بيان اليوم

خطأ
  • خطا فى تحميل بيانات التغذية.

انتظارات بحجم الخصص

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

في عدد أمس، سقنا أهم المنجزات الثقافية خلال الـ 15 سنة الأولى من حكم جلالة الملك محمد السادس بعد توليه عرش المغرب،

واعتبرناها، على قلتها، هامة بالمقارنة مع العهد السابق، لكنها، في ذات الوقت، لا ترقى إلى مستوى تطلعات وانتظارات العاملين والمتدخلين في المشهد الثقافي بالنظر إلى حجم المكانة التي أصبحت تحتلها الثقافة في المتن الدستوري الجديد..
خانة التطلعات والانتظارات عامرة وثقيلة، إذ أن مغرب محمد السادس ورث من العهد السابق، في هذا الباب، إرثا «فارغا» فراغا مهولا، من حيث البنيات والمؤسسات، من حيث التشريع والتقنين وتنظيم المجال، من حيث غياب استراتيجية واضحة المعالم لدى الدولة من شأنها إنارة السياسات العمومية.. كل ذلك لم يكن يتأتى نظرا لأن الدولة كانت تعتبر الثقافة والفنون مجرد ترف زائد عن اللزوم.. وأحيانا تعتبرها مزعجة ومثيرة للصداع وينبغي تهميشها ما أمكن..
فبعد أزيد من نصف قرن على استقلال المغرب، لا زلنا لا نتوفر، في بلادنا، على مؤسسات «قومية» بمثابة أيقونات ثقافية ورمزية بارزة كعنوان «بريدي» للمغرب على شاكلة المكتبة الوطنية التي لم تر النور إلا في السنوات الأخيرة، ومن قبيل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي يعد مفخرة للمغرب المعاصر وإنجازا تاريخيا هائلا؛ ما عدا ذلك، فالمغرب الراهن لا يتوفر لحد الساعة على متحف وطني كبير وشامل يختزن ذاكرته الخصبة وتاريخه الغني وحضارته الضاربة في القدم، كما لا يتوفر على مؤسسة أكاديمية عليا للفنون بشتى أجناسها، ولا يتوفر، في مدنه الكبرى، على مسارح وطنية ولا جهوية، ولا تتوفر عاصمة المملكة على قاعة ملكية أوبيرالية، وليست لدينا فرقة قومية للمسرح، ولا فرقة قومية للفنون الشعبية تشمل كل التعبيرات الفنية الشعبية الرائعة المتناثرة في كل جهات المملكة ومنها أشكال تعبيرية مغمورة بل معرضة للانقراض..
من جهة أخرى، نجد أن قطاع الثقافة والفنون هو الحقل الوحيد في النسيج الاقتصادي والمهني بالمغرب الذي يشكو من فقر مدقع في مجال التقنين والتشريع. وتنتصب اليوم بإلحاح الحاجة إلى تنظيم الأجناس الثقافية والمهن الثقافية والمقاولة الثقافية بشكل يعيد الاعتبار لهذا القطاع ويراعي خصوصياته، لأن كل شيء في هذا الباب مرتبط بالضرورة بالقوانين العامة الجاري بها العمل، وكأن مجال الاشتغال في الشأن الثقافي لا خصوصية له، ولا طعم له، ولا هوية له، ولا قيمة له.. ما عدا ما يمكن تسجيله فيما يخص التجربة التي جاء بها قانون الفنان وإن كان بدوره مرتبطا جملة وتفصيلا بقانون الشغل.. ولعل العمل على مراجعة قانون الفنان بذاته يشكل أحد أبرز الانتظارات لدى الفنانين والمبدعين لما أسفرت عنه التجربة من اختلالات ونواقص تتمثل أساسا في كون متونه القانونية تصب كلها في العموميات ولا تدقق ما ينبغي تدقيقه في ما يتعلق بحقوق الفنانين والمثقفين، والعلاقات الشغلية والتعاقدية، ودفاتر التحملات، والفصل بين المهن، وأثر الاعتراف على حملة البطاقة المهنية، والتحفيزات المواكبة لإحداث المقاولة الفنية والثقافية، وإلزامية دعم الدولة طبقا للدستور..
إلى جانب ذلك تشكل الحماية والرعاية الاجتماعية للفنانين والمبدعين والمثقفين والمفكرين أحد أكبر الانتظارات المشتركة.. فمنهم من يعيش بشكل مضطرب وفق ما يشتغل، ومنهم من لا يوفر له شغله عيشا كريما، والجميع يعرف ظروف سوق الشغل في المجالين الثقافي والفني، حيث سيادة الفساد واللاقانون والزبونية، ومنهم من لا يتوفر على ضمانات ولا تقاعد ولا تغطية اجتماعية ولا تأمين، ومنهم من يعيش وضعية هشاشة أو في الطريق إليها.. هذه الأوضاع تنسحب على معظم الفنانين المحترفين المتفرغين وخصوصا فناني الأداء والعروض الحية.. مما يقتضي التفكير بجدية وباستعجال في إحداث آلية مؤسساتية تمول من الإنفاق العمومي تعنى برعاية الفنانين والمبدعين..
حجم الخصص مهول إذن، لكن بالإمكان استدراكه، الوقت لا زال أمامنا من أجل الشروع في ورش ثقافي وطني كبير برعاية ملك البلاد، وبمشاركة كل مؤسسات الدولة المرتبطة بالشأن الثقافي والروحي والتربوي للأمة، وبإشراك جمعيات ومنظمات المجتمع المدني النشيطة والجادة، والهيئات التمثيلية للمبدعين والمثقفين، ومؤسسات القطاع الخاص لا سيما المقاولات المواطنة، والمواطنين الذين لهم الحق على الدولة في الولوجية للثقافة ومنافعها.

هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته


blog comments powered by Disqus
 
الرئيسية أعمدة حديث الإثنين انتظارات بحجم الخصص

الجزيرة