بيان اليوم

خطأ
  • خطا فى تحميل بيانات التغذية.

وصلة لا تَمُر..

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

أثارت وصلة إشهارية مروجة لمنتوج سكني بثت مؤخرا على شاشة القناة الثانية وفي أوقات الذروة، جدلا واسعا في أوساط المجتمع، عبر الصحافة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بسبب ما اعتبره المنتقدون إساءة للمرأة المغربية وتكريسا لصورة سلبية ونمطية تلصق دائما بالمرأة.. ويظهر في هذه الوصلة / الشريط حوار بين رجل مسن (الممثل البشير السكيرج) وشاب في مقتبل العمر (الممثل رشيد العلالي) يدور حول إمكانية اقتناء سكن بالمنطقة الشمالية. ولتقوية الأسلوب التشويقي والتسويقي تم الالتجاء لحوار مواز يعزز الفكرة الأساسية، وكان هذا الحوار الموازي متضمنا لفكرة قد تكون منسجمة مع طبيعة المنتوج المراد تسويقه، وهي تيمة الزواج، حيث بيت السكن يحيل بالضرورة لبيت الزوجية، حسب المشترك في ثقافة وتقاليد المغاربة، والاختيار هنا مشروع ما دامت صيغة الإعلان موجهة للذهنية الشعبية. من الناحية التواصلية يمكن القول إن الاختيار موفق. لكن المشكلة التي أثارت الجدل تكمن في التعاطي مع الفكرتين المتوازيتين من دون اتخاذ الحذر والاحتياط فيما يتعلق بمراعاة ما أصبح يعرف بالقيم الكونية.
هنا وجب الإقرار بأن ثمة أخطاء مهنية ارتكبت في المقاربة التواصلية..
أولا، ومن الناحية الدراماتورجية، صار الحوار الموازي (المتعلق بالزواج) أساسيا حيث احتل حيزا كبيرا في سيناريو الوصلة الإشهارية بدافع الإضحاك، بينما المضمون الرئيسي الذي من أجله أنتج هذا الإعلان، أصبح يحتل مساحة أقل، وبالتالي يأتي في درجة أدنى، حتى أن المشاهد قد يتساءل ما المراد تسويقه: السكن؟ أم الزواج؟ أم سكيتش للإضحاك؟
ثانيا، وفي خضم الجو الكوميدي الساخر، يصف الرجل المسن بناته الأربعة بـ «لعقوبات»، وهي لفظة مشينة ومسيئة تندرج ضمن قاموس السب والشتم في الدارجة المغربية، ويتمادى «الأب» في إساءته لبناته حين يعرضهن للبيع في المزاد العلني، داعيا محاوره الشاب لأن يتزوجهن دفعة واحدة، قبل أن يستجديه ليتزوج ثلاثة منهن، ثم اثنتين، فواحدة فقط. وهنا، من الناحية البراغماتية الإشهارية، قبل الجانب المبدئي، يبدو أن الداعي لتزويج بناته فشل في مسعاه، وتنتهي الوصلة بهذا الفشل الذريع، مما يهدد بفشل «السبوت» برمته، والابتعاد عن تحقيق المقصود الإعلاني، وهو تحسيس الناس / الزبناء وإقناعهم باقتناء السكن.. ومن ثمة انقلب المسعى العام إلى ضده.. وفي ذلك مجازفة، قد تنتج عنها جملة من المخاطر سواء على المنتوج المراد تسويقه، أو على سمعة الشركة المعلنة صاحبة المنتوج..
ثالثا، من الناحية المبدئية والأخلاقية والقيمية، لا يجوز نهائيا التساهل في إلقاء الكلام على عواهنه، خصوصا حينما يتعلق الأمر بخطاب موجه للعموم على نطاق واسع... إذ لا بد من مراعاة القيم المجتمعية والقيم الإنسانية عموما، وموضوع المرأة وصورتها، والطفولة، وذوي الاحتياجات الخاصة، والقضايا البيئية، وكل ما يتعلق بكرامة الإنسان، وقضايا التمييز العرقي والديني والجنسي واللغوي والثقافي.. كلها بؤر ومساحات يتعين التعاطي معها بحذر وبالعقل، وفق المعايير الكونية لحقوق الإنسان؛ وعلى المبدع أو المتعاطي أن يكون متشبعا بها، وحتى لو لم يكن كذلك، فهو ملزم باحترامها.
بناء على كل ذلك فإن الخطأ متقاسم بين عدة أطراف، أولهم المعلن الممول للمنتوج الإشهاري لأنه هو من يصادق على الصيغة النهائية للشريط قبل إرساله للبث. ثانيهم وكالة التواصل المكلفة بتنفيذ الإنتاج لأنها هي المشرفة المباشرة على العمل، ومن المفروض في مسيري الوكالة أن يكونوا على اطلاع دائم بقضايا وقيم المجتمع وحريصين على عدم خدشها. ثالثهم كاتب (أو كاتبو) السيناريو، الذي حرر الحوار ورسم الأوضاع والشخصيات وصاغ الرسالة والخطاب، حيث من المفروض أن يكون ملما بأخلاقيات الكتابة وشروطها وتقنياتها في علاقاتها مع الأخلاق العامة والضمير الجمعي للأمة. رابعهم الممثلان البطلان اللذان أديا دوري الأب والشاب، حيث كان عليهما أن يعترضا على إلقاء حوارات وتشخيص مواقف مسيئة للمرأة عموما، وللمرأة المغربية على وجه الخصوص.. لكنهما لم يستطيعا تمثل الخطورة التي تنطوي عليها مضامين الوصلة الإشهارية. خامسهم القناة التي سمحت ببث الشريط من دون أن تستشعر عيوبه حتى ولو أنها تداركت الأمر وسحبت الوصلة من شبكة الإشهار بعد تدخل اللجنة المختصة بتطبيق ميثاق تحسين صورة المرأة في القناة.
في النهاية، لا بد من القول بأن السبب الرئيسي في هذه «الزلة» يكمن في ضعف ثقافة حقوق الإنسان عموما لدى بعض المستشهرين وبعض وكالات التواصل وبعض الفنانين وبعض الإعلاميين.. مما وجب معه تقوية عين «الرقيب» الحقوقي والقيمي كلما تعلق الأمر بإنتاج فني أو ثقافي أو تواصلي موجه للجمهور الواسع وخصوصا الناشئة.
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته


blog comments powered by Disqus
 

الجزيرة