عن الحركات العلمانية بالواقع العربي؟؟

في فض الاشتباك بين الدين والدولة

عندما تنتهي العلمانية إلى نوع من الديكتاتورية والطغيان، فهذا في حد ذاته نزوع إلى المفارقة (على الأقل بالعالم العربي)… فعندما ينادي أهل العلمانية بأن الديمقراطية ليست لأعداء الديمقراطية، فهم بذلك يستعيدون الثنائية نفسها التي كانت موجودة في العقود السابقة في العالم العربي والإسلامي لدى الاتجاه القومي، مثل ثنائية التقدمية والمحافظة، والثورية والرجعية.. والتي تبرر هيمنة أو تسلط جماعة معينة على الدولة وعلى العمل السياسي وإقصاء الجماعات الأخرى، باسم الديموقراطية (= تجربتا البعث في كل من العراق وسوريا، وتجربة الاتحاد الاشتراكي بمصر الناصرية؟).
إن الديمقراطية المفترضة قسرا هي التي تفض الاشتباك بين الدين والدولة، وترفض الاشتباك أيضا بين الدولة والسياسة عن طريق إخلاء مجال الوسط بين الدين والدولة، وتعمل فيه القوى الاجتماعية – الدينية – الثقافية والإثنية والاقتصادية وتحقق فيه هذه القوى ذواتها.
غير أن السؤال في هذا المجال وبالمفارقة، هو: كيف يجب أن تكون الدولة فوق المجال السياسي، بحيث تبقى لها وظيفتها كقوة أو كإطار واحد منظم، بينما يقول في الوقت نفسه، إن دور هذه المساحة التي تسمح بتحقيق هذه الذوات الاجتماعية، يجب أن تعلو فوق دور الدولة. الحق أننا لا نفهم أيهما يعلو الآخر… هل ستعلو السياسة وتستقل بمجال الإرادة عن الدولة أم أن سيادة الدولة ستكون فوق المجال السياسي؟؟؟.

في المفهوم الحديث للديمقراطية

نعلم أن هناك مفهومين للديمقراطية الحديثة: الديمقراطية الجماهيرية وهي الأولى تاريخيا في أوروبا الغربية، والديمقراطية الليبرالية التي تعمل فيها القوى الاقتصادية والأحزاب السياسية على الحد من ديكتاتورية الدولة الديمقراطية الجماهيرية.. لكن هذه الديمقراطية الليبرالية لم تسلم بدورها من النقد لدى كارل ماركس، باعتبار أنها قناع يخفي حقيقة استبداد الطبقة البورجوازية. ثم هناك تصور فرعي ثالث هو التصور الماركسي أو الديمقراطية الشعبية. وكلنا يعلم النتائج النظرية والعملية على السواء لهذا النوع الثالث من الديمقراطية؟؟.
نخلص إذن إلى القول: إن الجمع بين المفهوم الرئيسي للديمقراطية الغربية الحديثة وبين مفهوم جديد للديمقراطية مازال في طور البلورة والتخلق الغامض في العالم الغربي، وهو القائم على ضرورة الفصل بين الدولة وبين السياسة وضرورة تحييد الدولة بوصفها مؤسسة تنفيذية وإدارية مستقلة عن السياسة، وإتاحة المجال أمام الذوات الاجتماعية المختلفة للتفاعل والتحقق في حقل العمل السياسي الذي تخليه الدولة لقوى المجتمع المدني.

في الحداثة وما بعد الحداثة

لنختم بالقول التالي: نحن هنا أمام رؤيتين معرفيتين مختلفتين: رؤية الحداثة ورؤية ما بعد الحداثة، ناهيك طبعا، عن الرؤية الكلاسيكية ما قبل الحداثية، التي لا سبيل للبس بينها وبين رؤية الحداثة. بينما لو قارنا بين بعض مظاهر الفكر والعمل في الرؤية الإسلامية الكلاسيكية أو التقليدية وبين ما يناظرها في رؤية ما بعد الحداثة لوجدنا العديد من أوجه التشابه القوي، حتى أننا لا نتورع عن القول: أن العديد من مفاهيم ما بعد الحداثة (مثل التعددية والقبلية الجديدة وموت الإنسان الفرد أو الذوات الفردية وبزوغ الذات الجمعية) ليست إلا استعادة بشكل عصري جديد لبعض مفاهيم ما قبل الحداثة أو العصر الكلاسيكي.
ليكن، لنا عودة؟

< بقلم: عبد الله راكز

Related posts

Top