد من البيئة التشاركية القائمة على التجارب والدراسات المهنية والبرامج العملية.
وأشارت نشرة المركز إلى أن هذه المدرسة ستركز على الشباب في الدولة من الفئة العمرية البالغة 15 سنة حتى 35 عاما. وأضافت أنه لحاجة المنظومة التعليمية إلى تطوير وتحديث مستمرين، جاء إطلاق “المدرسة المهنية لشباب الإمارات” لتتضمن نموذجا تعليميا وتدريبيا رائدا، يسهم في تأهيل الشباب في المجالات التنموية كافة، وتجهيز ثروة بشرية مجهزة بالأدوات الأكاديمية والعلمية والمهنية كافة لقيادة مسيرة المستقبل المستدام، الذي يسدّ الفجوة بين التجربة العلمية الأكاديمية وبين سوق العمل، نتيجة لتطور القطاعات المهنية والوظائف المستجدة التي تحتاج إلى التأهيل العملي والتدريب المهني والفني، بشكل يوازي التطورات الجارية في التعليم النظري.
وأوضحت أن انفتاح دولة الإمارات واطلاعها المتواصل على التجارب الدولية الناجحة في مجال التعليم المهني والفني، جعلها تمعن النظر في أهمية استحداث منظومة تعليمية تُعنى بصقل المهارات الشابة وضمّها إلى قطاع العمل الفني والمهني الذي يواكب مستجدات أسواق العمل.
لا بديل عن الأيدي الماهرة

وأشارت إلى التجربة الفنلندية على سبيل المثال التي أثبتت تأثير التعليم الفني والمهني والتدريب التقني المباشر في الاقتصاد الوطني، ودوره في تزويد المؤسسات الوطنية بالخبرات والمهارات النوعية، بما يوائم المعروض من التخصصات مع الطلب على المهارات في سوق العمل، من المهندسين والعلماء والفنيين، وبما يجنب الدولة الاعتماد على العمالة الأجنبية لتلبية الطلب المرتفع على ذوي المهارات الحرفية والتقنية والفنية.
وإضافة إلى فنلندا يبدي الشباب في الدول المتقدمة توجهات جديدة بشأن نوعية التعليم ومجال العمل، وذلك بخروجه عن الأنماط التقليدية للمهن المتعارف عليها بين الجنسين، فقد رصد تقرير حديث أعدته غرفة التجارة والصناعة الألمانية أن الفتيات والفتيان في ألمانيا يبتعدون ببطء عن الأدوار التقليدية للجنسين عند اختيار مهنهم.
وأظهرت قائمة من المهن الأكثر شعبية التي تم اختيارها بين عامي 2016 و2018 تحولا تدريجيا في المجتمع، حيث أبدت الفتيات اهتماما أكبر بممارسة وظائف في مجالي التكنولوجيا والهندسة، بحسب التقرير الذي نشرته صحف مجموعة “فونكة” الألمانية الإعلامية الصادرة الثلاثاء الماضي.
ووضح نائب رئيس الغرفة، أخيم ديركس، في تصريحات لـ”فونكة” قائلا “هذا النمو يتباطأ في ضوء انحصار معرفة الكثير من الشباب والشابات على أشهر 10 مهن، في حين أنه بإمكانهم توسيع اختياراتهم في ما بين مئات الوظائف”.
تبادل الأدوار

وأظهر التقرير أنه في عام 2018 ارتفع عدد الفتيات المهتمات بأن يصبحن متخصصات في مجال تكنولوجيا المعلومات مقارنة بعام 2016، ليرتفع هذا المجال من المرتبة 41 إلى 33 بين قائمة أكثر المهن شعبية بالنسبة للفتيات، بينما يحتل هذا المجال المرتبة الثالثة في قائمة الفتيان.
كما رصد التقرير اتجاها مشابها في مجال الميكانيك، الذي ارتفع من المرتبة 43 ليصبح الاختيار السادس والثلاثين المفضل لدى الفتيات.
وفي المقابل، رصد التقرير ميلا مماثلا للفتيان نحو المهن التي كانت تشغلها النساء تقليديا. ويتضح هذا بشكل خاص بالنسبة لمهنة المساعدين في مجال طب الأسنان، التي تحتل المرتبة الثالثة بالنسبة للفتيات، وارتفعت من المرتبة 131 إلى المرتبة 113 بالنسبة للفتيان.
وتشير توقعات جديدة صادرة عن منظمة اليونسكو إلى أنه بعد مرور 5 سنوات من اعتماد الأمم المتحدة على أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 فأن بلدان العالم لن تتمكن من الوفاء بالتزاماتها في مجال التعليم بموجب أهداف التنمية المستدامة ولاسيما الهدف الرابع منها، إلا إذا أحرزت تقدما جادا خلال العقد المقبل.
ووفق الموقع الرسمي للأمم المتحدة، يوجد في الوقت الحالي نحو 1.8 مليار شاب، تتراوح أعمارهم بين 10 و24 سنة في العالم، وهذا هو أكبر عدد من الشباب على الإطلاق، غير أن أكثر من نصف عدد من هم بين سني 6 و14 عاما، يفتقرون لمهارات القراءة والحساب على الرغم من أن معظمهم يذهبون إلى المدارس.
نظرة جديدة لسوق العمل

وتفيد التقارير بأنه في الوقت الذي ينبغي فيه على جميع الأطفال أن يكونوا على مقاعد الدراسة، سوف يبقى طفل واحد من بين كل 6 أطفال، تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عاما، خارج أسوار المدرسة.
وتشير التحليلات أيضا إلى أن نسبة 40 بالمئة من الأطفال على مستوى العالم لن تتمكن من إكمال تعليمها الثانوي، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 50 بالمئة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى التي تشهد انخفاضا في نسبة المعلمين المدربين منذ عام 2000.
وينص الهدف الرابع من خطة التنمية المستدامة لعام 2030 على “ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع”، فالمراد هو البحث في كيفية تركيز الحكومات والشباب والمنظمات المعنية بقضايا الشباب وغيرها من أصحاب المصلحة على النهضة بالتعليم بما يصنع منه أداة قوية لتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030.
وتجدر الإشارة إلى أن التوقعات الجديدة الصادرة بعنوان “الوفاء بالالتزامات: هل البلدان ماضية في المسار السليم لتحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة”، من إعداد معهد اليونسكو للإحصاء وفريق التقرير العالمي لرصد التعليم، تزيد من القلق حيال هذه الأرقام لكون الهدف 4 من أهداف التنمية المستدامة يدعو إلى التعلم الفعّال، وليس فقط إلى الالتحاق بالمدارس.
ومن المتوقع بحلول عام 2030، وفي ظل الاتجاهات الراهنة، ركود معدلات التعلم في البلدان ذات الدخل المتوسط وأميركا اللاتينية، وانخفاضها بنسبة الثلث تقريبا في البلدان الناطقة باللغة الفرنسية في أفريقيا.
ولا بد من الدفع بعجلة الجهود المبذولة في هذا السياق، وإلا سيبقى ما يقدر بـ20 بالمئة من الشباب، و30 بالمئة من الراشدين في البلدان ذات الدخل المنخفض غير ملمين بمهارات القراءة بحلول الموعد المرجو القضاء فيه على الأمية.

Related posts

Top