قراءة نسقية لـ “رحلة فتاة سودانية إلى الصين”3/2

رُهاب الوداع ورائحة الرحيل

بقدر تورُّطها في عشق السَّفَر ـ بغاية التغيير الذاتي والقومي والإنساني ـ ظَلَّ ألم الفراق شبحا يلاحقها بشكل دائم، يفجِّر بدواخلها نوستالجيا الوطن والأحباب، ويعمِّق في كينونتها لواعج غامضة يجلِّلها سحر الأُلفة. صحيح أنها كانت ضد “الاستقرار البليد”، لكنها لا تستطيع مقاومة رائحة المكان، رائحة الأرض الجنوبية، الاستوائية، الشمالية في ريف مصر. كان المكان ملاذا للقلوب المتصدِّعة، التي ألِفت قهرا غياب الأب:”القاهرة عَصَمَتْنا من الانكسار.
فقد كنا نلوذ بمصر50 كلما تخاصم أبي وأمي وذهبتْ إلى أهلها في رحلة شتاء وصيف، آلفت، أحيانا، بين قلوب قريش وباعدت مرّات بينها، حتى تفارقا دفعة واحدة وإلى الأبد”51 لَرُبّما كان ألم الفراق وفجائعه ولوعاته عَصَب تحريك غواية السفر مرة أخرى ـ بعد غواية النضال ـ حتى أضحى للرحيل رائحة تخطف القلب، وتسكن الخاطر، وأصبحت إيقونات السفر: (صفّارا، محطات، قطارات، مطارات، أرصفة البواخر) تمعن في الدلالة على “الوداع” و”الفراق” والوعد الخُلّب بلقاء لن يتكرّر: “كانت لنا مع القطارات والمحطات والبواخر والثغور النيلية والمطارات مواعيد، إلا أن الصفارات والمحطات والمطارات وروائح الرحيل بقيت تخطف قلبي.
وبقي وداع أبي ماثلا لوقت طويل، رغم زيارتنا له في المديريات التي كان ينقل إليها إبان العطلات، وربما بسبب ذلك بقيت رائحة الرحيل تجثم فوق صدري، وما برحت أرصفة البواخر، ومرور القطارات يخطفان قلبي، والفراق الذي لا وعد بلقاء بعده يغور عميقا في خاطري”52 بقدر ما تولَّهت بالرحيل، كرِهت قطع الحَبْل السُّري ـ
أكاد أقول السِّري ـ الذي يربطها بالكائنات والناس53 والأمكنة وما حَمَلَت من أزمنة، وما حَلُمَتْ به أحلامَ يَقَظة ـ يَقِظَة تراوح بين الرومانسي والواقعي والاستيهامي والوهمي. أصبح “الوداع” لديها خرافة ملغزة، وعبارة “مع السلامة” أسطورة الأساطير. فإن كان هناك من أسطورة شخصية ـ بالمعنى الذي تتحدث عنه الأسلوبيات الإحصائية ـ فهي لفظة “وداع” التي تتكرر في تقديمها وفي متن الرحلة، بتنويعات دلالية مختلفة، وبشحنات عاطفية تقول أكثر مما تقوله الكلمة، إصرارا منها على البوح بالعمق الأسطوري الغامض الذي تولِّده في مشاعرها وأحاسيسها وجسدها وكيانها كله، دون أن تفهم سِرّ قسوتها ونفاذِها واستعصائها على تمثُّلاتها: “كرهتْ روحي الوداع مهما يكن قصيرا، وبقيتْ أقسى الكلمات عليّ وقعا “مع السلامة”.
سأموت وبي شيء من “مع السلامة” وتكاد تزهق روحي في كل مرة أقول فيها لأحد وداعا، على ما تقول أغنيةُ54إلاّ فيتزجيرالد”55. وبقدر ما يُشعرِن هذا التناص البديع خطابها، يحلِّق به إلى قمة الصفاء الإنساني مع الذات ومع الآخر. ولربما يستعيد إن لم نقل يستنسخ جماليا ـ بوعي أو بدونه ـ صورة انفصال الأب عن الأم، في سيرة المغنية إلاَّ جين فيتزجيرالد نفسها التي عاشت تجربة مغادرة والدها لبيت الزوجية، بالإضافة إلى معاناتها لظلم الميز العنصري.
لكن ما الذي جعل عبارة ” مع السلامة” ـ النائبة سيميائيا عن الوداع ـ تأخذ هذه الشحنة الغائرة في تلافيف الذات الجمعية56 إلى حدِّ الأسْطرة؟. الإجابة عن هذا السؤال تكمن في أسْطرة ذاتٍ تعيش لحظة ممانعة حضارية قياسا بالذات الغربية التي لا معنى فيها للتوديع ولا للاستقبال. فكان اللَّوْذ بخيْمة الهوية الجمعية أقدر على التعبير عن مفارقات الوضع الجديد الذي تتصلب فيه المشاعر وتغيب الألفة في منافي تدرجت من الاختيار إلى الإكراه فالإذعان:”لم تنفكّ “مع السلامة” تلك أن باتت ترفا، وقد كتب علينا نحن العيش في بلاد لا يُستَقبَلُ فيها مسافر قادم، ولا يودَّع مسافر، ولا تدمع عين لفراق، ولا يخفق قلب للقاء ولا تعني “مع السلامة” شيئا، الوجوه تتطاير في الاتجاه المعاكس فوق الرصيف من خلف زجاج نافذة. ولم نعهد تلك البلاد ولا عهدتنا رغم الشَّتات، وربما جرّاء هذا الشَّتات، فما لبث فراق الشَّتات والمنافي أن بات قدَرا معلقا في رقابنا، اختيارا وإكراها فإذعانا، وقد بات اللقاء مستبعدا مع مرور العمر”57 ومرة أخرى تجد في شَعْرَنَة الخطاب الرحلي ـ وهذه المرة باستعارة لسان حال الشاعر عبد الوهاب البياتي ـ
آلية لتفجير نواة الإحساس بالغربة والضَّعف أمام المجهول58: لا أدري لماذا تذكرتُ كلمات البياتي:”سأهيم وحدي في البحار النائياتمَغْنى النساء الساحراتوالخمر..والدم..والدموعدليل مركبي الطروبعينان خضراوان..”59لعل العين الثاقبة لن تخطئ تَبْطينَ هذه اللاأدريات بالأسْطَرة والشاعرية الموغلة في تهويل وجع الفراق المشوب بالخوف والرهبة من قطع حبل الألفة السُّري ـ السِّري. ومع ذلك، فهذا الوداع الأسطوري ـ إذا ما قمنا بتشريح زمنه المأساوي ـ سنجد أنه يقع بين حلقتين هو أضعفُها: حلقة “تلويحات” التوديع: “إن الصينيين يلوحون بالزهور لا بالمناديل. وكانت لحظة رهيبة، أكثر رهبة من لحظات الوداع. والاستقبال التي مرت بنا”60حلقة “انتظار” التوديع، وإرهاق انتظار لحظته، سيظل هوسا يلاحق الذات الراحلة في كل الأمكنة، يعمِّق لديها الإحساس بألم الفراق، وشدة إرهاقه للنفس: “تأخرت الطائرة عن مواعيدها نحو الساعتين، وكان علي أن أعاني انفعالات قاتمة طوال لحظات ما قبل الوداع المزعجة. والفراق مؤلم. ومجرد الشعور بأنه واقع لا محالة مرهق للنفس وأشد منه إرهاقا انتظار الحدث”61 لعل الوداع بالنسبة لها توأم الغربة المرتقبة، الغربة التي ما لها فيها تُربة62، لأنها منذورة للوداع والاقتلاع.” والغربة نقطة ضعفٍ لمسافرٍ لديه أسباب اللهفة ولديه أيضا تجاوب فطري مع الأسى (نواة سعادة الكئيب)، كما يقول تشيخوف”63 الوداع يعني مغادرة الألفة، وتذوق باكورة الغربة: “لحظات الوداع…انتزاع أنفسنا من الأجواء التي أحببناها عندما نفاجأ بالرحيل كضرورة مُرّة واجب تعاطيها”64 الوداع شعور بالافتراق النهائي، وانتزاع النفس من الألفة الطارئة، والاستئناس الطارف، كما يمكن أن نستشفَّ من لحظة مغادرة شنغهاي، وكأننا أمام لحظة مغالبة موت الإنساني فينا، ومكابدة الرحيل الرمزي الأبدي: “تركناها ونحن نغالب الشعور بالفرقة ونجتهد في تناسي حقيقة أننا نرى الجميع لآخر مرة وأننا قد لا نلتقي أبدا. لم يكن يمكن تصديق هذه الحقيقة. هل حقا علينا انتزاع أنفسنا من هؤلاء القوم وتلك الأجواء الحميمية الطيبة، انتزاع أنفسنا إلى الأبد”65 ولذلك لا نستغرب أن يستدعي المرض العضوي لديها الإحساس بالغربة.
“أثبتنا إخفاقنا في التأقلم مع الأجواء الجليدية..زاد ألمي العضوي سوء حالتي النفسية التي تضافرت الغربة والمرض على ضعفها. وللغربة فعل عجيب في النفوس، مجرد الشعور بها يخلق حالة من الحساسية المفرطة التي تصل أحيانا حد التشاؤم”66 للوداع مشقّة، تعانيها النفس كما تعاني نَزَع الروح: “حلَّقت بنا الطائرة الصغيرة التي تشبه الطراحات إلى حد بعيد مبتعدة عن آخر بقعة من بِّكين مبدِّدة من الأفق معالم الوجوه العزيزة والأيدي الملوحة بالمناديل والزهور والتي عانقتنا منذ قليل مودِّعة وامتزجتْ دموعنا بدموعهن جميعا بلا استثناء حينئذ. كانت مشقّة أن ننتزع أنفسنا من بين هؤلاء الأحباب.. كانت مشقة بقدر ما كانت معرفتنا بهم سعادة وصفاء”67 نوستالجيا الزمان الجميل أو السفر في “ميدان الزمن” ليس من قبيل زَلَّة القلم أن تتحول لفظة “زمن” في العبارة أعلاه، وهي في أحد العناوين الفرعية لعتبة التقديم، إلى “زمان” بالمد والإمعان فيه لاقترانه بـ”الجميل”، فيتعاظم حجم الحنين ومداه بشكل درامي لا حدود له؛ لأن الزمان ـ هكذا بمدِّ الصوت الأسْيان ـ يقترن عندها بالمكان ويتلبَّس به وبأحداثه ووقائعه الماضية المعاندة للنسيان، أما الزمن فيقترن بالوقت في أبعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.
هكذا يغدو “الزمان الجميل” تنويعا دلاليا على المركَّب الإسمي نفسه: “أيامنا الحلوة”، التي تخصُّ “ميدان الزمن” بالماضي وتَقصُرُه عليه؛ لأن الحاضر منفلت، والمستقبل كغيوم السودان “قد تُرعِد…دون أن تمطر”68، وما السودان إلا نموذج من أوطان عربية كانت تتسع للحلم بـ”الزمان الجميل”، زمن الخيار الاشتراكي، الذي ولى باستيهاماته ورومانسيته وحماسته وإيمانه الدّوغمائي بالتغيير ورفع الظلم وتحقيق الإنصاف والدفاع عن الشعوب المقهورة قريبها وغريبها دون تمييز: “كانت الثورة الجزائرية تُلْهِب أفئدتنا حماسةً، وكانت الاشتراكية خيارا وأسلوب حياة. فأن تعمل على تغيير العالم إلى الأفضل، وتناضل ضد الظلم، وتسعى للإنصاف، وتساعد الآخرين أقرباء كانوا أو أصدقاء أو معارف أو غرباء بلا وجوه، وتقف إلى جانب المظاليم وتدافع عن الشعوب..هذه كلها ليست إلا طرائق من العبادة تشارف الإيمان بالله تعالى”69.هكذا يتحول “الزمان الجميل” إلى زمن أسطوري لا نعرف له بداية، لكن لا يتم التكتم عن نهايته الفجائعية، حيث تصبح الذات ـ المرأة، المجتمع ـ موضوع غبن وقهر: “صرتُ أَفزَع من الظلم، ولا أذكر متى نذرت نفسي للنضال من أجل المظاليم، وقد نفرت روحي من عدم الإنصاف، بينما بقيتُ موضوعا لعدم إنصاف أراذل بني تميم على أنواعهم”70 وذلك الزمن الأسطوري هو زمن أسلاف مغامرين تتحدّر من سلالتهم: “كُنّا..متحدِّرين من أسلاف مغامرين يَحْدوهم كَرَم الروح إلى ارتياد فضاءات جديدة”71، وتتسع بيوتهم فتؤوي الغرباء حتى ليصبحوا أهلا وأقارب. وهذا الكرم الروحي تسرَّب إلى والدها محمد صفوت الذي في أواخر حياته بنى زاوية فرشها بالسّجاد وأضاءها بالشمعدان، وتبنى طريقة صوفية تكاد تأتي من اللامكان.
“كان صوفيا عَرَكِيا من طرق جزيرة النيل الأزرق الصوفية. والعَركِيون أنفسُهم رُحَّل لعلهم جاؤوا من العراق أو من المغرب غِبَّ سقوط غرناطة مع فُلول الموحدين والمرابطين”72 استراتيجية التناص لم تكن هذه الاستراتيجية مجرد لعبة جمالية لشَعْرَنَة الخطاب الرحلي، كما لا حظنا من خلال توظيفها لروح أغنية الأمريكية إيلاّ فيتزجيرال73، ولا من خلال توظيف عتبة الاستهلال74 نصًّا موازيا، ولا من خلال تناص بديع مع إحدى قصائد الشاعر العراقي الثوري المغترب عبد الوهاب البياتي، بل أيضا صدى لفكر إيديولوجي اشتراكي آمنت به وطعَّمته باستشهادات من
فكر ماو تسي تونغ والفكر الماركسي اللينيني عموما.  
إن استراتيجية تهجير النصوص والأفكار، جاءت لتعطي صلابة إيديولوجية لفكر آمنت به، وصرفت حياتها في النضال من أجله. لذلك لم يكن غريبا أن تستضيف عنوانَ إحدى قصائد بّابلو نيرودا: “أفراح آسيا” عنوانا لرحلتها التي تغذت على نفس القيم الإيديولوجية والإنسانية والنضالية بانحيازها غير الموارب نحو الفرح والتغيير والأمل في مستقبل الشعوب واحتضان البسطاء75 ونسوق في ما يلي العتبة الاستهلالية المقتطفة من ديوان “رياح آسيا” لبّابلو نيرودا، أفضل شعراء القرن العشرين قاطبة في جميع اللغات76، على حد شهادة الكاتب الروائي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيث: في قرية الصين المتحررةأبصرتُ كل شيءولم يقُصّوا علي شيئاوكان الأطفال من حوليلا يُفسحون لي المجال لكي أسيروأكلت أرزهمواحتسيت خمرهمخمر الأرز الشاحبوعرضوا لعيني كل شيءبذات الأنَفة التي عرفتُها في رومانياوعرفتها في بّولونياوعرفتها في المجرإنها الأَنَفة الجديدةأَنَفة الفلاّحالذي يبصر الطحين لأول مرةعلى أضواء عالم الغد77 هنا سنلاحظ ذلك التيار النُّبوئي الذي سيسري في أوصال النص الرحلي من خلال الإيمان بأنفة الفلاح الصيني وكبريائه (على غرار نظيره المَجَري والبّولوني والروماني)، وهو يرى نتاج كدِّه وجهده في مرآة المستقبل الوضّأءةـ كما تفصح عن ذلك القصيدة ـ والعظيمة كما نفهم من ظاهر النص الرحلي في غير ما سياق. وسيتجدد سريان هذا التيار النبوئي في أوصال النص من خلال “أغنيةٍ”78و”أنشودةٍ”، لم يَستدْعِهما الوَلَع المجّاني بشَعْرنة الخطاب ـ وإن كان لذلك دوره في خلق تقاطب فضائي فجائعي ـ بقدر ما استثارتهما مشاهدة مظاهر تدمير الاستعماريْن البريطاني والياباني والأمريكي لمدينة آن شان79 الناهضة من رمادها كالعنقاء:في مُنْتَزَه التحريرقابلت صِبْية وصبايافي المنتزه الذي يسمونه التحريركانوا مَرِحِين وأَصِحّاءومتفائلينإنهم جيل آن شان الجديد المتصاعد80
الحسّ المقارن آلية لإنتاج خطاب الانحياز يمكن أن نعتبر صوَر الذات كما انعكست في الخطاب المقدماتي، وسيقت بطريقة مبطّنة أحيانا في المتن الرحلي، إحدى آليات التقاطب في تمثلات خديجة صفوت للأنا والآخر. علما بأن عمقها الإنساني، كان يهوِّن من غيرية “الآخر” ويلطِّف من “أجنبيته”، بل تدفع به إلى تخوم الألفة الغائرة في أعماقها، مكتشفة الآخرية في بواطن الذات، كما اكتشفت ملامح الذات في بواطن الآخر: في يُوُو دخلتُ الحدود الصينية “ولست أدري ما الذي دفع إلى النفس الشعور بالاطمئنان والراحة، وكأني دخلت أرضا أعرفها من قبل. لعلها الابتسامة التي تعلو الوجوه في ودّ يحمله متقبلونا بين أعينهم”81. وبالمشاعر نفسها تستقبل مدينةً تستقبلها هي الأخرى دون إحساس بالأجنبية من الطرفين. تلك هي لحظة زيارة بِّكين المفعمة بأشواق الألفة: “مهما فعلتُ فلن أوفق في وصف تلك اللحظات الإنسانية النادرة.
كنا نتعانق كما لو كنا أصدقاء قدامى، لا بل أهل وعشيرة افترقنا لأطول مدة ممكنة لشحذ أشواقنا”82 أيضا تجسَّدَ خطاب الانحياز في المقارنات التي عقدتها بين ملامح واقع الصين قبل حكم الشيوعيين عام 1949م وما ابتهجت كثيرا بتحقُّقه بعد ذلك التاريخ، بعيدا عن الوصف الحيادي، والانطباع الظاهري السطحي لتلك التحولات الجبّارة في تصورها. على أن الفرح الطفولي بتلك التحققات، يومئ من طرف خفي إلى تبكيت الذات، وهي مقارنة لطيفة لا يدركها إلا قارئ مشارك في إنتاج المعنى الذي يحبل بالكثير من المسكوت عنه، اقتصادا لنافل الأقاويل. كان لصورة عمال المناجم بين أمس الصين وحاضرها دور في تفتيق آلية المقارنة، والابتهاج بالاستحقاقات الاشتراكية، وما ترتب عنها من تحولات إيجابية في تصور المؤلفة. فكان عمال المناجم قبل التحرير أسوأ حالا، “وأبشع القصص التي تروى عن الإنسانية، قصص عيشهم وضَعَتَه”ً83. ولذلك لم تستنكف عن إيراد أغنية قديمة تروي تعاستهم قبل التحرير، وهذه الغنائية تشهد لتعاسة المنجميين، وتؤكِّد واقعا جريحا ظلت الذاكرة الشعبية للصينيين تنِزُّ بها:”إذا جاء رجل إلى الشيخ جنجفإنه يبيع هدومه. والملابس الجديدة تصبح قديمةوالقديمة تصبح خِرَقًا. والفراش يحترقمن تحت بفعل حرارة النار السفلىوطعامه من فطائر الأمياز الذي يضخم الجسم بالورم. حتى ليظن أنها تسمنه وتشبعه ولكنها فطائر لا يحبُّها حتى الحيوان”84 وقد أضيفَ البيت التالي إلى الأغنية، وإثبات الإضافة هنا لا تخفى دلالته المقارِنة القائمة على التَّقاطب الزمني:
“ولكن ذاك كان عهد مضى إلى الأبد. وهناك إمكانية الحياة”85حين تحدثت الكاتبة عن الآخر الصيني عززت الوصف والمشاهدة ـ وهي عالِمة في الاقتصاد والاجتماع ـ بأرقام وإحصائيات ومجتزَآت من تواريخ الحواضر العظمى التي زارتها، وعقدت مقارنات بين ماضيها وحاضرها في شتى المجالات، أي بين شهادة العين وإشهاد التاريخ، خدمة لتطلعاتها في وصف تحولات إيجابية أشرق بها وجه التاريخ في الصين الحديثة. من الإقطاع إلى الكوميونات وآفاق التغيير الأخرى من عناصر المقارنة بين الذات والآخر، الحديث عن التحولات والتغييرات في الهناك بين الماضي والحاضر، أي بدءا من تحول الصين الشعبية من سيادة الإقطاع إلى شراكة الكومْيُونات في النهوض بالوطن بفضل ثورة الفلاحين (وهم يمثلون أكثر من 80%). وفي هذا السياق أوردت رؤية أحد قادة الصين صن يات صن الذي يقول: (إذا كانت الثورة تحتاج إلى فلسفة فلابد من اكتشاف عقل الفلاح الباطن والظاهر).
وطبعا هذا يتماشى مع الطروحات التي ما فتئت المؤلِّفة تحللها بخصوص التمييز بين النخبة والصفوة والعامة والمثقف والمتثاقف. وما لاحظته من احتقار لعبقرية العامة86 في البلاد العربية والثالثية عموما. فاختارت ـ عن قناعة ورضى ـ أن تخون طبقتها87لتنحاز إلى صفوف الناس العاديين، وتكون من بين أناس غير عاديين اختاروا التَّخَنْدُق في صفوف الناس العاديين، ولم تبرحْ:”وكنت قد ثابرت منذ حداثتى الباكرة على النضال في صفوف الناس العاديين حتى لو بالاشتراك في محو الأمية بين الأحياء المجاورة، وتنظيم جمعيات تعاونية لربات البيوت وجداتهن وحفيدات الأخيرات وغير ذلك.
ناضلت بين أناس غير عاديين في كل مكان عشت وعملت به ضد معظم الأنظمة والحكومات ولم أبرح”88 الفلاح الصيني هو عصب التحول، واكتشاف الكرامة وروح التعاون جزء من الوعي الاشتراكي الذي آمنت الرحالة بإكسيره السحري: “مع التغلب على كوارث الريف، استطاع الفلاّح الصيني وقد امتلأت معدته، واكتشف وظيفة أخرى لرأسه غير الانحناء والمذلة وحمل هموم لا نهاية لها، استطاع مجاراة الوعي الدفاق والتجاوب مع التطور. بدا وعي اشتراكي طافح ومعه تقبل تلقائي متحمس للتعاون الزراعي”89 وهذه الصورة الاشتراكية في حياة الإنسان الصيني، والتي آمنت بها خديجة صفوت وهي في ريعان شبابها، هي التشكيل الفسيفسائي لحلم لم يفارق إبداعها الرحلي وغير الرحلي، بما في ذلك دراساتها وأبحاثها الأكاديمية، التي نعتبرها نصوصا موازية لقناعة لم تقلع عن غوايتها إلى آخر يوم في حياتها. ظلت تحضن هذه الصورة بمحبة وأمل وتطلع إلى غد أفضل، بل نافحت عنها بضراوة لا يحجب فيها العاطفي العقلاني، بل تشهد فيها العين على الأذن، وتكذِّب الشهادة التلفيق الإعلامي البريطاني: (وليس من رأى كمن سمع). فـ”فضائل الكوميون” ـ في تقديرها ـ أكبر من أن يطاله التشويه الإعلامي الغربي: الإعلام يشوه الصورة الحقيقية، و”الاستعماريون وأعوانهم في كل مكان سيظلون يعملون على تشويه الحقيقة.
وقد قرأنا نحن هنا بالطبع تشويههم للكوميون وإظهار تفكك الروابط العائلية فيه بل وعيْش أعداد ضخمة في منزل واحد كما جاء في التّايمز. وهذا كله هُراء تكشفه الحقيقة وزيارة الصين التي تفتح أذرعها لمن يودّ أن يزورها”90 ولم يكن هذا دَيْدَن الإعلام البريطاني، بل هو دَأْبُ الإعلام الإمبريالي عموما في تحقيره للآخر إلى حدّ الحيْونة، فقد علَّقت جريدة أمريكية، وهي تتحدث عن نظام الكومْيونات، قائلة إن هذه الأنظمة الاجتماعية في الصين “مسخت” الإنسان: فـ”الحزب الشيوعي الصيني لم يكتف بتغيير جنسية الشعب بل حول الصينيين إلى نمل”91. لكن الذي حوَّل الصيني إلى “حيوان” هو الاستعمار، الذي عاش تحت نيره ممزقا مهانا آنذاك. في هذا التاريخ كان الصيني أحقر من الحيوان عند المستعمر أيام كانت أرضه محرمة عليه بلافتة: “الكلب والصيني لا يدخلان!”92.
ومن “أشهر الأمثلة على طغيان بربرية المستعمر لافتة رفعها الفرنسيون على مدخل الحدائق والمسارح ما زالت إحداها معلقة في قلب المدينة على باب حديقة كبيرة تحولت إلى ميدان، تقول: “الكلب والصيني لا يدخلان”93من ثقافة الوعي السياسي إلى الوعي بالسياسة الثقافية: ثقافة الوعي السياسي بالفكر الاشتراكي في الصين، كانت منطلقا لضرورة ترسيخ وعي بسياسة ثقافية أدركت المؤلفة بعض ملامحها العامة، التي تمخضت في نفسيتها عن مقارنات متكتِّمة، لا تنشأ بالضرورة عن تقاطبات في الصور الثقافية الغيرية، بل تفصح عنها البنية العميقة ـ بالمعنى التشومسكاوي ـ للعبارات التوصيفية، والعبارات الاستشهادية التي لها سلطتها الإيديولوجية بحكم صدورها عن زعامات لها سلطتها السياسية والإيديولوجية معا، يشكِّل ثالوث التعليم والثقافة والوعي بالنسبة لها نسيجا تتواشج لحمته الحانية بسداه الرحيم دون قهر أو تعنيف. فحسب ماو تسي تونغ: “التعليم ـ الثقافة ـ الوعي هو ما يلزمنا في هذه الحركة وليس التعنيف والقهر”94 ولا شك أن هذا التصور هو الذي جعلها تقول عن ماو: “إنه ذو فهم حانٍ في جميع توجيهاته.. إنه يُفهِم إذ يحنو، ويحنو إذ يُفهِم”95. وقد تولَّد عن هذا الحنوّ في التدبير، تجسير العلاقة بين المثقف وعامة الناس، بل جعلهم منبع إلهامهم وإبداعهم.
وقد ظلت المؤلفة طوال حياتها تشتغل في سُبُل رَتْق هذه الهوة المزعجة والدرامية بين المفكرين وعامة الناس. كان ماو يدعو “المفكرين لأن يصهروا أنفسهم مع الجماهير96؛ لأن هذا هو مصدر الخلق والإلهام”97. وإذا كان هناك من ضرورة لنقد الشعب فلا يلزم ذلك إلا من زاوية الشعب نفسه من أجل حمايته وتعليمه وتثقيفه، على حد تعبير ماوْ نفسه:”يجب ألا نَنْقُدَ الشعب إلا من زاوية الشعب وبإخلاص كلي يهدف إلى حماية الشعب وتعليمه وتثقيفه”98 وقد لاحظت المؤلفة أن المسرح مدرسة الشعب، فبمدينة ووهانـ مثلا لا حصرا ـ أكاديميات للتمثيل المسرحي، الذي هو فن عريق بالصين99 لا شك أن الحنو الذي تحدث عنه ماو في علاقة المفهِوم بالمُفهَم، هو الذي تجسد ـ
حسب المؤلفة ـ في العلاقة الراقية غير التسلطية التي تجمع الطالب بمُدَرِّسيه:”من الجدير بالذكر الإشارة إلى العلاقات الحميمية بين المدرسين والطلبة وحب العمل الأصيل الذي يُقبِل عليه الطالب دون الشعور بأنه مسيَّر أو مكلف بأن يعمل”100. ونتيجة ذلك تمتع الطالب بـ”خصوبة فكرية، وخبرة اجتماعية من إجادة النقاش والإقبال على متابعة الأحداث العالمية والمساهمة في الحركات الوطنية، وغير ذلك من مظاهر الوعي السياسي والثقافي المبكر”101.
وهذا الطالب نفسه نتاج مدرسة لها خصوصية وأية خصوصية، كمدارس بِّكين: “بالمدرسة غرفة للموسيقى بكامل المعدات الحديثة والمحلية وقاعات الرسم والرياضة والميكانيك والفلاحة والكيمياء..”102. وهذه التحولات ثمرة نظام اشتراكي، ونضال طويل كما تحب المؤلفة أن تقنع متلقيها من طرف خفي عبر الاستشهاد بشذرات من سيرة زعيم الأمة الصينية نفسه الذي عانى أيّ معاناة في حياته الجامعية: “كنت لا أكاد أجد مكانا لأتنفس في غرفة يشاركُنِيها سبعة آخرون…كنت أقضي وقتي هربا من غرفتي الضيقة، أتأمل الثلج فوق زهر التفاح في حدائق بِّكين”103 وما كان لكل ذلك أن يتأتى بدون إنصاف المعلم وصون كرامته: “حكومة ماو جاءت لتنصف معلمي الشعب فرفعت مرتباتهم وحفظت عليهم كرامتهم التي هدرتها مهانة الفقر والحاجة”104 وطبعا لم يفت خديجة صفوت المهتمة بقضايا المرأة أن تنتبه لما تتمتع به المدرِّسة الصينية من مهارة في شتى المجالات: “للمدرسات مهارة خاصة في التصوير والأشغال الخشبية والبناء وتصليح الطائرات والرسم والجغرافيا وعلم الطبيعة والموسيقى الوطنية والغناء والرقص”105 وإذا تذكرنا كيف تحدثَتْ بحرقة عن سفينة كانت تنتظرها نصف شهر كي تستلف منها الكتب، ها هي الآن ـ على سبيل المقارنة المجحفة ـ تصف جنّة الكتاب في الصين للأطفال والكبار. فمكتبات بّكين، مثلا، ضخمة يشرف عليها أخصائيون في كل فرع من العلوم. “ومكتبات الأطفال أيضا بها أخصائيات ونفسانيات”106.
والأغرب أن تجد مكتبات للأطفال في المستشفيات107. ولكنها في قرارة نفسها تؤمن بأن الأغرب هو ألا تجدها، فقد اكتسبت مناعة الدهشة مما لا ينبغي أن يدهش في حياة الشعوب الكريمة. ولم يفتها الانتباه إلى الدور التربوي والتوعوي والتهذيبي والجمالي والترفيهي لأب الفنون، لأن الشعوب لا تنهض من كبواتها بدون فن. لذلك استوقفتها مسارح شانغهاي، وما يتمتع به مرتادوها من ذكاء وشغف واهتمام بالغ: “أغلب رواد المسارح من العمال يملؤون الصالات الفاخرة لدار الأوبِّرا العريقة كل ليلة في أرديتهم الزرقاء ووجوههم البسيطة الذكية. وقد كنا في مقاعد أمامية على مقربة من عشرات هذه الوجوه التي ما أن يدق آذان رفع الستارة حتى تتجه بكليتها نحو المسرح لا تبارحه عيونها لحظة. وكثيرا ما كنت ألتفت إلى الخلف أو إلى الجانب لأتملّى هذه الوجوه وهي تحدق بأوسع عيون تستطيع، وكأنما تشرب من نبع شغفت به”108 وانتباهها لدور المسرح والفن عموما في حياة الصينيين، ولَّد لديها إحساسا بضرورة الحديث عن أهمية الأدب في الحياة، فخصصت للأدب فصلا تجاوز ثلاث صفحات بقليل، ذكَرَت فيها أن “
الأسطورة والرواية من أقدم آداب الصين إلا أن موضوع هذه الروايات إطلاقا لم يكن الحياة اليومية للناس البسطاء. وقد أخذ أدباء الصين الجدد في خلق بدائع فنية نابضة بحياة الناس وشؤونهم الصغيرة وتفاصيل مجتمعهم الفنية”109. وهذا التحول طبعا مديح للماركسية اللينينية، التي اضطلعت حسب ماو تسي تونغ بـ”هدم نظرية الفن للفن الأرستقراطية التجريدية”110 بهذا الوعي الثقافي استطاعت الكاتبة أن تتأكد من ارتفاع المستوى المعيشي العام بشكل مُرْضٍ، بحيث إن “كل فرد يحصل على جميع الفرص المتكافئة للعلاج والترفيه والتعليم”111 وإذ أن الصينيين عمليون، فإن الثقافة عندهم هي النظرية والتطبيق معا، وإحداهما فقط هو نصف الحقيقة. يقول ماو تسي تونغ:”الثقافة الكاملة تكسب خلال مرحلتين: النظرية الأكاديمية، ثم العملية الحياتية”112 كما لم تفتها الإشارة أيضا إلى “معهد الأقليات القومية”113، الذي يُعني بتطوير اللغات القومية وتقديم بحوث عن تاريخها وتراثها الشعبي، وتنمية روح التكاتف والاحترام المتبادل. والطالب ملزم بتعلم اللغة الرسمية: اللغة الهانية التي يتحدث بها 93% من الصينيين.
“اُسِّس معهد الأقليات القومية…لتنمية روح التضامن بين القوميات وتقدير فولكلورها ثم دراسة مناهج الحياة بين هؤلاء الأقوام [لـ] إقامة دعائم الحكم الصحيح المجدي القريب من وجدان الناس”114. و”الحاجز اللغوي الذي ظل لأجيال طويلا سترا يحجب العلائق ما بين قومية وأخرى، ويفتح ثغرة للاستعمار البغيض… قد تمزق”115، فأصبح “جميعهم يحترم معتقدات ومبادئ الآخر”116 نَجَمَ عن التحول الزراعي ـ القائم على “المزارع التعاونية” ـ تغييرات أخرى على مستويات عدة في حياة المرأة والطفل والفلاح والصانع، وما ارتبط بها في ميادين الصحة والتعليم. والشيء الأكيد هو أنه يمكن قراءة هذه المعطيات المتعلقة بالتعليم على خلفية ما عانته في بلادها السودان، وهي تتلقى تعليما استعماريا يصادر اللغة القومية والثقافة المحلية والمعتقد الديني. وقد ظل ذلك من المسكوت عنه في المتن الرحلي، علما بأنها تكِل أمر المقارنة للقارئ المشارك، غير أن تمطيط المتن من عتباته، جعلها بعد ردح من الزمن تستعيد تلك اللحظات المأساوية في علاقتها بالتعليم في بلادها، وتكشف المخبّا في تفنن المستعمر تبخيسَكينونة الذات: في جوبا “كانت المقررات المدرسية تتحدث عن إنجلترا وكل ما يخصها ويحيط بها ويعود إليها، بما في ذلك تاريخها وجغرافيتها وأكلاتها المفضلة وميادينها ومدنها، وفوق كل شيء قراءات في عقيدتها ومسيحيتها، إلخ، ولا شيء عن السودان ولا عن الإسلام، إلا بقدر ما يوصف الأخير بأنه عقيدة العنف والسيف”117. وكلما ضاقت سبل التعلُّم نتيجة إكراه الوالد على التنقلات التأديبية، كانت تأتي الحلول الفردية من الوالدة لمغالبة إرغاماتالواقع: “كانت أمي رحمها الله تقيم لنا ولأصدقائنا من أطفال جيراننا عندما لا تكون هناك مدارس بنات، مدرسة غير رسمية مجانية في بيتنا. وكانت المدرسة مع ذلك “نظامية” بكل شيء بما في ذلك ناقوس ما بين الحصص وفسحة الإفطار”118 أما عن ميدان الصحة الذي استوقفها طويلا، فقد حكت عن العناية الطبية بالمرأة والطفل119، وعن مستشفى التوليد الذي يتَّبِع طريقة الولادة دون ألم. وللعاملات دور حضانةٍ متاخمةٍ للمصنع ومستشفى للأطفال، وأخصّائيات يَرْعيْنهم طوال ساعات عمل الأمهات اللواتي يتمتعن بساعة الإرضاع120.كما تحدثت المؤلفة عن التمتع بالعلاج المجاني بالنسبة للطالب121 والعامل: “لا يدفع العامل أجرا على العلاج أو الدواء”122.
وانبهرتْ بالاعتناء البالغ بالطفل: “كنا نُبْهَر بجمال الأطفال ومظاهر الصحة البادية على الوجوه المبتسمة”123.وتقابل هذ الوجوه المبتسمة ابتسامة وجوه من يرعاهم من الممرضات في حالة المرض: “لعلني لا أنسى الابتسامة القلبية التي تحملها جميع العاملات والعاملين في مستشفيات الأطفال بدون استثناء”124 ولا شك أن الاهتمام بالصحة عريق في شعب ضاربةٌ حضارتُه في القِدَم. فلعقاقير الصين شهرتها العريضة منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وقد ذكر جراح صيني قديم يدعى بِين تْشويه جَسَّ النبض في 221 ـ 403 قبل الميلاد125 كل تلك القطاعات المذكورة، والتي لها صلة بالتعليم والصحة والصناعة، كانت محط إبهار بالنسبة للمؤلفة، رغم ضيق زمن الرحلة التي لم تتجاوز شهرين. ومع ذلك حاولت التقاط الملامح العامة للتحولات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بقدر ما يُعلي من شأن الخيار الشيوعي الصيني المدهش. ولا شك أن بلوغ هذا المقصد كان وراء لجوئها إلى الإقناع الحجاجي بلغة الأرقام وهي ترصد كثرة المدارس والمعاهد والجامعات والمستشفيات ونِسَب النساء العاملات ومحو الأمية، وأعداد الطالبات والطلبة المتزايد، وتطور الصناعات… “أشياء تُبْهِر وتترك المرء فاغرَ الفم مدهوشا. معلومات بهرتنا للحد الذي اكتسبنا معه مناعة ضد الدهشة والانبهار”126المدينة المُثَلَّثة: الغريب في تصور المؤلفة أنها كانت أمام ثلاثة مدن في مدينة واحدة، والأغرب هو التحول من وضع كارثي ينذر بالخراب كل آن وحين، إلى وضع الوفرة والأمان. المدينة المثلثة هي ووهان: تضمّ “ووتساغ/ ووهان/ هانجكاو”، الواقعة على نهر اليانجس. قبل الثورةكاننهرا يرعب الناسبفيضاناته الكارثية127، إلى أن تمّ التحكم في سريانه بالسدود، ليصير مصدر وفرة ونعمة، وليس رُعبا ونقمة. قال لها مهندس صيني شاب: “كان الغربيون يقولون لنا: (إنتعدد أنهارنا يزيد أحزاننا)، ولكننا وقد نجحنا في التغلب على عربدة الطبيعة انقلبت الآية. إنتعدد أنهارنا يزيد أفراحنا”128 أما الثانية فهي بِّكين التي تعد أقدم مدن الصين البالغ عددها 4541 مدينة، إذ أنشئت قبل ثلاثة آلاف عام، وتصف المؤلفة الشوارع التي تمر بوسط المدينة بانها واسعة تكاد تسع عشر سيارات لتسير معا. والمدينة الثالثة هي شانقهاي التي تعرضت للقمع والظلم تحت حكم البريطانيين والفرنسيين واليابانيين وحاكم الصين تشانجكاي تشيك، وهي المدينة التي انطلقت فيها شرارة الثورة وتأسس فيها الحزب الشيوعي الصيني عام 1921مهونج كونج الوجه الآخر للاسترقاق الجنسي:
لم يفارق المؤلفة حسَّها السوسيولوجي، فتلقّفت الظواهر الاجتماعية الهابطة في المجتمع الصيني بالنقد، لكن دون تجريح، بل بضرب من التشريح الذي يحفظ للذات الغيرية كرامتها الحضارية، ويحمِّل وزر الظاهرة لمخلفات الاستعمار البريطاني، الذي عمّق الطبقية الاجتماعية: “فالشعب في هونج كونج طبقتان: طبقة تعاني الفقر المذقع وتكدح ليل نهار من أجل لقمة العيش البائس، وهؤلاء الأغلبية؛ وطبقة التجار وأصحاب الحانات”129. وقد كاد هذا الوضع أن يفرض الذوق الإنجليزي ويطغى عليه، لولا عراقة الفن الصيني. ومع ذلك استطاعت هذه الطبقة من الموسرين الذين ينعمون بكل وسائل المدنية الحديثة التي صنعتها “الأيدي” البريطانية من أجل الاستمتاع خاصة، استطاعت أن تروِّج لقيم ساقطة، ومهن منحطة تحت طائلة الإغراء بترف الحياة ورغد العيش: “إن المهن الرائجة والمشروعة هي التسول والدعارة والاحتيال. ومستوى الأخلاقيات واطئ إن لم يكن منحطا. فالفتيات لكي يجارين الوضع ينجرفن عن الطريق القويم كوسيلة سهلة إلى الترف والحياة الرغدة”130 هي إذن إغراءات الرأسمالية الليبيرالية التي جعلت من هونج كونج “المدينة ازدحام وسلع مغرية وفتيات متأنقات…وتقاليد وظاهر أبعد ما تكون عن جو الشرق وشهرة الصين الواسعة في التحفظ والمثل والسمُوّ. ومن المناظر المألوفة تأبط جندي بريطاني لفتاة مخمورة معطرة وتأرجحهما في عناق على قارعة الطريق. ومظاهر الهوى المباح بالثمن متفشِّية”131 وبحصافة ـ عالمة الاقتصاد والاجتماع ـ
أدركت أن أسباب هذه السقطات الاجتماعية، التي أنتجت رقيقا جديدا، هي الفوارق الطبقية التي عمَّقتها الرأسمالية الليبيرالية بمباركة الاستعمار، واستنزافه لطاقات البلاد والعباد: “الفلاح في هونج كونج فقير وفقره يبدو واضحا على كوخه ومزرعته الضيقة التي ترويها مياه الأمطار المتساقطة طوال العام.. وكل الزراعات تقوم على المجهودات الفردية بإمكانيات محدودة. هذا إلى جانب الاستغلال الفاحش الذي يعانيه الشعب عامة والفلاح خاصة، مما يؤكد على أن هذا لا يمكن أن يستقر”132

ملحوظة:
نظرا لضيق الحيز، تعذر علينا إدراج الهوامش، فمعذرة

بقلم: عبد النبي ذاكر

Related posts

Top