قامات سياسية وقانونية وقضائية وحقوقية من مختلف القارات تشارك في مؤتمر «مراكش الدولي للعدالة»

تحولت مدينة مراكش، منذ يوم الإثنين الماضي، بمناسبة انعقاد “مؤتمر مراكش الدولي للعدالة”، في دورته الأولى، حول موضوع: ” استقلال السلطة القضائية بين ضمان حقوق المتقاضين واحترام قواعد سير العدالة”، إلى قبلة مفضلة لقامات سياسية وقانونية وقضائية وحقوقية، ولمسؤولين كبار من نساء ورجال العدالة عبر قارات العالم الخمس، من أجل تبادل التجارب والخبرات والأفكار واكتشاف الممارسات الفضلى في هذا البلد أو ذاك، وأيضا لحضور الذكرى الأولى لحدث تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية في حلته الجديدة بعد دستور 2011، بعد مرور سنة على تنصيبه، واستقلاله عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وللوقوف أيضا على حدث استقلال النيابة العامة، بعد نقل السلطات على النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة.
وهكذا، عرف المؤتمر حضورا مكثفا ومتميزا لوزراء العدل ورؤساء المجالس العليا للقضاء، لأكثر من 80 بلدا.
وسينكب المؤتمرون طيلة ثلاثة أيام على إيجاد إجابات علمية حول كل الرهانات والاشكالات التي تطرحها ممارسة العدالة في العالم.
وتميزت الجلسة الافتتاحية، المنعقدة، يوم الإثنين الماضي، بتلاوة الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المؤتمر شكلت مرجعا أساسيا للاقتداء بها في مجال العدالة. كما ألقى كل من مصطفى فارس الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومحمد عبد النباوي رئيس النيابة العامة، كلمتين، في الجلسة الافتتاحية. التفاصيل.

قال مصطفى فارس الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الإثنين الماضي، مخاطبا المشاركين في مؤتمر مراكش الدولي للعدالة “اليوم تشهدون معنا الذكرى الأولى لحدث تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية في حلته الجديدة بعد دستور 2011، نموذج مغربي متفرد لسلطة قضائية بتركيبة متنوعة منفتحة واختصاصات متعددة وأدوار مجتمعية كبرى ذات أبعاد حقوقية وقانونية متميزة وبروح إصلاحية عميقة لا يمكن ان تخطئها العين أو يزيغ عنها الفؤاد”.
وأضاف فارس، أن يوم 6 أبريل من السنة الماضية شهد تتويجا لسنوات طوال من العمل الدؤوب والنقاش الجاد الذي ساهم فيه جميع الفاعلين بكل مسؤولية ومواطنة، ونتاج الأوراش الكبرى التي يقودها عاهل البلاد بكل إقدام وجرأة وتبصر من أجل تكريس دولة الحق والمؤسسات. وأشار أيضا، أنه يوم تاريخي، سيبقى موشوما في ذاكرة أسرة العدالة كمحطة لتتويج خيارات مجتمع يتجه نحو المستقبل بخطى ثابتة ورؤية واضحة وإرادة صادقة من خلال مؤسسة دستورية تعبر عن سلطة قضائية مستقلة ملزمة ليس فقط بتدبير الوضعية الفردية للقضاة وتحقيق كافة الضمانات لهم طيلة مسارهم المهني، ولكن من أجل تكريس ممارسات فضلى كسلطة موكول لها ضمان الحقوق والحريات وتكريس الأمن القضائي وتحقيق التطبيق العادل.
وفي حديثة عن حصيلة سنة من عمر المجلس الأعلى للسلطة القضائية، قال الأستاذ فارس، أنها تميزت بدينامية جديدة لعمل المجلس الأعلى تعتمد على تكريس مبادئ الشفافية والحكامة وتكافؤ الفرص والتخليق من خلال تبني العديد من الآليات سواء في تدبير وضعية المسارات المهنية للقضاة أو في صون كرامتهم واستقلالهم مع الحرص التام على التطبيق الصارم للمعايير الأخلاقية والضوابط من أجل ممارسة سليمة ناجعة لرسالة القضاء وخلق أجواء ثقة لدى القاضي والمتقاضي على حد سواء، مضيفا، أنه في هذه السنة، تم العمل على إيجاد آليات للتواصل والانفتاح مع كل الفاعلين وطنيا ودوليا، والمساهمة في تجويد النصوص القانونية ومعالجة ثغراتها من خلال إبداء الرأي في العديد من مشاريع القوانين الأساسية الكبرى تفعيلا لاختصاصاتنا الدستورية الممنوحة للمجلس الأعلى وتكريسا لمبدأ التعاون مع كافة السلط خدمة للعدالة ببلادنا .
وأكد الأستاذ فارس، أنه إذا كانت المجتمعات المعاصرة، تواقة إلى بناء أنظمة ديمقراطية ناجعة ومتينة، فإنه لا بد لها أن تستحضر ضمن مقوماتها إصلاح منظومة القضاء وتعزيز استقلاليته، على اعتبار أنه يشكل الدعامة الأساسية التي يفترض أن تحمي الديمقراطية وتقويها من خلال فرض سيادة القانون وإعطاء بعد قوي لمبادئ المسؤولية والمحاسبة والحكامة والتخليق. واعتبر أيضا أن القضاء بدوره يظل بحاجة إلى فضاء ديمقراطي مبني على الحرية والشفافية والمواطنة بالصورة التي تمنحه القوة والشجاعة في التطبيق العادل للقانون وحماية الحقوق والحريات للأفراد والجماعات، مضيفا أن المتقاضين اليوم عبر العالم يجب أن يلمسوا في تفاصيل معيشهم اليومي آثار استقلال السلطة القضائية وهي تحل مشاكلهم وتدبر نزاعاتهم وتنظم علاقاتهم القانونية والواقعية مع باقي الأفراد والجماعات والمؤسسات، وتقدم لهم كل الخدمات بسرعة وشفافية ويسر. وأشار أن القضاة أمامهم اليوم تحدي تكريس الثقة في ظل عالم متسارع ومفاهيم متغيرة وإشكالات معقدة تثير الكثير من اللبس والغموض وتطالبهم بالتبصر والتجرد والشفافية، وبتدبير التوازن والتعاون بين السلط ومواجهة التأثيرات المختلفة بكل حزم ويقظة خدمة للعدالة وتجسيدا للقيم والأخلاقيات القضائية. وقال إننا “اليوم مطالبون جميعا بالإجابة على تساؤلات كبرى ذات طبيعة تنظيمية وقانونية وحقوقية وأبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية دقيقة ومركبة”، وأمام رهان إيجاد عدالة قوية مستقلة مؤهلة ومنفتحة على محيطها الوطني والدولي تواكب كل هاته المستجدات بتفاعل إيجابي وتعاون مع باقي الفاعلين، أسئلة من قبيل: كيف يمكن تحقيق الثبات الفعلي لضمانات الاستقلال في ظل شروط متغيرة متسارعة؟ وكيف يمكن لهذه السلطة أن تكون صمام الأمان للمجتمع في مواجهة كل العقليات والممارسات التي تحاول التأثير والتشكيك والتبخيس؟، وهل حقا موضوع الاستقلال هذا يبقى مطلبا فئويا يهم القضاة لوحدهم أم أن تطبيقاته وآثاره لها ارتباط وثيق باحتياجات المواطن وحقه في أمن قانوني وقضائي يكفل له الحقوق والحريات؟، وكيف يمكن إيجاد التوازن بين الحق في الولوج إلى العدالة والوصول إلى المعلومة وبين ضمان أمن المعاملات تقنيا وقانونيا وخدمات الإدارة القضائية وتأهيل العنصر البشري ورفع كل القيود والحواجز النفسية والعملية للانخراط في هذا الورش الكبير؟ ثم من هو القاضي الذي نريده في هذه الألفية وما هي المعايير الملائمة لانتقائه وشروط انخراطه وآليات تكوينه؟ وما هو التدبير الأمثل لإشكاليات التخليق في مجال منظومة العدالة؟
ومن جهته، قال محمد عبد النباوي الوكيل العام، رئيس النيابة العامة، إنه منذ عام مضى، ولدت سلطة ثالثة ببلدنا، من خلال إعلان جلالة الملك محمد السادس عن تأسيسها بتنصيب مجلسها الأعلى يوم سادس أبريل 2017 بمدينة الدار البيضاء، مشيرا أن اجتماع مراكش مناسبة للاحتفاء بالسنة الأولى من عمر السلطة القضائية الفتية. عام مارست فيه هذه السلطة صلاحياتها باستقلال تام عن السلطتين التشريعية والتنفيذية تطبيقا للدستور. وأضاف محمد عبد النباوي، خلال الجلسة الافتتاحية، للمؤتمر الدولي للعدالة بمراكش، أنه إذا كان المجلس الأعلى للسلطة القضائية قد تأسس بتاريخ 6 أبريل من السنة الماضية، فإن اكتمال استقلال السلطة القضائية لم يكتمل في واقع الأمر إلاَّ بتاريخ 07 أكتوبر 2017 الذي تم فيه نقل السلطات على النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة.
واعتبر محمد النباوي، أن مطلب العدالة بمختلف تفريعاتها وتجلياتها جعل من القضاء قطب الرحى في انتظارات الأفراد ومشاريع المؤسسات ومخططات الدولة، وأن القضاء معول عليه في حماية حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم الأساسية، وفي صون الأمن والنظام العام، وفي تحقيق الاستقرار الأسري وضمان استمرارية نشاط المقاولة والحفاظ على مناصب الشغل وتحقيق السلم الاجتماعي وتأمين فعالية القاعدة القانونية وتحيينها أمام التطور التكنولوجي والتقني بما لا يخل بالأمن القانوني المشروط في تلك القاعدة، فضلا عن المساهمة في تخليق الحياة العامة وحماية المال العام والملكية الخاصة وحماية الفئات الهشة والضعيفة، وضمان سيادة القانون والمساواة أمام أحكامه.
وأكد بالمناسبة، أن المسؤولية الجسيمة والأدوار الصعبة الملقاة على عاتق القضاة تستدعي اهتماما جميعا بالسلطة القضائية وتوفير الإطار القانوني والمؤسساتي لضمان استقلالها، وتسخير الوسائل والإمكانيات التي تمكنها من الاضطلاع بمهامها بنجاعة وفعالية وحياد وتجرد.
وفيما يخص استقلال السلطة القضائية، قال عبد النباوي، إنه لا يمكن أن يتحقق استقلالها من خلال الدساتير والقوانين وحدها، بل إن استقلال السلطة القضائية هو فضلا عن ذلك، ممارسة وأعراف وتراكمات، ولا يمكن الحديث عن الاستقلال الحقيقي للسلطة، في نظره، ما لم يؤمن القاضي قبل غيره باستقلاله وتجرده عن الأهواء والتأثيرات بمختلف أشكالها وألوانها، ولا يمكن الحديث عن استقلالية السلطة القضائية ما لم يؤمن كل المتدخلين في حقل العدالة بحتمية هذه الاستقلالية، وتظافر جهودهم جميعا لتحقيق هدف أسمى وأوحد، هو ضمان اشتغال الآلية القضائية بتجرد وحياد واستقلالية.
كما أن استقلال القضاء، يضيف المتحدث، ليس مزية للقاضي تحصنه وتحول بينه وبين المساءلة والمحاسبة الدستورية، ولكنها قاعدة قانونية وضعت لفائدة مبادئ العدل والانصاف ولحماية القضاة من كل تأثير أو تهديد يمكن أن يحيد بقراراتهم وأحكامهم عن تطبيق تلك المبادئ والالتزام باحترام القانون وتطبيق المساطر بعدالة ونزاهة وحياد.
وبالنظر إلى أن الفصل التام بين السلط الثلاث للدولة أمر غير ممكن، فإن التطبيق الأمثل لمبدأ الفصل بين السلط، يؤكد رئيس النيابة العامة، يقتضي خلق آليات للتعاون والتكامل ضمانا لوحدة الدولة ودينامية وفعالية مؤسساتها، من غير أن يكون هذا التعاون مبرراً لأن تسلب إحدى السلط اختصاصات السلط الأخرى. وأوضح في هذا الصدد، أن السلطة القضائية يمكن أن تكمل التشريع من خلال تفسير القانون ومن خلال الاجتهاد القضائي، ولكنها لا يمكن أن تضع قواعد قانونية ملزمة. كما أن هذه السلطة القضائية يمكن أن تكمل عمل السلطة التنفيذية عبر اتخاذ بعض القرارات الولائية لإدارة الدعوى، ولكنها لا يمكن أن تحل محل الإدارة في اتخاذ القرارات التي تدخل في صميم اختصاصاتها.
وبالمثل، يضيف عبد النباوي، أن مجالات التماس بين عمل السلطة القضائية وبين عمل السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، يجب ألا تفضي إلى التدخل في شؤون القضاء. وهو ما يقتضي أ ن تفسر النصوص وفق ما يعزز استقلال السلطة القضائية، وأن تدفع الممارسة اليومية في اتجاه ما يضمن هذه الاستقلالية ويصونها، ما دام أن هذا الهدف تقرر دستوريا وقانونيا خدمة للمواطن والقانون لا خدمة لأعضاء السلطة القضائية.
وختم عبد النباوي كلمته، بالتأكيد على أن الرهان الكبير على إنجاح التجربة المغربية في مجال العدالة، هو تمرين شاق وطويل يتطلب من الجميع تطوير أدائهم في حقل العدالة. مستحضرين في ذلك القيم المثلى للعدل، وإحقاق الحق والمساواة أمام القانون، لكسب ثقة المواطن في القضاء وترسيخ حكم القانون وسموه في نفوس أفراد المجتمع. وهو ما يقتضي توفير النصوص القانونية الموضوعية والإجرائية المواكبة لانتظارات المواطنين وتطور حاجياتهم من العدالة، ووضع مخططات مستقبلية تستحضر مناهج التخطيط الاستراتيجي المبني على الأهداف للارتقاء بمرفق العدل، مع توفير الموارد البشرية والامكانيات المالية اللازمة من أجل تحقيق تلك الأهداف، وذلك في ظل منهج قائم على المشاركة والتعاون والتنسيق والحوار بين كافة المتدخلين في حقل العدالة.

مبعوث بيان اليوم إلى مراكش: حسن عربي

Related posts

Top