في ورشة حزب التقدم والاشتراكية بالدار البيضاء تحضيرا لدورة اللجنة المركزية

تطرح مسألة اليسار بالمغرب، على ضوء التحولات التي مست المشهد السياسي بالمغرب كما التغيرات الواقعة في البنية الاجتماعية والتحولات الإقليمية والدولية، أسئلة محورية.
وقد أضحت مسألة هذا اليسار وهوية هذا اليسار، يقول عبد الرحيم بنصر عضو الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، مسألة الساعة في ظل التحولات العميقة للمجتمع وتراجع ملحوظ لقوى اليسار على عدة أصعدة.
وشدد عبد الرحيم بنصر الذي أدار، مساء أول أمس الخميس بالدار البيضاء، مداخلات ونقاشات ورشة تدخل في إطار التحضير لدورة اللجنة المركزية، على أن ما يعرفه اليسار من تشردم أضفى على مصطلح “اليساري” صبغة الغموض، وساهم في حجب النظر عن مجموع أسئلة هوياتية وفكرية وفلسفية وتواصلية، ارتأى فضاء حزب التقدم والاشتراكية بالدار البيضاء، وتحضيرا لدورة اللجنة المركزية، تنظيم ورشة تجيب عن حالة انحسار هاته، والدفع في اتجاه تبني أدوات وآليات تعيد لليسار فعاليته.
لأجل ذلك، يقول بنصر، استدعت هذه الورشة كلا من محمد الناجي الباحث في العلوم الإنسانية، وحسن طارق الباحث في العلوم السياسية، وأحمد زكي عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، وعبد الله الترابي، صحفي وناشط جمعوي، الذين حاولوا رصد مكامن الاختلالات التي توقف محركات الفعل عن الاشتغال، والإجابة عن سؤال ما معنى أن يكون المرء يساريا اليوم.

ما معنى أن يكون المرء يساريا اليوم؟ سؤال كان حسن طارق سباقا إلى محاولة الإجابة عليه من خلال طرح مجموعة من الاستفهامات المنهجية حول ما معنى أن يكون المرء يساريا اليوم؟ وهل نحن أمام يسار أم أمام يسارات أم يسارين؟ هل الجواب الاجتماعي والاقتصادي كاف اليوم للحسم في الهوية؟ هل الانتماء إلى المعسكر التقدمي كاف للتعبير عن الانتماء لليسار؟ .
أسئلة دفعت حسن طارق إلى الانتباه إلى كون الانتقال إلى مجتمعات المعرفة والمعلوميات وتطور وسائط الاتصال الحديثة أدى إلى نشوء نزعة فردية “لا فردانية أنانية” عنوانها الحقوق الفردية (حرية المعتقد -حرية العلاقات العاطفية – الاختلاف الجنساني-) وإلى   للتمايز بين المنزع الاشتراكي القائم على العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثورات وبين الليبيرالية في شقيها السياسي والإنساني.
كما دفعت هذه الأسئلة حسن طارق إلى العودة بالتاريخ سريعا إلى زمن محنة اليسار، وإلى قياداته التي امتلكت بعد ذلك الشرعية الديمقراطية باعتبارها منتخبة من القاعدة، لكن دون أن تكون قادرة، في ظل صعوبات المتغيرات المتسارعة، على جعل هذه الشرعية ديمقراطية مجالا لإحياء أفكار اليسار والخلق الصراع والتنافس بين الأفكار والاستفادة من الطاقات الحزبية لخدمة مشروعها اليساري.
وبعد تأكيده على دور اليسار في النضال من أجل الديمقراطية، دعا حسن طارق إلى طرح أسئلة تمثل الديمقراطية ماضيا وحاليا. هل نضال اليوم من أجل التأسيس لديموقراطية حقيقية، أم تراه صراعا حول السلطة يتدثر بالديموقراطية عن وعي أو بدونه؟ هل الديموقراطية هي وسيلة وغاية في الآن ذاته أم مرحلة لبناء بنية دولتية تخضع لإرغامات الإيديولوجية الواحدة التي تتوهم طهرانية خالصة؟
أسئلة سيجيب عنها المتحدث بالقول إن من المفارقات العجيبة أن اليسار في المغرب كان في السابق قوة ليبرالية، وظل على امتداد تاريخه يسارا سياسيا بعيدا عن “يسار المجتمع”، يدافع عن الدولة الوطنية الديمقراطية، ضعيف التفاعل مع التقلبات المحلية والإقليمية والدولية، ما جعل معينه الأيديولوجي ينضب.
وكخلاصة لمداخلته، التي لم يسعفها الوقت المخصص لها خلال هذه الورشة، خلص حسن طارق إلى ضرورة عودة قوى اليسار لخطاب الهوية، وإلى الإيمان بالديمقراطية كشرط للانتماء إلى اليسار، مشيرا إلى أن حزب التقدم والاشتراكية كان سباقا إلى هذا الإيمان، واضعا مسارا لفكره اليساري الذي يسير بالضرورة على السكة الديمقراطية، وقاطعا بصفة نهائية مع “وضعية الصمت” في تفاعلاته مع المجتمع.
فمن هذا المجتمع، يقول محمد الناجي الباحث في العلوم الاجتماعية، يأتي التغيير، وعلى أحزاب اليسار أن تكون على وعي تام بهذا المعطى الهام، خاصة بعد اتساع الحواضر التي تعرف نموا ديمغرافيا كبيرا لا يمكن للسلطة أن تراقبه.
وبناء عليه، يقول الناجي، توجد قوى اليسار اليوم في موقع قوة، وعليها أن تستغل المعطى الديمغرافي بالعودة أولا إلى تشكيل “حالة ثقافية متميزة”، تواكب النقاشات الثقافية السائدة كونيا، وتتملك القدرة على المصاحبة والتدخل في النقاش حتى داخل المحافل الفكرية العالمية، مستحضرا، على سبيل المثال ما يجري اليوم من نقاشات داخل اليسار الفرنسي، أي داخل الأسرة الأيديولوجية الواحدة.
وشدد الناجي على أن اليسار بإمكانه، في ظل هذا التحول الديمغرافي الذي يحرج السلطة، أن يخترق تسييج الحقل السياسي المخزني بتشجيع طاقاته الفكرية على إنتاج الأفكار كما كان يفعل حزب التقدم والاشتراكية أيام عزيز بلال وغيره، وبفتح مسارب ثقافية وإبداعية عبر الأندية السينيمائية ومسرح الهواة وغيرها من التعبيرات.
وختم محمد الناجي، دائما تحت ضغط ضيق الوقت المخصص لكل مداخلة، بالقول إن اليسار مطالب بإنعاش ايديولوجيته، من أجل الانفتاح الواعي على الثقافة المضادة للنسق النيوليبرالي، وإعادة خلق المخابر المعرفية والأكاديمية الكفيلة وحدها بجعلها قادرة على استغلال حالة الصمت الحالي والعودة إلى الواجهة.
ولتقريب الصورة من نضالات الأحزاب اليسارية، خاصة بالنسبة للمناضلين الذين لم يستوعبوا بعد مواقف حزب التقدم والاشتراكية، خاصة تحالفه مع حزب العدالة والتنمية، وتسرعهم في الحكم عليه بكونه غادر مركب اليسار، قدم أحمد زكي عرضا حول تاريخ حزب التقدم والاشتراكية قبل أن يستعرض مرتكزات المادية التاريخية وتناقضات المجتمع، ويخلص بذلك إلى تفسير المواقف الحالية للحزب.
فقد تأسس فرع الحزب الشيوعي الفرنسي في المغرب، يقول أحمد زكي، في بداية الأربعينات من القرن الماضي على يد مجموعة من الشيوعيين العالميين ذوي الأصول الأوربية ولم يكن تواجد أعضاء مغاربة فيه في البداية سوى كأقلية، ويعتبر بحق، يضيف المتحدث، أول حزب يساري في المغرب. كسب صفته المغربية منذ 1946 أي عندما تولي أمانته العامة الراحل علي يعته وتمت مغربة قيادته بكوادر شابة تتمتع بروح وطنية عالية، ساهمت في تعبئة الطبقة العاملة لمناهضة الوجود الفرنسي للمغرب، كما أنه أنشأ منظمة الهلال الأسود للكفاح المسلح ضد الاستعمار. وقد تعرض الحزب للمنع سنة 1952 على يد السلطات الاستعمارية كما تم منعه سنة 1959 بدعوى عدم ملاءمة مبادئه الشيوعية مع الهوية الإسلامية للبلاد. غير أنه في عام 1968 عاد للعمل العلني تحت اسم “حزب التحرر والاشتراكية” لكن لم تمر سنة على ذلك حتى تم اعتقال أعضاء قيادته ليتم حظر جميع أنشطته. وعاد الحزب للعمل الشرعي تحت اسم جديد هو “حزب التقدم والاشتراكية” سنة 1974، وتمكن من الحصول على مقاعد داخل البرلمان وبقي إلى جانب المعارضة حتى سنة 1998 حين قبل على غرار باقي أحزاب الكتلة الدخول في حكومة تناوب.
وأوضح أحمد زكي أنه بعد عذابات سنوات الرصاص، وبعد استعادة الشرعية، وضع حزب التقدم والاشتراكية نصب عينيه فكرة أساسية مفادها أن للملكية شرعيتها وللحركة الوطنية شرعيتها أيضا، وأية قوة لا يمكنها الانتصار على الأخرى، وبالتالي نادى بضرورة الدخول في وساطة تاريخية بين الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية من أجل الدفع في اتجاه التوافق حول الإصلاح التدريجي.
وبعد هذا الاستعراض التاريخي لحزب التقدم والاشتراكي، ولدوره في هذه السيرروة التي أنقذت البلاد، شدد زكي على أن اليساري يبقى اليوم، رغم كل المتغيرات والإكراهات، هو المدافع عن الديمقراطية، ويظل حزب التقدم والاشتراكية مؤمنا بمبادئه وبإيديولوجيته التي على أساسها يواكب هذه الهزات العنيفة التي نشهدها اليوم وهذه التناقضات التي يحركها صراع طبقات تحاول الاستفراد بخيرات البلاد، وذلك من خلال التشبث بقيم اليسار.
وهو منطلق مداخلة عبد الله الترابي الصحفي والفاعل الجمعوي الذي شدد على أن إعادة بناء اليسار اليوم يتطلب إعادة بناء الأفكار، مشددا على أن اليسار، في الماضي، رفض بوضوح، توظيف الديني في السياسي، ورفض احتكار جهة ما مهمة الناطق الرسمي باسم المشترك العقدي والهوياتي للمغاربة، وكان ذلك مفهوما بالنظر لسياقات الصراع حول السلطة.
واليوم، يضيف عبد الله الترابي، يجب أن نقر بأن هذه القوى الإسلامية تمتلك قاعدة جماهيرية عريضة تأتت لها بفضل تشجيعها للفكر وتوسيع نقاشاته، وهو ما لم تقم به قوى اليسار على امتداد العشريتين الماضيتين.
وقد شهد اللقاء نقاشا هاما ميزه تدخل لنبيل بنعبد الله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية الذي أكد أن حزب التقدم والاشتراكية ظل على الدوام مدافعا عن الفكر المتحرر وعن الديمقراطية وعن تموقعه داخل أسرة اليسار.

> مصطفى السالكي
> تصوير: عقيل مكاو

Related posts

Top