تاريخ الحروب.. -الحلقة1-

تدفع الحرب الروسية – الأوكرانية التي تدور رحاها بأوروبا الشرقية، والتي أججت التوتر بين الغرب وموسكو وتنذر باتساع رقعتها نحو، ما وصفه مراقبون، “حرب عالمية ثالثة” لها تكاليف باهظة ليس على المنشئات والبنية التحتية فقط وإنما على مستوى الأرواح وعلى ملايين الناس الذين تنقلب حياتهم رأسا على عقب، إلى تقليب صفحات الماضي، لاستحضار ما دون من تفاصيل حروب طاحنة جرت خلال القرن الماضي، وبداية القرن الحالي.
في هويات متداخلة، كما في روسيا وأوكرانيا، لم يبق أحد خارج الحرب. انتهت الحروب وحفرت جراحا لا تندمل وعنفا لا ينسى. وفي هذه السلسلة، تعيد “بيان اليوم” النبش في حروب القرن الـ 20 والقرن الـ 21 الحالي، حيث نقدم، في كل حلقة، أبرز هذه المعارك وخسائرها وآثارها، وما آلت إليه مصائر الملايين إن لم نقل الملايير من الناس عبر العالم..

الحرب العالمية الأولى: حرب بدأت أوروبية وانتهت عالمية

في الحلقة الأولى من سلسلة “تاريخ الحروب”.. نعود إلى أبرز الأحداث التي طبعت بداية القرن العشرين، حيث تنامت الأحقاد في أوروبا، وتغلغلت النزعة القومية لدى الأوروبيين،وتطلعتبعضالأقلياتإلىالاستقلال، بالإضافة غلى وصول الخلاف الفرنسي – الألماني إلى أوجه حول الحدود.
كل هذه الظروف كان تهيئ لحرب طاحنة تجري رحاها في أوروبا، ولعل أن هذه الأسباب غير المباشرة للحرب كانت بمثابة بنزين مسكوب لا ينتظر إلا شرارة صغيرة من النار ليشتعل في المكان، وكذلك كان.

بداية الحرب
في 28 يونيو من عام 1994، وخلال زيارة له لسراييفو سيلقى ولي عهد النمسا حتفه على يد طالب صربي، الأمر الذي سيشعل فتيل الحرب، حيث أعلنتالنمساالحربعلىصربيا،لتبدأ سلسلة التحالفات تعمل، فدخلت روسيا لمناصرة صربيا، فقامت ألمانيا حليفة النمسا بإعلان الحرب على روسيا.
وهكذا تشكل فريقان عسكريان بأوروبا، قواتالحلفاءأو ما كان يسمى بالوفاقالثلاثيوالذي كان بزعامةالمملكةالمتحدة،ودولالمركزالتي تتزعمهاألمانيا، للتسع رقعة الحرب بدون رجعة، فأطلقت القذائف، وقصفت المباني وهجر المواطنون ونزح الملايين نحو المجهول.
واستمرت الحرب من 1914 إلى 1918، أربع سنوات من العنف والتقتيل والخراب الذي طغى على أوروبا، فكانت لهذه الحرب مرحلتين، الأولى بين 1914 و1916، وسميت بحرب الحركة، حيث اجتاحت جيوش البلدان بعضها البعض وبدأت السيطرة على المواقع، وكانت دول المركز بقيادة ألمانيا أكثر سيطرة خلال هذه المرحلة، إذاستطاعالألمانعام 1915 تحقيقعددمنالانتصاراتعلىالحلفاء،فألحقواالهزيمةبالروسفيمعركة “جورليستارناو” واحتلوابولنداومعظممدنلتوانيا،وحاولواقطعخطوطالاتصالبينالجيوشالروسيةوقواعدهاللقضاءعليها، وأدىالنجاحالألمانيعلىالروسإلىإخضاعالبلقان،وعبرتالقواتالنمساويةوالألمانيةنهرالدانوبلقتالالصربوألحقوابهمهزيمةقاسية.
ثم المرحلة الثانية، بين 1916 و1918، التي عرفت بحرب الخنادق، والتي تميزت بالثبات وتبادل القصف، وتحصين المواقع العسكرية وبناء الخنادق واعتمدت على مباغتة العدو وقطع الإمدادات العسكرية عنه،إذ عرفت بداية هذه المرحلة في 1916 حدةالمعارك، أبرزها معركتي “فردان” التيدامت سبعة أشهر،و”السوم” التي استمرت أربعة أشهر،وجرتاعلى أرض فرنسا.
وظهرت الدبابةلأول مرة في ميادين القتال، وأُجبرت ألمانياعلى التقهقر،وقضي علىجيشها المدرب لتعتمدعلى المجندين من صغار السن، كما استعملت الغواصات الحربية، التي كانت إحدى نتائجها دخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب،إذ خلال هذا العام وقعت حرب في بحر الشمال بين الأسطولين الألماني والإنجليزي عرفت باسم “جاتلاند”.
ولجأ الألمان إلىمحاولة إغراق أي سفينة تجارية لتجويع بريطانيا وإجبارها علىالاستسلام، وكان من بين السفن التي تم إغراقها عددمن السفن الأميركية الأمرالذي سيدفع الولايات المتحدة إلىالدخولفي1917.

دخول القوات الأمريكية الحرب
هذا التدخل الأمريكي سيقلب موازين القوى بشكل كبير لصالح “الوفاق الثلاثي” أو قوات الحلفاء، بالمقابل كانت ألمانيا قد استفادت بشكل كبير من نجاح الثورة البلشفية في روسيافي أكتوبر 1917 وتوقيع البلاشفة اتفاقية صلح برستليتوفسك في مارس 1918 والتي خرجت بموجبها روسيامن الحرب.
وعلى الرغم من استفادة الألمان من قواتهما لتيكانت على الجبهة الروسية وتوجيههم لقتال الإنجليز والفرنسيين، واستطاعتهم تحطيم الجيش البريطاني الخامس في مارس 1918، إلا أن المعارك توالت بضراوة واستعادت قوات الحلفاء عافيتهم بعد الإمكانات والإمدادات الأميركية الهائلة في تقوية مجهودهم الحربي.
وهكذا استطاعت التحالف الفرنسي الإنجليزي المدعوم بأمريكا وعدد من دول أوروبا تضييقالحصارعلىألمانياعلىنحوأدىإلىإضعافها، واستمر الكر والفر بين الألمان من جهة والإنجليز والفرنسيين من جهة ثانية لأشهر، قبل هجوم مضاد نفذته قوات الحلفاء في غشت 1918، والذي سيؤدي إلى نشوب معركة “أميان” التي تعد المرحلة الافتتاحية لهجوم المئة يوم، ليجبر بذلك الجيش الألماني على طلب الهدنة.

هجوم الـ 100 يوم
وبعدما انطلق هجوم المئة يوم الذي استخدمت فيه ما يزيد عن 400 دبابة و120 ألفامن قوات الدومينيونوالقواتالبريطانيةوالقواتالفرنسية،وقعت معارك طاحنة أهمهامعركةألبرت، ومعركةأراسالثانية،معركةسكارب،معركةخطدروكورتكيويانت.
مع بداية شتنبر من نفس السنة، ستطلق الولايات المتحدة الأمريكية والقوات الفرنسية هجومانهائياعلىخطهيندينبيرغفيمعركةغابةأرجون،وفيالأسبوعالتاليتعاونتالوحداتالأميركيةوالفرنسيةعلىالتغلغلإلىمقاطعةشامبانياالفرنسيةوبدأتمعركةبلانكمونتريدج، حيث أجبرواالألمانعلىالتراجعنحوحدودبلجيكا،فيمااستطاعالفيلقالكنديوالجيشالبريطانيالأولوالثانياختراقخطهيندنبيرغووقعتمعركةكامبريالثانية.

استسلام دول المركز ونهاية الحرب
هذا الزخم الحربي بدعم من القوات الأمريكية وأسطولها العسكري المتطور، سيؤدي إلى إرهاق قوات دول المركز التي انهارت، حيث كانت بلغاريا أول دولة توقع على الهدنة وذلك في 29 سبتمبر 1918 فيسالونيك،وتوالتالانهياراتوتوقيعاتفاقياتالاستسلام،لتوقعألمانياهدنةكومبينمعالحلفاءداخلإحدىمركباتالسككالحديديةفي 11 نونبر 1918، ويدخلبذلك وقفإطلاقالنارحيزالتنفيذ.
وشكلت اتفاقيات الهدنة الموقعة بين قوات الحلفاء وقوات دول المركز بذلك نهاية لحرب بدأت أوروبية وانتهت عالمية، لكنها خلفت وراءها دمارا شاملا بالقارة العجوز، وامتد تأثير ذلك إلى حدود إفريقيا وآسيا والبلدان المجاورة.
لقد أدت الحرب العالمية الأولى إلى خسائربشريةكبيرةحيثلقيأكثرمنثمانيةملايينشخصمصرعهموجرحوفقدالملايين،كماخلفتخسائراقتصاديةكبيرة،فانتشرالفقروالبطالة،كماعرفتالدولالمتحاربةأزمةماليةخانقةبسببنفقاتالحربالباهظة،فازدادتمديونيةالدولالأوربيةوتراجعتهيمنتهاالاقتصاديةلصالحالولاياتالمتحدةالأميركيةواليابان.
وأدت هذه الخسائر إلى محاولات بلدان أوروبا استعادة جزء من هيمنتها الاقتصادية فضيقت الخناق أكثر على بلدان إفريقيا التي اتخذتها مستعمرات لها وسرقت خيراتها لصالح إعادة إعمار بلدان أوروبا التي تضررت بشكل كبير من الحرب.

> إعداد: توفيق أمزيان

الوسوم , ,

Related posts

Top