من جوانب التقارب المغربي الموريتاني: علاقات تاريخية وشراكات مستقبلية

إضاءة:

شهدت العلاقات المغربية الموريتانية منعطفا تاريخيا لافتا منذ استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية بالصحراء المغربية عام 1975، حيث شمل التطور والتعاون مختلف المناحي والمجالات والقطاعات الحيوية، الاقتصادية والتجارية والصناعية والاجتماعية… بما فيها الجانب الديني والثقافي والتربوي واللغوي، سواء عبر التبادلات والبعثات الرسمية، أو بواسطة جمعيات المجتمع المدني التي تنشط في المجالات الآنف ذكرها. وتشهد هذه العلاقات التاريخية اليوم طفرة نوعية، تراهن على تعزيز التعاون المشترك وتحييد مختلف جوانب الخلافات المحتملة.
ولعل ما يعزز هذا التقارب ويقويه، في أفق الوحدة المغاربية الشاملة والمنشودة، حرص قائدي البلدين الجارين الشقيقين على الدفع بهاته العلاقات إلى أعلى مستوى ممكن، من خلال مذكرات تفاهم، وشراكات منتجة تتغيى التنمية البشرية المستديمة.
ويؤكد هذا التوجه، ما أشار إليه سفير المغرب بنواكشوط حميد شبار، في كلمته الافتتاحية خلال حفل الإعلان عن تشكيل مجموعة الصداقة الموريتانية المغربية بالبرلمان الموريتاني، حيث أكد على أن المغرب يطمح إلى “بناء شراكة حقيقة تسهم في تعزيز وتحصين العلاقات الثنائية بين البلدين في جميع المجالات، عبر تقوية اقتصاديات البلدين.. ويتطلب منا ذلك بذل مجهود أكبر لتعزيزه”.

من الرباط إلى نواكشوط مرورا بتونس: ميلاد وتأسيس وهيكلة

في 18 دجنبر 2016، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من اللقاءات والمشاورات، تم الإعلان، عن تأسيس”الرابطة المغاربية لحماية اللغة العربية، على هامش الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية(18 دجنبر)، وعلى هامش الندوة الدولية التي نظمتها جمعية حماة اللغة العربية بتونس: “العربية في أوطاننا .. عم ندافع؟ وكيف ندافع؟”، وتم وقتئذ توقيع “إعلان تونس” للتأسيس، من لدن الجمعيات الممثلة للبلدان المغاربية الخمس، وهي: الائتلاف الوطنيّ لترشيد الحقل اللّغويّ؛ والجمعية المغربية لحماية اللغة العربية؛ والتّنسيقيّة الوطنيّة للّغة العربيّةّ (من المغرب)، وجمعيّة حُماة اللّغة العربيّة؛ وجمعيّة صاحب الطّابع للثّقافة الإسلامية؛ وجمعيّة الدّفاع عن اللّغة العربيّة (من تونس) ؛ والمركزالموريتانيّ للدّفاع عن اللّغة العربية(أصبح الآن: المركز الموريتاني للغة العربية) (من موريتانيا)؛ والجمعيّة اللّيبيّة لدعم اللّغة العربيّة(من ليبيا)؛و الجمعيّةالجزائريّة لعشّاق اللّغةالعربيّة (في طور التّأسيس) (من الجزائر). وتم الاتفاق على فتح المقر بنواكشوط العاصمة. وفي الفاتح من مارس 2017، وعلى هامش الندوة الفكرية الدولية:”اللغة العربية: حافظة العصور وحاضنة الحضارة” التي نظمها المركز الموريتاني للدفاع عن اللغة العربية، انعقد الجمع العام الانتخابي، والذي وضع الثقة بالإجماع في ممثل موريتانيا، رئيسا للرابطة، ونائبه والأمين العام من المغرب، بالإضافة إلى تمثيلية باقي الدول المغاربية.

أسباب ودوافع وأهداف مشتركة:

من بين الأسباب والدوافع التي دعت إلى التفكير في تأسيس رابطة مغاربية لحماية اللغة العربية، ما شهدته وتشهده البلدان المغاربية من إرث ثقيل، جراء قضاء أغلبها ردحا لا يستهان به من الزمن تحت نير الاستعمار،حيث ترك ذلك آثارا جلية على مختلف معالم المعيش اليومي لمواطنيها، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وكذا لغويا، حيث خالطت لغة موليير معظم دوارجنا المغاربية، بالأحاديث اليومية، بالبيت والشارع، وبالإدارات والمرافق العمومية والخصوصية، وبالإعلام ونجد أنفسنا هنا أمام:

1 – إرث ثقيل:
حين نزل الإرث الاستعماري بكلكله على شعوبنا المغاربية عموما، وجعلها تعيش وضعا مأساويا فيما يتعلق بوضع لغتها العربية، حتى بعد إعلان استقلال أوطانها عن هذا المستعمر، الذي غير معالم الهوية الثقافية، وعمل جاهدا على طمس أهم مكوناتها، ألا وهو المكون اللغوي، عبر فرض لغته في جل مناحي الحياة اليومية، وظهر امتداد لاستعمار من نوع آخر: استعمار فكري ولغوي، خلف إرثا أثقل تمثل في تبعية خدام أوفياء من بني جلدتنا لهذا اللسان غير العربي، والفرنكفوني عموما، يتداولونه في معيشهم اليومي العام والخاص، ويفخرون بذلك فخرا، في مقابل احتقار للغة العربية واستصغار لها، وتأفف وتضجر علنيين من التحدث بها، بدعوى أن التواصل بها رديف للتخلف والرجعية والتأخر، وتدن في سلم الطبقات الاجتماعية.

2 – واقع مرتبك:

يطول هذا الواقع الموسوم بالخلل والارتباك التنشئة الأسرية الأولى، حيث يلتقط الأطفال أبجدياتهم من الكلمات خليطا ومزيجا من العربية والدوارج (ليس فقط المرتبطة بكل بلد مغاربي على حدة، بل بكل منطقة منطقة وبكل دولة دولة من المغرب الكبير) والفرنسية، وتحديدا بدول المغرب، الجزائر وتونس، لخضوعها جميعا للاستعمار الفرنسي، وربما يختلف الأمر بالنسبة لليبيا، في حين قد تشكل موريتانيا استثناء لموروثها اللغوي السليقي الذي يجد سنده في القرآن الكريم والعلوم الشرعية والمتون وديوان العرب (الشعر، بلد المليون شاعر)، وما هاته العلوم كلها إلا بالعربية الفصيحة.
يمتد هذا الواقع المرتبك، انطلاقا من الأسرة إلى مختلف مراحل التعليم، فنجد الروض أو التعليم الأولي مفرنسا بشكل كلي أو جزئي، لينتقل المتعلم إلى مرحلة الابتدائي، ليعيش ارتباكا جديدا متمثلا في تعريب المواد العلمية ما بين هاته المرحلة ومرحلة الثانوي، مرورا بالإعدادي وصولا إلى البكالوريا. ويصل هذا الارتباك ذروته حين يصطدم الطلاب في مرحلة التعليم العالي الجامعي باللغة الأجنبية، والفرنسية خصوصا، تعود من جديد لتضعهم في دوامة جديدة؟؟ وهنا تطرح سياسة التعريب التي عرفت بدايات وطموحات، كما شهدت انكسارات وتراجعات ..وما زالت تراوح مكانها.

3 – بين التلهيج والفصيح: أي دور للمجتمع المدني؟
يضطلع المجتمع المدني بمسؤوليات وأدوار لا بأس بها في هذا الصدد. وكثيرة هي الجمعيات المغاربية التي تقف بجرأة وحزم في مواجهة دعاة التلهيج من جمعيات ومؤسسات وأفراد محسوبين على الفرنكوفونية، وعليه فقد كان لزاما وجود هيئات وجمعيات ومنظمات تتبنى دعوة مخالفة، مفادها أن الأساس التعليمي في المدرسة ينبني على اللغة العربية كمكون من المكونات الأساس للهوية الثقافية المغاربية إلى جانب مكونات أخرى من بينها الأمازيغيات والحسانية، كما نصت عليها دساتير هاته الدول.

4 – تحديات وبناء مغاربي مشترك:

تواجه اللغة العربية مجموعة من التحديات يتمثل جانب منها في وعي القائمين عليها أو مستعمليها والذائذين عنها بمواطن قوتها ومواطن ضعفها الذي نتحمل مسؤوليته كاملة. من ذلك، أنها لغة رسمية ودستورية بكل الدول المغاربية والعربية، وهي أيضا لغة المؤسسات الدولية والإقليمية، ولغة التعلم والتعليم بالعالم العربي وعبر العالم، ولغة التكامل الاقتصادي والسياسي، دون إغفال أنها لغة الإعلام النافذة، ولغة شبكة المعلومات والتقنية المعلوماتية، ولغة الحق والقانون والأمن اللغوي، وهي، فوق كل هذا وذاك، أقوى لغة سامية. في المقابل، تواجه تحديات مرتبطة بمواطن ضعف على المستوى الفني، فهي في حاجة إلى معاجم عصرية متنوعة المواد والأهداف والأساليب، وإلى كتب القواعد العصرية، وإلى تعليم يراعي الشكل والجاذبية، ناهيك عن تسجيل نقص في الترجمة والتأليف باللغة العربية، ونقص واضطراب في المصطلح، وضعف في المأسسة اللغوية وضعف في الإنفاق عليها، وعدم وجود إرادة سياسية كافية، وتقصير للمجتمعات المغاربية في حمايتها، ونقص في شبكات التنسيق والتعاون…
وفي هذا الصدد، يتساءل الأستاذ عبد القادر الفاسي في كتابه:”السياسة اللغوية في البلاد العربية: بحثا عن بيئة طبيعية، عادلة، ديموقراطية، وناجعة”، عن السبب “الذي يجعل اليوم شرائح هامة من الناطقين بالعربية ومستعمليها يتخلون عنها تدريجيا ويناصبونها العداء أو اللامبالاة، مفضلين التعامل بالأجنبية أو العامية، فاقدين الحس بهويتهم اللغوية، وهويتهم ككيان حضاري – ثقافي وكأمة، شكلتها اللغة والثقافة والدين؟”. كما يتساءل عن دوافع فقدان العديد من العرب أو المسلمين، أو عرب المهجر ثقتهم في العربية لصالح “الكل بالأنجليزية” بالمشرق العربي، أو “الكل بالفرنسية” بالمغرب العربي، ” أو ما هي مبررات تآكل وظائف اللغة العربية تدريجيا، واستنزاف نقط قواها الرمزية والنوعية والوظيفية، مع أن هذه اللغة، رغم الانتكاسات السياسية والعوائق، ما زالت تتوفر لها مؤشرات إيجابية في الإعلام والشابكة والكم الديموغرافي وكم المستعملين لها عالميا، والحضور الرمزي، إلخ، مما يرشحها لأن تصبح لغة قطبية ذات مكانة عالمية، ولغة فرص بالنسبة لمتكلميها، سياسية واقتصادية وثقافية؟”
ويجمل عبد القادر الفاسي الفهري الإجابة في مجموعة من الخطوات الأساس، التي تنطلق من التشخيص الموضوعي العلمي الدقيق والشامل لواقعها وفي أنظمتها ووظائفها الداخلية، وتشخيص واقعها الخارجي.

سقف عال وطموحات مشروعة،في انتظار التفعيل:

نصت أهم المواد المتضمنة بالقانون الأساس للرابطة المغاربية لحماية اللغة العربية، على السعي إلى تنسيق جهود مختلف الجمعيات المغاربية العاملة في مجال اللغة العربية الفصحى؛ بهدف وضع أسس مشتركة وبرامج مندمجة لتأسيس روابط متينة وسليمة للشعوب المغاربيّة مع لغتها الرّسميّة، في اتّجاه إحلال اللّغة العربيّة محلّها الطّبعيّ، باعتبارها اللّغة الوطنيّة والرّسميّة في مجالات الحياة كافّة؛ وتفعيلا للطّاقات المغاربيّة المشتركة وتنسيقا للجهود من أجل رسم سياسات لغويّة متجانسة، وتنمية مجتمع المعرفة داخل هذه المجتمعات، عبر استخدام اللّغة العربيّة؛ الشّامل والكامل بما يساعد على المزيد من تطوير أدائها، وبما يتطابق مع ما ورد في دساتير دول المغرب العربي الخمس(ليبيا-تونس-الجزائر-المغرب-موريتانيا)؛ والعناية بلغة الخطاب الإعلامّي والعمل على ترقية الأداء اللّغويّ به في البيئة المغاربيّة؛ وتوعية المواطنين المغاربيّين بمختلف أعمارهم وفئاتهم بأهميّة اللّغة العربيّة في الحياة الوطنيّة عبر حملات جادّة وقوانين ضابطة نافذة.
كما كرس البيان الذي أصدرته الرابطة بنواكشوط هذا التوجه، من خلال حثه حكومات جميع الدول المغاربية على الإسراع بتفعيل القوانين الدستورية التي تنص على وجوب التواصل الرسمي – بمختلف أشكاله ومستوياته وفي كل المجالات والقطاعات – باللغة العربية الفصيحة، ودعوة شعوب المغرب الكبير والمجتمع المدني من أجل الحفاظ على اللغة العربية بوصفها البنية الثقافية التحتية التي تتأسس عليها التنمية المستقبلية الشاملة، وأن تكون العربية الفصيحة لغة الحياة المشتركة التي تمثّل آمال أهل المغرب الكبير في حياة أصيلة متجذرة،وحديثة مزدهرة، مع إيلاء الاهتمام الخاص بخدمة اللغة العربية لدى فئة الشباب، من أجل ضمان مستقبل الإبداع المتجدد. هذا كله، مع مراعاة تامة لدساتير الدول المغاربية، وضمنها الاستثناء الذي يشكله المغرب بدستره للغتين الوطنيتين بالفصل الخامس من دستور يوليوز 2011، وهما العربية والأمازيغية.

 شراكات مستقبلية وبعد أفريقي ودولي:

إن التأكيد على عمق الروابط التاريخية بين الجارين الشقيقين: المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، واطراد التعاون الثنائي في مختلف المجالات، يجعل الشراكات المستقبلية (رابح – رابح) أمرا واقعيا يفرض نفسه يوما بعد يوم، يعكسه مستوى العلاقات الدبلوماسية رفيعة المستوى بين البلدين الشقيقين، وحجم التبادلات الاقتصادية والتجارية المتزايد، خصوصا بعد التأمين النهائي الأخير للمغرب للمعبر الحيوي الكركرات مع الجارة الجنوبية موريتانيا، والذي خلف ارتياحا وإشادة وإجماعا دوليا غير مسبوق، باعتباره بوابة لأوروبا ودول شمال إفريقيا إلى القارة الإفريقية، وحرص المغرب على القيام بمختلف الإجراءات بالاتفاق مع الجانب الموريتاني، ومنها ما يتعلق بتعبيد الطريق وربطها مع الجانب الموريتاني، بموافقة نواكشوط، بحوالي 4 كيلومترات، لتسهيل عملية عبور الشاحنات. ويدخل التواصل الدائم بين قائدي البلدين العاهل المغربي والرئيس الموريتاني، في هذا الإطار، إذ أكدت مختلف وسائل الإعلام على أن الاتصال الهاتفي بينهما، قد جدد التعبير عن “ارتياحهما الكبير للتطور المتسارع الذي تعرفه مسيرة التعاون الثنائي، والرغبة الكبيرة في تعزيزها والرقي بها، بما يتيح تعميق هذا التعاون بين البلدين الجارين وتوسيع آفاقه وتنويع مجالاته”، كما أن نواكشوط تطمح إلى تطوير علاقاتها الاستراتيجية مع المملكة المغربية الشقيقة، وترحب بالزيارة المرتقبة لجلالة الملك محمد السادس إلى موريتانيا. كما أعرب جلالة الملك محمد السادس ، في برقية التهنئة التي بعثها لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ، بمناسبة الذكرى الستين لاستقلال موريتانيا ، عن أحر التهاني وأطيب المتمنيات للشعب الموريتاني الشقيق ، مؤكدا جلالته : “وإنها لمناسبة سانحة لأعرب لفخامتكم عن اعتزازي الكبير بما يربط بلدينا الجارين من علاقات عريقة، لي كامل اليقين، أنها ستزداد متانة ورسوخا بفضل حرصنا المشترك على تعزيزها والارتقاء بتعاوننا الثنائي إلى مستوى تطلعات شعبينا الشقيقين”.
ويمكن، أخيرا، تلمس البعد الإفريقي المشترك بين البلدين، في التقارب الكبير في مجموعة من الملفات والمجالات التي تهم إفريقيا، ومن بينها المجال اللغوي، حيث احتضنت نواكشوط في شهر شتنبر 2019، “مؤتمر اللغة العربية الأول في أفريقيا” الذي نظمه مجلس اللسان العربي (مجمع للغة العربية بموريتانيا، وله تنسيق مع مكتب تنسيق التعريب بالرباط)،بمشاركة العديد من الباحثين من الدول الأفريقية، خصوصا من دول جنوب الصحراء. ويمتد هذا التعاون إلى بعده الدولي، ممثلا في آخر ندوة دولية نظمتها الرابطة المغاربية لحماية اللغة العربية من المغرب، وعن بعد، يوم الثلاثاء 21 يوليوز 2020م، في موضوع: “تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها: تجارب ورهانات”، بمشاركة باحثين ومتخصصين ومهتمين، من دول مغاربية وعربية وأجنبية.

> بقلم: عطاء الله الأزمي*

(*) الأستاذ الدكتور عطاء الله الأزمي
الأمين العام للرابطة المغاربية لحماية اللغة العربية

Related posts

Top