رفعا لكل لبس أو سوء فهم…

طيلة الخمس السنوات الأخيرة، واللوم كل اللوم يتوجه لحزبنا من طرف الخصوم و الأصدقاء بشأن القرار القاضي بالمشاركة في الائتلاف الحكومي المتزعم من طرف حزب العدالة والتنمية و المكون، بالإضافة إلى حزبنا من حزب الاستقلال “الصيغة الأولى”، حزب الحركة الشعبية، حزب الأحرار “الصيغة الثانية” بدعوى أن دخولنا لهذه التجربة مع حزب ذو مرجعية إسلامية هو دخول “ضد الطبيعة” “القصد هنا التعارض الإيديولوجي”، حافزنا في ذلك هو الحصول على مقاعد وزارية لأننا، حسب البعض، “َ أَلِفْنَا ” المشاركة في تسيير الشأن العمومي وضحينا بذلك بهويتنا التقدمية الاشتراكية وبماضي ناضل من أجله طيلة عقود من الزمن رفاقا ورفيقات في ظروف صعبة و بذلك نكون قد انحرفنا عن هويتنا و عن مشروعنا المجتمعي. فرغم أن التطورات والأحداث وحصيلة الحكومة والوقائع أثبتت بطلان هذه المزاعم و تبثت صحة مواقفنا، لازال البعض إما يرفض أن يقر بهذا أو إما، عن حسن نية، لم يستوعب محددات مشاركتنا. مما دفعني إلى الاندفاع، بكل تواضع، لكتابة هذا المقال قصد عرض، ما أعتبره، انطلاقا من مرجعية وتحاليل الحزب الذي أنتمي إليه ومن توقعه الاجتماعي، عناصرا للتوضيح لعلني سأسهم بهذا في تبديد بعض الخلافات المرتبطة بالحيثيات والخلفيات الفكرية لمشاركتنا في هذا الائتلاف. وقبل هذا، لا بد من الاقرار بأنه ليس من الْهَيِّنِ استيعاب المحددات العميقة لهذا القرار حيث أنها كانت، في جل الأحيان، كامنة وغير صريحة في كتاباتنا وخطاباتنا، ونظرا أيضا، لتفرد هذه التجربة في العالم العربي بالخصوص الذي اعتاد على اصطفافات وتحاليل سياسية وايديولوجية على أساس ثنائية تقليدية متعارضة بصفة مطلقة لا تقاطع فيها من قبيل: يسار / يمين، رجعي / تقدمي، حداثي / محافظ، متدين / ملحد، رأسمالي / اشتراكي…
وانطلاقا، سأحاول، بَدْءًا، في عرض بعض العناصر المؤسسة لمقاربة حزبنا التحليلية مع التذكير بتوصيفه للمرحلة التاريخية الراهنة قبل بسط محددات تحالفاتنا الحالية وتوضيح الطبيعة الطبقية لحزب العدالة والتنمية والختم ببعض الأفكار استشرافا للمستقبل.
المقاربة التحليلية وتوصيف المرحلة التاريخية الحالية و مهامها
لم يسبق لحزبنا أن اتخذ قرارته السياسية على أساس المبادئ العامة وحدها، دون استحضار الظروف الواقعية التي عليه أن ينفذ سياساته فيها، دون أن يدرك أن هذه السياسة نفسها يمكن أن تكون غير صحيحة في حالات أخرى تبعا للظروف المحددة لذلك.
في السياسة، حيث يجب في بعض الأحيان معالجة علاقات معقدة للغاية وطنية ودولية، بين الطبقات وتعبيراتها السياسية، يكون من الحماقة أن نعد وصفة جاهزة، أو قاعدة عامة تستخدم في كل الأحوال … لذا حدد حزبنا دائما، في كل حالة، أي سياسة يجب اتباعها على ضوء الظروف المحددة متسلحا في ذلك بمنهجه التحليلي الجدلي الذي يقارب الواقع في حركيته و تَغَيُّرِهِ الدائم لمعرفة الأشياء كما هي في تحققها الفعلي، لا في تصوراتها الوهمية ولا في جزئياتها المنعزلة.
لقد عمل حزبنا، بعد تحليله للواقع الملموس لبلادنا، في جميع أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية و الثقافية…، وللتناقضات المترتبة عنه على توصيف المرحلة التاريخية الحالية وتحديد أهدافها الكبرى والمتمثلة في بناء الدولة الوطنية الديموقراطية الحديثة عبر استكمال وتعزيز الوحدة الترابية، تطوير قوى الإنتاج والارتقاء بها إلى مستوى يسمح بوضع أسس اقتصاد وطني مُدْمِج للأغلبية الساحقة للمواطنين ومتحكم فيه، تطوير المؤسسات والممارسات الديموقراطية، ضمان الحماية الاجتماعية للفئات العريضة من جماهير شعبنا، التوزيع العادل للخيرات…، بتعبير آخر، بناء القاعدة المادية و اللامادية و توفير الشروط الموضوعية و الذاتية للمرور إلى مرحلة أرقى، مع وعينا بأن النضال لتحقيق هدف بعيد المدى، من هذا النوع، يتطلب احترام المراحل وتحديد المهمات الممكنة من حيث المبدأ تحقيقها وتحويل التراكم في هذه النضالات والانجازات المحققة فيها في الاتجاه الذي يصب في تحقيق الهدف الكبير. إن هذه البرامج والأهداف المرحلية هي التي تحدد نوع القوى الاجتماعية ذات المصلحة في تحقيقه، وتحدد الخصم الذي يشكل في مصالحه وفي مواقفه، عائقا أمام تحقيق هذه البرامج. مثل هذا المشروع المستمد عناصره من متطلبات المرحلة، هو إذن بحاجة إلى تعدد قوى من كل الطبقات وهو بحاجة إلى تعدد أحزاب تلتقي مصالحها على تحقيقه في مراحله المختلفة.
يتبين، إذن، أن مهمة وشروط بناء الدولة الديموقراطية الحديثة المشار إليها أعلاه، ليست منحصرة في القوى ذات التوجه الاشتراكي، ولا منحصرة في فئات اجتماعية معينة أي العمال والأجراء وذوي الدخل المحدود، بل هي مهمة تعني قوى سياسية واجتماعية مختلفة، بل متناقضة فيما بينها، ومتفقة برغم اختلافها وتناقضها، على تحقيق هذه المهمة ذات الأولوية في برنامج التغيير، والتي انطلاقا منها تتحدد المهام الأخرى، التي تتصارع فيها القوى السياسية والاجتماعية، وتتنافس فيما بينها ديموقراطيا حول مصالحها المتناقضة. غير أن هذا لا يعني، بالطبع، أن على القوى اليسارية أن تتخلى عن برامجها الخاصة وعن نضالاتها لتحقيق العدالة الاجتماعية، أي لانتزاع مكاسب من تلك القوى المشتركة معا في تحقيق تلك المهمة المتصلة ببناء الدولة الديمقراطية الحديثة.
هذا هو السند النظري والمنهج التحليلي والمدخل الأساس الذين وظفهم  حزبنا في تحديده لمهام المرحلة وفي بناء تحالفاته القديمة والحالية، علما أن طبيعة التركيبة الاجتماعية المغربية لم تفرز ولن تفرز – على الأقل على المدين القصير والمتوسط –حزب سياسي قادر لوحده على تحقيق مهام المرحلة التاريخية الحالية بدون تحالف مع قوى سياسية أخرى.
محددات تحالفاتنا الحالية والطبيعة الاجتماعية لحزب العدالة والتنمية
قبل الخوض في محددات تحالفاتنا لابد من التذكير بأن مشاركة حزبنا في الحكومة الأولى التي ترأسها الأستاذ عبد الاه بن كيران جاءت في سياق تحول سياسي وقانوني هام على إثر ما عرفه الشارع المغربي من مطالب تفاعلا مع ثورات ما سمي آنذاك ب “الربيع العربي” حيث تم التحضير والمصادقة بشبه الإجماع على دستور جديد، دستور حقوقي بامتياز مطابقا في أغلب مقتضياته مع ما كانت تطالب به القوى الديموقراطية والتقدمية بالبلاد من إصلاحات سياسية ودستورية. دستور يضمن، لأول مرة في المغرب، تعيين رئيس حكومة من الحزب السياسي الذي تصدر أعضاء مجلس النواب أثناء الانتخابات التشريعية وعلى أساس نتائجها.
كما يجب التذكير بأن حزب العدالة والتنمية الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعية الأولى في ظل الدستور الجديد قد عَبَّرَ من خلال أمينه العام والرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، عن رغبته وإرادته بتكوينها مع أحزاب الكتلة الديمقراطية،  الشيء الذي استجاب له إيجابا كل من حزبنا وحزب الاستقلال في حين رفضه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وفي هذا الإطار لابد من الإشارة أن قرار حزبنا بالمشاركة في الحكومة الأولى المنبثقة عن دستور 2011 قد تم اتخاذه بأغلبية واسعة من أعضاء اللجنة المركزية بعد تحليل عميق للأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ولانتظارات شعبنا في العيش الكريم، و مواقف القوى السياسية الفاعلة مع تقييم لموازين القوى بينها دون إغفال إرادة المؤسسة الملكية في الدفع بالمسلسل الديمقراطي و الإصلاحي إلى أبعد حد.
يتبين، إذن، أن موقف التحالف والمشاركة في الحكومة لم يأت تفاعلا مع أحداث عابرة أو تَكَيُّفًا لا مبدئيا مع الظروف وإنما هو نابع من تحليل عميق لمتطلبات المرحلة و لطبيعة القوى السياسية الفاعلة  و تموقعها في العلاقات الاجتماعية السائدة انطلاقا من ما بلورته في برامجها وعبر ممارساتها، هذا التموقع الكفيل وحده من إبراز القوى التي لها مصلحة في التغيير والقوى المضادة له. هذه هي العناصر التحليلية الأساس الذي يجب استحضارها لفهم و تفسير موقف تحالفنا مع حزب العدالة و التنمية، و التي بدون استحضارها يُسْتَعْصَى الفهم، وأي تفسير آخر يصبح مهزوزا و لا تاريخيا. نفس التحليل، إذن، يليق على تحالفنا مع القوى السياسية الأخرى ذو المرجعية الإيديولوجية المختلفة بل المتعارضة مع مرجعيتنا. فحزب الاستقلال مثلا لا يَعْتَبِرُ نفسه حزبا يساريا ولا يمكن له أن يكون كذلك انطلاقا من تموقعه الاجتماعي الحالي ومن برنامجه السياسي ومن ايديولوجيته التعادلية. ولكننا، رغم ذلك، سعينا وسنسعى دائما إلى التحالف معه ما دام أن القوى الاجتماعية التي يعبر ويدافع عنها لا زالت لها مصلحة في التغيير مثله مثل حزب العدالة والتنمية الذي نختلف معه ايديولوجيا ونتقاطع معه في تحقيق المهام الأساسية في المرحلة الحالية فضلا عن حلفائنا اليساريين.
فكيف نُلَامُ على تحالفنا مع حزب العدالة والتنمية الذي يشكل، بالنسبة إلينا، أحد التعبيرات السياسية المحافظة للبرجوازية الصغرى ولا نُلَامُ على تحالفنا مع حزب الاستقلال رغم أن هذين الحزبين لهما نفس المسعى الليبرالي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية ؟
إن اتخاذ المعيار الايديولوجي في بناء التحالفات لا يستقيم ولا يمكن أن يقدم في شيء مشروعنا التغييري خصوصا إذا ما وقفنا على ما يمثله اليسار المغربي اليوم بكل مكوناته في الساحة السياسية، و مدى تأثيره في مجريات الأحداث فضلا عن تشرذمه و تقزيمه الرهيب.
إذن علينا أن نفكر كيساريين، من دون خوف على موقفنا وعلى دورنا بأن بعض اللحظات التاريخية تَخْلُقُ، في صورة مؤقتة وعابرة، أساسا موضوعيا لتقاطع ما في المصالح بين أهل اليسار وبين أهل اليمين لتحقيق مهمات معينة. ولا أعني هنا باليمين السلطات بالضرورة، بل أعني بالتحديد القوى السياسية و الاجتماعية من ذوي الاتجاهات الليبرالية المختلفة.
إن تجربة تحالفنا مع حزب العدالة والتنمية، أثبتت بالملموس عدم صحة الأحكام الجاهزة والمطلقة، هذه التجربة التي لم تسجل أي تراجع يذكر في ممارسة الحريات، أو أي إجهاز على المكتسبات الديمقراطية لشعبنا أو أي خروج على ما تم الاتفاق عنه في إطار ميثاق الأغلبية، كما أن كل الخلافات التي برزت في معالجة بعض الإشكاليات ثم تجاوزها عن طريق الإقناع أو التوافق، الشيء الذي وفر شروط نجاحها وتثمينها من طرف شعبنا عن طريق نتائج الانتخابات التشريعية ل 7 أكتوبر 2016 وذلك بإعادة تنصيب حزب العدالة والتنمية على رأس كل الأحزاب الوطنية.
كما أن ممارستنا للعمل الحكومي بجانب هذا الحزب، الذي يشكل الدين مرجعه الأساسي أو الأحزاب الأخرى لم نَنْتَقِصْ قط من هويتنا اليسارية الاشتراكية، ولم نستر أبدا قيمنا بغية الاستمرار في التعاون والتحالف، بل بقينا أوفياء لكافة قيمنا التحررية مع احترامنا التام لما التزمنا به مع حلفائنا.
وهذا ما يمكن الرجوع إليه في محاضر اجتماعات مجالس الحكومة أو داخل البرلمان أو قرارات هيئات حزبنا التقريرية أثناء نقاش إشكاليات مجتمعية كبيرة كعقوبة الإعدام، الإجهاض، تزويج القاصرات، عاملات المنازل..
هذا هو أسلوبنا، وهذا ما يميزنا عن الغير لأننا نندرك تمام الإدراك أن التناقض و الصراع متلازمين مع الوحدة وأن حدود أي تحالف مرتبطة ومشروطة بأهداف المرحلة. لهذا تتنوع التحالفات اتساعا وعمقا وزمنا بحسب طبيعة المرحلة وطبيعة أهدافها.  
بعض الأفكار استشرافا للمستقبل
إن سياسة الممانعة التي نهجتها بعض القوى السياسية اليسارية، بدريعة أن المؤسسات »القوانين ممنوحة ورجعية «  ،  شكلت القاعدة الأساس لعدم ممارسة الصراع مع القوى النقيضة، وهذا لم يكن ولن يكون أبدا أسلوب حزب التقدم والاشتراكية الذي يعتبر أن الشرط الأساسي لممارسة الصراع مع القوى المعادية للديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية هو الانخراط فيه وخوض المعارك داخله. و ما تطور بعض القوى اليسارية المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة إلا تكريسا لأسلوبنا الذي اعتمدناه منذ نشأتنا أي منذ أزيد من سبعين سنة خلت.
إن جدلية العام والخاص تحتم علينا الامتلاك الموضوعي الخلاق لواقعنا في كل أبعاده، واقعنا الراهن كما هو، لا كما نريد له أن يكون، وذلك بارتباط مع ما يجري في جهتنا وفي العالم من تحولات كبرى، وتحديد المهمات المباشرة، والمهمات للمراحل اللاحقة. ويَحْضُرُنِي في هذا السياق ما كتبه ماركس: ” إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم لكنهم لا يصنعونه على هواهم. إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم، بل في ظروف يواجهونها وهي معطاة ومنقولة لهم من الماضي.
إننا لا نستطيع حل معادلة لا تتوفر في معطياتها عناصر حلها. ولذا لا تضع الإنسانية أبدا، أمامها، إلا المسائل التي تستطيع حلها.”
إننا لا نختار الواقع الاجتماعي الذي نناضل فيه، فهو وليد صيرورة تاريخية ومحصلة لعوامل متداخلة متفاعلة متشابكة ومتناقضة يجب المسك بها والعمل من أجل تغييرها نحو الأفضل والأرقى مواصلين في الآن ذاته تمسكنا بالحلم اليوتوبي الذي من دونه يفقد الإنسان، في تقديري، علاقته بالحياة وباستمرارها ويفقد أمله في التغيير.
وما تنظيمات وحركات الإسلام السياسي المغربي إلا تجليات موضوعية لهذا الواقع لا سبيل إلى إنكارها أو استصغارها ولا يمكن وضعها على مستوى واحد، بل على حزبنا والقوى الديمقراطية والتقدمية والمثقفين مواكبة مواقفها و انتاجاتها بالتحليل، لا كَتَمَظْهُرِ للبنى الفوقية، بل باختراق خطابها وَمُتَّكَآتِه من الداخل لتفكيكها وإبراز خلفياتها ومقاصدها تنويرا للعقول تفاديا لانحرافات نكوصيه .
إن شعبية تنظيمات وحركات الإسلام السياسي بالمغرب بما في ذلك حزب العدالة والتنمية، أو شَعْبَوِيَتِهِمْ بوجه أصح، ليست صادرة عما يضيفونه ويبدعونه من دعوة فكرية أو قيمية، وإنما عما يستندون إليه أساسا ويوقدوه وينموه ويغدوه من أفكار وقيم سائدة قائمة، موجودة بالفعل في حياة شعبنا ووجدانه الجماعي.
إن شعبويتهم ليست تمرة جهد مبدول (رغم توفر هذا الجهد) وإنما هي نتيجة لاستناد إلى واقع معتقدات شعبية سائدة ومغذاة هي الثقافة الدينية في وجه أزمة تعانيها بقية الثقافات الموضوعية الأخرى الساعية والمتطلعة للتغيير والتجديد والتحديث، وفي وجه أزمة حياتية اقتصادية وسياسية وأخلاقية واجتماعية عامة تعانيها الجماهير الشعبية والفئات الوسطى بوجه عام.
إن الاستمرار والاكتفاء بالتعامل معها إداريا أو قمعيا ردا على منهج بعضها الإرهابي، سَيُبْقِي جدور الداء الذي ينمو ويبرز مالم نحرص على استئصاله بمواجهة كل السياسات والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتردية والعمل على علاجها وتخطيها في إطار رؤية استراتيجية شاملة تستند إلى المشاركة الديموقراطية الشعبية من ناحية والرؤية العقلانية الموضوعية لحقائق واقعنا الاجتماعي.
إن الظاهرة الأساسية التي رافقت أُفُولَ اليسار هي احتلال التيارات السلفية الدينية ساحتي النضال الاجتماعي والصراع الايديولوجي. هذه هي المعضلة الرئيسية التي تُوَاجِهُ اليسار المغربي اليوم. فالمشروع اليساري يصطدم بهذا الجدار على أرض النضال قبل أن يصطدم بأي شيء آخر. إن واقع الحال يفضي إلى الاعتراف، بمرارة، أن مجال أفكاروقيم اليسار في بلدنا أصبح ضيقا.
لهذا، لا أرى طريقا آخر غير فتح باب الحوار مع كل القوى الحية في المجتمع بما فيها هذه التنظيمات الإسلامية على اختلاف اجتهاداتها ومواقفها على قاعدة احترام الاختلاف والخلاف والالتزام بالمشروعية والديمقراطية ونزع فقه التكفير والارهاب والاجتهاد في تنمية فقه التحرير والتقدم الاجتماعي والتجدد الفكري؛
 لا أرى طريقا آخر غير تأسيس توافق وطني حول مشروع إصلاحي على مدى عشرين سنة لمنظومة التربية والتكوين وتطهير أدواتها وآلياتها ومناهجها من القيم والأفكار الظلامية والنكوصية؛
 لا أرى طريقا آخر إلا البدء في جمع مكونات اليسار على ضعف تأثيرها وقلة عددها وعلى أساس أرضية سياسية منفتحة على كل الطاقات و الكفاءات الديموقراطية الحداثية المتنوعة، الفردية والجماعية، لإعادة الأمل وفتح آفاق رحبة لإشعاع قيم الحداثة والتقدم والحرية والعدالة الاجتماعية.
إن المهمة الأساسية الراهنة المطروحة أمام القوى الديموقراطية والتقدمية هي العمل بأقصى الطاقات الممكنة والإمكانات النظرية والسياسية والنضالية لكي يكون مشروعنا للتغيير هو الأكثر قدرة على الانتصار والتحقق في ميدان الصراع على المستقبل مع المشاريع الأخرى.
من يبقى أسير أحداث التاريخ القديمة وأسير شروطها، سيجد نفسه عاجلا أم آجلا خارج حركة التاريخ. إن الماضي لا يتحكم في الحاضر، بل الحاضر هو الذي يتخذ من الماضي سندا لمشروعية مشروعه “الحاضر – المستقبل”. فالنضال الطويل المدى المقترن بالعمل السياسي الطويل النفس لكسب الجماهير المعنية بالنضال لتحقيق الهدف المبتغى هو وحده الكفيل بجعل المشروع التقدمي اليساري يحظى بأفق جديد.
فالنضال الديموقراطي لازال أمامه طريق طويل ومن الصعب تسريع التنمية الديموقراطية في مجتمع لا زال ينخره الفقر والجهل والبطالة،… إن الوعي بهذه المعيقات سيجنبنا دون شك، القفز فوق المراحل، أي القفز فوق الواقع وتجنب الوقوع في أسر الأوهام والبقاء في حالة الحنين إلى الماضي الذي مضى…

عبد الرحيم بنصر

*عضو المكتب السياسي

الوسوم , , , ,

Related posts

Top