من عروض المسرح الحساني…

بقلم: عبد الحق ميفراني
ينتمي المخرج المسرحي هشام بن عبد الوهاب إلى الجيل الجديد من المسرحيين المغاربة، والذين باتوا يوسمون بـ “الحساسية الجديدة” في المسرح المغربي. لكن أن يختار هذا المخرج العمل مع فرقة “بروفا للفنون المشهدية” من العيون، وأن يوظف الحسانية بكل حمولاتها الثقافية والأثنوغرافية والأنتربولوجية كأحد مكونات الفعل الدراماتورجي، فهذا يجعل رهان تجربة هذا المخرج المسرحي يدفعنا إلى الكثير من الأسئلة حول “المسرح” الذي يبلوره هذا المخرج على مستوى العرض المسرحي.
مسرحية “مازلنا حايين” والتي توجت مؤخرا بجائزتي الإخراج والتأليف في المهرجان الوطني للمسرح الحساني، والمنظم مؤخرا بأكادير من 17 إلى 19 دجنبر 2015، تقدم بعضا من الإجابة على مستويات اشتغال هذا المسرحي الذي يصر أن يعطي لعرضه المسرحي فسحة مهمة من الانفتاح على الوسائط التكنولوجية، لكن بتوظيف واع ومحدد ضمن سياق العمل المسرحي ككل. عمليا يحدد المخرج نقطة وسطى ركحية، كي يجعل منها عمقا لفعلي الحياة والموت. فهي الملاذ الذي أعطى الحياة لعاملين كي ينبعثا من جديد، وهو نفس الفضاء الذي يشكل نهايتهما الحتمية.
“لا أحد” قادر أن يجيب عن سؤال “الذين يوجدون تحت”، لأن الذين يعيشون “فوق” لم يتفاعلوا كليا مع هذا النداء الذي يتكرر باستمرار في المسرحية. يصر المخرج أن يحيط عرضه المسرحي بالكثير من “القتامة” وساهمت سينوغرافيا العرض في إعطاء هذا الملمح “العدمي” الذي يؤشر على الموت، والعدم. وتتكرر لحظات الانبعاث كل مرة من لعبة الحياة والموت، عند الشخصيتين المركزيتين في العمل المسرحي. فالممثلان “حمادة املكو” و”مصطفى خوخة”، ومن خلال تجانسهما في الأداء وتكاملهما، شكلا معا وحدة مشاعر تحاول في كل مرة أن تتغلب على مصيرها العدمي من خلال البحث عن كوة أمل.
تقنية التوظيف البصري للصورة، عبر حامل الصور، لم تكن عبثية بالمرة، فهي متممة بشكل استعاري لما لم يحضر على مستوى “القول المسرحي” سواء كحوار، أو حركة، أو إضاءة.. فمن خلال مشاهد قاتمة وأقرب إلى السوريالية، نستعيد صورا من خلال أجساد تظل تكرر حركتها في عبث مستمر يوازيه على مستوى الركحي، فعل الممثلين، وهو ما جعل الفضاء يتحول إلى “جب” عدمي يستعيد من خلاله الممثلين حياتهما المتبقية. واستطاعت “الكتابة الركحية” أن تبتعد قليلا على “بساطة الموضوع” الذي جعل منهما ضحية انفجار عابر، وبقاء من دون إنقاذ تحت الأرض، كي يصبح العرض المسرحي يتجه صوب طرح أسئلة وجودية عن مصير الإنسان وسط عبثية القدر.
“مازلنا حايين”، تصر من خلال عنوانها على البقاء، وعلى تجاوز لحظة الموت، مع أن تكرار فعل الموت ولو أحيانا بملح السخرية، أعطى للمسرحية مسوغا جماليا التقى مع تقنيات “البيوميكانيك”، ولو بدرجة بسيطة، كي تصبح المسرحية بالشكل الذي قدمت به إضافة نوعية وحقيقية للمسرح “الناطق باللغة الحسانية”. إذ يظل الأساس هو فعل “التمسرح” و”المسرحة” مهما كانت اختيارات “اللغة” أو الحوار. ولقد استطاع المخرج هشام بن عبد الوهاب أن ينتصر على اختياراته، بحكم أن العرض في النهاية ظل يستجيب لرؤيته في الإخراج دون أن يسقط في أي تأطير أو اختيار “خارج المسرح”.
يظهر التفاعل الجماعي للفريق التقني للعرض المسرحي “مازلنا حايين”، سواء على مستوى الأداء أو السينوغرافيا أو الإضاءة أو الإخراج. هذا التجانس وظفه بذكاء المخرج هشام بن عبد الوهاب كي يقدم توليفة جمالية تسائلنا عن مصيرنا اليوم، في عالم يعيش اللايقين. حيث يظل القلق والشك، حتى في الحالات القصوى، هو المسيطر عن مصائرنا ومعه لا يمكن أن نجعل من الموت نقطة نهاية، بقدر ما يتحول إلى لحظة لفهم حياتنا بشكل مختلف، ولمعرفة معنى لوجودنا ومسوغا له.
*إعلامي ومسرحي

Related posts

Top