تحرير الملك العمومي…

تخوض السلطات المحلية والهيئات المنتخبة هذه الأيام في الدار البيضاء وبجهات أخرى من البلاد، حملات يومية متواصلة لـ “تحرير الملك العمومي”، ويتابع السكان هذه التحركات وسط تطلع عام لكي تنجح، وأن تعيد للمارة والقاطنين حقوقهم في الولوج إلى منازلهم والخروج منها، وفِي التجول بالشارع والاستفادة من الحق في الرصيف الذي بات في أغلب الحالات وبمعظم المدن محتلا من طرف “الفراشة” أو مستولى عليه من لدن أرباب عدد من المقاهي.
بالفعل، إن مثل هذه التحركات كانت تقام بين الفينة والأخرى، وخصوصا في عاصمة كبيرة كالدار البيضاء، لكنها فشلت ولم تستطع لحد الآن اجتثاث الظاهرة، كما أن ظاهرة الباعة الجائلين واحتلالهم للشوارع والأزقة بدون أي ترخيص شكلت موضوع مخططات وطنية وبرامج، لكن أغلبها لم يحالفه النجاح ولم تكتب له الاستمرارية…
وكل هذا يبرز اليوم الحاجة إلى نظر موضوعي للظاهرة، ومقاربة شمولية لما تفرزه من مشكلات وتداعيات، وذلك بغاية إيجاد الحلول الواقعية، وتكريس نجاحها على الأرض.
هناك مشكل حقيقي ليس في الدار البيضاء وحدها، وإنما في مدن وأقاليم أخرى غيرها، ويتعلق بالباعة الجائلين أو “الفراشة”، وهذا الواقع أفرزه انتشار الفقر والهشاشة والهجرة من القرى وهوامش المدن، ومن ثم يجب التفكير في سياسة وطنية جدية وملائمة لحله، وتقوم على معرفة دقيقة للظاهرة، والسعي التدريجي لتنظيم هذه الفئة من فقراء شعبنا، وتوفير أسواق منظمة ونموذجية لفائدتهم تقع في أماكن مناسبة لهم وللساكنة، والأساسي أن يجري توجيه الاستفادة منها لفائدتهم فقط.
لقد شيدت بالفعل مثل هذه الأسواق في عدد من أحياء الدار البيضاء في السنوات الأخيرة، وأيضا في مدن أخرى بالمملكة، لكن شروط الاستفادة منها أو الولوج اليها لم تكن مناسبة لقدرات الباعة الجائلين الموجهة إليهم، علاوة على أن طريقة توزيع الاستفادة منها قامت على المحسوبية والرشوة، وقد انتهى الأمر في النهاية إلى أن الأسواق شيدت وامتلأت، وفِي المقابل بقي الباعة الجائلون و”الفراشة” في مكانهم بالشارع، ويعانون من مطاردات القوات المساعدة وبعض رجال السلطة وابتزازهم.
الرشوة والمحسوبية والتواطؤات تحت الطاولة تشهدها كذلك قضية سيطرة أرباب المقاهي على الرصيف واستغلال الملك العمومي من دون أي ترخيص، وبالتالي عدد من هذه المقاهي والمطاعم الصغيرة والكبيرة تستولي على مساحات إضافية أمام واجهاتها بطريقة غير قانونية، ومن دون أن تدفع أي مقابل عن ذلك للدولة.
وبصفة عامة، فإن ما يجري على هذا الصعيد فيه الكثير من الفوضى، وهناك لوبيات من السماسرة يستفيدون من الظاهرة، ويتبادلون المنافع مع بعض رجال السلطة والمكلفين بتنفيذ القانون، وفِي النهاية يبقى الباعة الجائلون و”الفراشة”في الشارع، ومستمرون في معاناتهم، ولا يستفيدون، في الغالب، من أي برنامج أو سياسة عمومية يرفع شعار خدمتهم وحل مشاكلهم.
مدننا بدورها لا تستفيد شيئا، ذلك أن محتلي الرصيف والشوارع ومستغلي الملك العمومي، هم في الغالب يفضلون دفع الرشاوى والاتفاق مع الوسطاء والسماسرة، ولا يدفعون أي شيء لخزينة المدن والدولة، وفِي المقابل تتحمل هذه المدن تكاليف نظافة الأماكن المحتلة كل يوم، وصيانة أمنها العمومي، ومن دون أن تحصل على مستحقاتها الضريبية أو سواها.
المشهد العمراني والتعميري العام لمدننا، وخصوصا في الدار البيضاء، تأثر أيضا بانتشار هذه الظواهر، وباتت هذه المدن كما لو أنها قرى كبيرة وتعرضت لترييف كبير، بالإضافة إلى تفاقم ظواهر سلبية أخرى، على غرار ضعف الأمن في عدد من هذه المناطق وانتشار الجريمة والاعتداء على المواطنين، وصعوبة السير والجولان داخل المدن، وتفاقم المزابل والأوساخ في الأزقة والشوارع، ناهيك على أن عديد أسر لم تعد تستطيع حتى الخروج من منازلها أو الدخول إليها جراء وصول “الفراشة” والأسواق العشوائية إلى أمام العمارات والمنازل.
إن صياغة حلول حقيقية تتطلب اليوم تحويل ما تقوم به السلطات من تحركات، إلى ممارسة دائمة تعتمد على القانون وصرامة تطبيقه من دون أي تمييز، فضلا على ضرورة توفير بدائل حقيقية للمعنيين وتسهيل الاستفادة منها وإبعاد السماسرة ولوبيات الريع والفساد والرشوة عن ذلك، ومن ثم اعتماد مقاربة شمولية تنتصر للقانون وتعمل لخدمة المدن وساكنتها وتطوير فضاءات العيش والحياة داخل المدن.

محتات الرقاص

[email protected]

Related posts

Top