يوميات الدورة 17 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة

>  مبعوث بيان اليوم إلى طنجة: عبد العالي بركات

إلى حدود اليوم الثالث من المهرجان، كانت قد مرت الأفلام القصيرة ضمن المسابقة الرسمية بشكل عابر، جل هذه الأفلام لم تجر مناقشتها في الندوات التي تعقب عرضها مباشرة على غرار الأفلام الطويلة، لسبب بسيط، هو غياب مخرجيها.
هذا الغياب له تفسيران، إما أن هؤلاء المخرجين يعتقدون أنهم ليسوا في حاجة إلى أن يدافعوا عن أفلامهم وأن هذه الأفلام هي الجديرة أكثر من غيرها للدفاع عن نفسها، وإما أنهم يعتبرون ببساطة أن أفلامهم القصيرة مجرد محطة للعبور نحو تجربة إخراج الأفلام الطويلة، سيما وأن لجنة الدعم تفرض على المخرجين أن ينجزوا على الأقل ثلاثة أفلام قصيرة للاستفادة من دعم الفيلم الطويل.
 عادة ما تعد الأفلام القصيرة من أصعب التجارب سواء لخوضها أو لمجرد القيام بقراءة نقدية لها، على اعتبار أن أصحابها غالبا ما يكونون مضطرين لتكثيف الأحداث في مدة زمنية جد قصيرة، لا تتعدى في الغالب عشرين دقيقة، وبالتالي فإنه لا يكون متاحا لهم سرد حكاية ذات خط درامي مسترسل، ينطوي على مقدمة وعقدة وخاتمة، فنجد بينهم من يتخلى عن إحدى هذه الحلقات، أو يعرضها بشكل غير مرتب، كأن يبدأ بالعقدة، ومنهم من يترك النهاية مفتوحة، حيث يجد المتلقي نفسه مجبرا على تصور النهاية التي تتوافق مع درجة إدراكه واستيعابه لمضمون الفيلم وأيضا مع ذائقته الفنية، وهذا الأسلوب الأخير بالخصوص، أقصد النهاية المفتوحة، يعتمده العديد من المخرجين حتى بالنسبة للأفلام الطويلة وغيرها من التعابير الفنية، سعيا منهم إلى إشراك المتلقي في العملية الإبداعية، بحيث لا يظل مجرد متلقي سلبي.
غير أن بعض مخرجي الأفلام القصيرة، قد يتحدون إكراهات المساحة الزمنية الضيقة لهذه التجارب السينمائية، ويحققون الممكن من المستحيل بأن يجعلوا أفلامهم مبنية على حكاية ذات بعد واقعي، وخاضعة لتسترسل الأحداث التي تفضي إلى نهاية محددة وواضحة، دون أن يعني ذلك أن المتلقي غير متاح له في هذه الحالة أن يشغل تفكيره وخياله للتفاعل مع هذه التجربة السينمائية.
إلى حدود أول أمس، لم يبرز الفيلم القصير الذي يمكن أن يشكل تلك الصدمة الفنية إذا جاز التعبير، الفيلم الذي يخلخل البنية الفكرية الجاهزة لدى المتلقي، لقد سقطت العديد من هذه التجارب في فخ المساحة الزمنية الضيقة وبالتالي اللجوء اضطراريا إلى تكسير البنية الحكائية للفيلم والانتهاء إلى تصوير مجموعة من المشاهد المتفرقة الفضفاضة التي لا ناظم لها، والتي يمكن لأي فنان هاو أن يعمل على إنجازها، سيما وأنها لا تتطلب قدرات إبداعية معينة.
غير أن الفيلم القصير “مول الكلب” للمخرج الواعد كمال الأزرق، يمكن اعتباره بمثابة نقطة ضوء في هذه الدورة، حسب تصوري الشخصي، وهذا التصور نفسه كان مقتسما مع العديد ممن تابعوا الفيلم، وبينهم نقاد متخصصون.
 الفيلم بسيط جدا، لكنه محكي بأسلوب ذكي، حيث جعل المتلقي يعيش أحداثه التي تناهز العشرين دقيقة بنوع من الإشباع الفكري والجمالي كذلك.
 حكاية الفيلم كما سبقت الإشارة إلى ذلك جد بسيط، شاب ذو سلوك سوي، لكنه متعلق بكلبه إلى حد جنوني، إذ أنه حين سيتيه عنه، سيضحي بكل شيء من أجل العثور عليه، وفي أثناء ذلك سيكون في مواجهة العديد من المفاجآت غير السارة بطبيعة الحال، لقد اتخذ المخرج كما هو واضح هذا الحدث البسيط ذريعة ليكشف عن مجموعة من الخبايا المرتبطة بالحيوانات الضالة على وجه الخصوص، هناك شبكات تكسب عيشها بطرق ملتوية، هناك بؤس، وأناس حولتهم قسوة العيش إلى وحوش بشرية.
 مع ذلك فإن هذا الشريط لم تغلب عليه تلك القتامة المفترض أن تطغى على تجارب تعكس الوجه البئيس للمجتمع، والتي غالبا ما تدفع بالمتلقي إلى الشعور بالملل والقنوط والتشاؤم، بل على العكس من ذلك، طغت على فيلم مول الكلب مسحة من الأمل، هناك شروق يتسلل من ثنايا الفيلم ليشرح صدر المتلقي.
 لا بد من التنويه بالممثل الذي أدى دور صاحب الكلب، وهو من الوجوه الجديدة والذي لا شك أنه سيشق طريقه بنجاح، لكونه يمتلك موهبة حقيقية في التشخيص، فضلا عن أنه يحمل ملامح ممثل متميز.
كما أن الجوانب التقنية للفيلم كانت موفقة، ومن الملاحظ عنها أن أغلبها من إنجاز أجانب، مما يدل على أن السينما المغربية، بالرغم من التراكم الفيلمي الذي حققته على مدى نصف قرن، لا تزال تستعين بالكفاءات الأجنبية لإنجاح إنتاجاتها، فالتصوير للوران نافاري والصوت لكليمان ديكودان والمونتاج لليليان كوربيي.               
 
المخرج سعيد خلافي: لن تعرفني إلا بعد أن تقطع مسافة ميل بحذائي

لعل الجديد الذي حمله الشريط الطويل مسافة ميل بحذائي لمخرجه سعيد خلاف، المزاوجة بين المسرح والسينما، حيث تتخلله عدة مشاهد يمكن اعتبارها معزولة، وإن كانت تشكل مرآة تعكس ماضي أسرة البطل التي كان مآل أفرادها التفكك وما يترتب عن ذلك من تشرد وضياع وانحراف.
 هذه المشاهد المسرحية تولى تشخيصها مسرحيان معروفان هما نجوم الزوهرة وعبد الإله عاجل، لقد أقدم المخرج على مغامرة، حيث أنه من الصعب أن تحافظ على المتلقي في قلب صيرورة أحداث الفيلم، وأنت تجعله ينتقل بين عالمين مختلفين تماما، السينما والمسرح، كلاهما له شروطه الفنية الخاصة، غير أن من الواضح أن المخرج مولع بفن التجريب، إيمانا منه بحرية الإبداع، وهذا حال العديد من المخرجين الجدد، خصوصا بالنسبة للذين ينجزون عملهم الأول، حيث تغلب لديهم الرغبة في تجاوز التجارب السائدة.
 عدا ذلك، فإن الموضوع الذي يتطرق إليه ذو طابع اجتماعي، يتلخص في شتات الأسر، وعواقب ذلك على المجتمع، ومن ثم تبليغ رسالة إلى المسؤولين بضرورة الاهتمام بهذه الفئة من مجتمعنا، خصوصا الأطفال المشردين، وقد حرص المخرج على أن تحمل نهاية الشريط الأمل في مستقبل أفضل، ولهذا لم يتردد في القول إنه يرغب في عرض شريطه هذا في فضاءات الإصلاحيات، يمكن القول إنه فيلم تربوي بالدرجة الأولى.
 وارتباطا بقضية المزاوجة بين السينما والمسرح في هذه التجربة الإبداعية، من الملاحظ أن هناك ممثلين مسرحيين، نادرا جدا ما يتم إشراكهم في فيلم سينمائي، وهذا حال الممثلان عبد الإله عاجل ونجوم الزوهرة، غير أنه حين مشاركتهما هذه المرة من خلال فيلم مسافة ميل، لم يغادرا الركح، يتحدث عاجل عن هذه التجربة قائلا: رغم أنني شاهدت هذا الفيلم عدة مرة، غير أن هذه المرة، خصوصا وسط الجمهور، شعرت بأنني أشاهده للمرة الأولى، لقد انتابتني شحنة من الإحساسات والانفعالات، جعلتني أتفاعل مع الفيلم بشكل أكثر عمقا، خصوصا لحظات الزواج العرفي بين السينما والمسرح. لقد أحسست بشخصي كإنسان وضع بصمته الخاصة مع زوجتي والمخرج.
 لقد أمضيت ثلاثة أسابيع من التداريب بشكل يومي رفقة الفنانة نجوم الزوهرة، وقد طلبت من المخرج عدم الحضور للتمارين إلا بعد الانتهاء منها ومن ثم الشروع في التصوير. لم أندم على هذه التجربة، أنا معتز بها، وأعتقد أنني قد لبست الحذاء الذي عبر مسافة ميل.
فيلم مسافة ميل بحذائي مدته الزمنية 110 دقائق، إخراج وسيناريو ومونتاج سعيد خلاف، تصوير علي بنجلون، صوت محمد تيمومس، موسيقى محمد أسامة، تشخيص أمين الناجي، نفيسة بنشهيدة، عبد الإله عاجل، راوية، زهرة نجوم، محمد عياد، مريم بكوش، سناء بحاج.  
 
شهادات حول معاهد التكوين والبنيات التحتية

 ذكر حميد العيدوني (رئيس مجموعة بحث في الاتصال السمعي البصري) أن المجموعة تقوم بمجموعة من الأنشطة المتعلقة بالاتصال السمعي البصري، من قبيل التكوين والبحث والتواصل، ويهيئون بهذا الصدد مجلة تحمل عنوان سراب تكريما لروح المخرج أحمد البوعناني.
يقومون بالإشراف على ماستر سينما وثائقية  وعلى الدكتوراه، وبهذا الصدد أشار إلى أنه تم تقديم عشرين أطروحة للمناقشة، كما أن مجموعة البحث تمكن الطلبة من الاحتكاك بالمعاهد السينمائية سواء وطنية أو أجنبية.
الراغب في التكوين السينمائي -يضيف العيدوني- عليه أن يكون متمكنا من عدة لغات، مع العلم أن عملية التدريس تتم باللغة الفرنسية. من الملاحظات السلبية التي يسجلها على الطلبة الجدد أنهم يضعون قطيعة بينهم وبين السينمائيين المغاربة الرواد، في تصورهم أن هؤلاء مجرد فنانين عصاميين، لكن هذا خطأ، من المفروض الاستفادة من تجاربهم، على اعتبار أن التجربة شيء مهم.
هناك مفارقة-يؤكد العيدوني- تتعلق بما بعد التخرج، فالعديد من خريجي المعاهد السينمائية، غالبا ما ينتهي بهم المطاف إلى التوظيف في التلفزة أو الإذاعة، ويمكن تفهم وضعهم، نظرا لظروف كسب العيش. ومما يؤدي إلى هذا الوضع، أن هناك غيابا لمرجعية في المهن السينمائية ببلادنا، حاليا هناك تطور، حيث يمكن إحصاء ثلاث وعشرين معهدا، من بينها عشرة تابعة للقطاع العمومي.
واعتبر محمد بلغوات (مدير المعهد العالي للسينما والسمعي البصري) أن إنشاء معهد للتكوين في مجال السينما كان حلم مجموعة من المهنيين الذي يشتغلون في هذا الحقل، وبمبادرة منهم تمكنوا من إنشاء هذا المعهد، الذي يوجد تحت وصاية وزارة الاتصال، وهو يقدم تكوينا عاليا في المهن التي تعتبر أساسية في السينما والسمعي البصري، من قبيل الكتابة والإخراج.
 أما طارق العلامي (مدير معهد خاص بالاتصال السمعي البصري) فأوضح أن المدة التي يتم فيها التكوين السينمائي غير كافية، فهي فقط مرتبطة بالحصول على دبلوم، في حين أن التعلم ينبغي أن يستمر بعد التخرج مدى الحياة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المعهد السينمائي، سواء كان تابعا للقطاع العام أو الخاص، ينبغي أن يكون مؤسسة مواطنة.
 كما أنه لا يكفي أن يكون الراغب في ولوج معهد التكوين متفوقا في دراسته، لكي يصبح سينمائيا، بل لا بد من حمل تصور عن السينما باعتبارها مشروع حياة.
 في المعهد الذي يديره، أكد على أنهم يقومون بمرافقة الخريجين ولا يتركهم لمصيرهم، ومنهم من يختار متابعة الدراسات العليا لأنه لديه تطلع لكي يصبح أكاديميا، ومن الخريجين من يجد شغلا في الإذاعة أو التلفزة، ومنهم كذلك من يفضل الذهاب إلى الخارج للعمل في ظروف أفضل.
وأوضح أمين التازي (مدير استوديوهات وارزازت) أن الهدف الذي يصب في التكوين السينمائي ينبغي أن يكون مصاحبا بالرغبة في ممارسة هذا النشاط، فالتكوين وحده لا يكفي لبلوغ النجاح. هناك من لا يثق في عطاءات الطلبة الذين ما يزالون في طور التدريب، لكن الواقع يؤكد على أن عطاءاتهم تكون أفضل من المحترفين المتمرسين، وهذا النوع من الطلبة هو الذي يفضله، ويتنبأ له بمستقبل زاهر. مذكرا بأن استوديوهات وارزازات موضوعة رهن إشارة خريجي المعاهد، من أجل التدريب وتصوير الأفلام، كما أن الإدارة تحرص على أن تكون تكاليف الإنتاجات الوطنية أقل من الأجنبية، تشجيعا لها، وهناك ديكورات تم إنجازها خصيصا لتكون متلائمة مع سيناريوهات معينة، وبهذا الصدد -يوضح التازي- يبقى من الضروي ملاءمة التكوين السينمائي مع البنيات التحتية المتاحة للتصوير.

Related posts

Top