بيان اليوم

خطأ
  • خطا فى تحميل بيانات التغذية.

مَشْيَةْ الُغْرَابْ

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

جنحت إلى شيخي حتى أوقفني واستفهم عمَّا يؤرقني، قلت: «لا زلت في حيرة من قولهم لا مَالَ أفضل من العقل.» قال يمتحنني في ما أدركت وما خلد وما ضاع من فحوى حديث كان لنا في ذات الموضوع، ذات يوم: «ألا إن أشد الفاقةِ عدم العقلِ؟» قلت: «بلى.» قال: «ألا إن أشد الوحدةِ وحدة اللجوجِ؟» قلت: «بلى.» قال: «ألا إن لا مال أفضل من العقلِ؟» قلت: «بلى.» قال: «ألا إن لا أنيس آنس من الاستشارةِ؟» قلت: «بلى.» ثم سألني عن حال من سأل فوق قدرته، قلت: «استحق الحرمانَ.» وسألني عن سوء حملِ الغنى، قلت: «أن يكونَ عند الفرحِ مرحاً.» وسألني عن سوء حملِ الفاقةِ، قلت «أن يكون عند الطلبِ شرهاً.» وسألني عن عار الفقر، قلت: «أهون من عار الغنى.» وسألني عن الحاجة مع المحبة، قلت: «خير من الغنى مع البغض.» خصني، حينها، بنظرة استحسان وسألني عن حال الدنيا، قلت: «الدنيا دول.» قال: «ما أمْرُ ما كان لك منها؟» قلت: «أتاني على ضعفي.» قال: «وما أمْرُ ما كان عليك منها؟» قلت «لن أدفعه بقوتي.» قال: «قد يسعى إلى أبوابِ الدنيا أجناس من الناسِ كثير. ما حال الصالح منهم؟» قلت: «مدعو.» قال: «وما حال الطالح منهم؟» قلت: «مقتحم.» قال: «ما حال ذي الأدبِ منهم؟» قلت: «طالب.» قال: «ما حال من لا أدب له فيهم؟» قلت: «مختلس.» قال ما حال القوي فيهم؟» قلت: «مدافع.» قال: «ما حال الضعيف منهم؟» قلت: «مدفوع.» قال: «ما حال الحَسن منهم؟ قلت: «مستثيب.» قال: «ما حال المسيء فيهم؟» قلت: «مستجير.» قال: «ما حال القائل منهم؟» قلت: «باغٍ.» قال: «ما حال السامع منهم؟» قلت: «عياب.»قال: «ما حال السائل منهم؟» قلت: «متعنت.» قال: «ما حال المجيب منهم؟» قلت: «متكلف.» قال: «ما حال الواعظ منهم؟» قلت: «غير محققٍ لقولهِ بالفعلِ.» قال: «ما حال الموعوظ منهم؟» قلت: «غير سليمٍ من الاستخفافِ.» قال: «ما حال الأمين منهم؟» قلت: «غير متحفظٍ من إتيان الخيانة.» قال: «ما حال الصدوق منهم؟» قلت: «غير محترسٍ من حديث الكذبةِ.» قال: «ما حال ذي الدينِ منهم؟» قلت: «غير متورعٍ عن تفريطِ الفجرةِ.» قال: «ما حال الحازم منهم؟» قلت: «غير تاركٍ لتوقعِ الدوائرِ.» قال: «ما حالاتهم جميعا؟» قلت: «هم مجمع البََرِّ والفاجر، والعالمِ والجاهلِ، والشريفِ والوضيعِ. يتناقضون الأنباء، ويتراقبون الدول، ويتعايبونَ بالهمز، مولعونَ في الرخاء بالتحاسدِ، وفي الشدةِ بالتخاُذلِ.» ثم أمرني «أن أجعل الكلام مثلاً ليكون ذلك أوضح للمنطقِ والمعنى وآنق للسمعِ وأوسع لشعوبِ الحديثِ.» ساعفت حينها المنول وأسعفني فحِكْتُ مَشْيَةْ الُغْرَابْ...

 

*-*-*- *** *-*-*

 

الَحْكَايَه جَاتْ عْلَى الطُّيُورْ، قَالُو يْنَظّْمُو شِي مِهْرَجَانْ،
وْيَسْتَعَرْضُو تَى الْمَلابِسْ، كَمَا مِهْرَجَانْ الْقُفْطَانْ.
وَلْقَوْ لِهُمْ الْمُسَانِدْ وَالْمُدَعِّمْ وَالْمُحْتَضِنْ، لَبْحَالْ هَذْ الشِّي مُوجُودِينْ!
وَلْقَوْ لِهُمْ الْوَكَالَه وَالِّي وَالَى وَالْمُمَوِّنْ، اقَامُو حَفْلَه تَضْرُبْ فَ الْعَيْنْ،
وْجَاهُمْ الَهْجِيجْ مَنْ كُلّْ فْجِيجْ، هَا الِّي يْصَوَّرْ، هَا الِّي يَكْتَبْ وْيَسْتَجْوَبْ،
هَا الِّي كَيَتْبَعْ عِيسَاوَه غِيرْ بَالنَّافَخْ، بَالْحَقّْ مَا يَكْذَبْ تَى تُكْحُبْ،
هَا الِّي يَوْصَفْ الْمَهْرِجانْ كِيفْ مَا كَيَوْصَفْ فَ التِّيرَانْ، نَفْسْ الْهَضْرَه، بِلا تَغْيِيرْ،
بْ «هَذَا مَنْظَرْ تَاعْ هَذْ الشِّي!» وْ»هَذَا مَنْظَرْ تَاعْ ذَاكْ الشِّي!» كَيْظُنّْ الْمُشَاهِدْ بْصِيرْ،
وْكُلّْ مَنْ هُوْ طَيْرْ مْشَى يَحْتَالْ، ادَارْهَا قِتَالْ، مْعَوَّلْ يْفُوزْ وَيْكَتْبُو عْلِيهْ الْجَرَائِدْ،
يَدْوِي فِي دَارْ الإذَاعَه، يْدُوزْ فْ الاَخْبَارْ حَتَّى هِيَّ، يَدِّي الشَّنْعَه، يَطْلَعْ جَهْبِذْ.

***

وَتْشُفْ بَالْعَيْنْ ذِيكْ اُمُّ قْنِينْ مْعَ الْهَزَارْ فْ مَشُورَه، حَايْرِينْ فَ التَّحْتِي وَالْفُوقِي،
وَتْشُفْ الْقَوْبَعْ وَالْبَرْطَالْ، شَافُو حْدِيَّه مَنّْهَا غَارُو، لاَبْسَه قَفْطَانْ لُونُه قُوقِي،
تْشُفْ الْيَمَامَه وْالَحْمَامَه كَيْسَلْتُو رُوسْهُمْ بْلاَ مَا، وْكُلَّ سَالَفْ قَدّْ الْگَامَه،
تْشُفْ الزَّرْزُورْ هْجَرْ السُّورْ، جَابْ اَخُّوتُه وْادَارْ حْمِيَّه، ادَارُو فَ السَّمَا عَلامَه،
تْشُفْ الْكَالالْيُوسْ وَالطَّاوُوسْ، مَا رَافْدِينْ لاَ هَمّْ وَلاَ هَوْسْ، عَنْدْهُمْ ثِقَه فَ كْسَاوِيهُمْ،
تْشُفْ الْهُدْهُدْ بَالتَّاجْ عْلِيهْ، بَاغِي خُلْخَالْ اُوْ لاَ ضَبْلُونْ يَتْحَلَّى بِهْ بْتَفَنُّنْ، وَفْ عَيْنِيهُمْ،
وَتْشُفْ وَتْشُفْ، إلاَّ الُغْرَابْ، شَفْتُه وَحْدِي، عَازَلْ رَاسُه عَلَى الطُّيُورْ، هُوَّ وَحْدُه،
مْخَالَفْ يْدِيهْ وْرَا ظَهْرُه، فِينْ مَا نَقَّزْ شِي تَنْقِيزَه يَبْدَا يَنْگُرْ، نَادَبْ خَدُّه،
«إيْ وَاللهِ مَشْيَه هَذِه! قَالْ لِكْ مَشْيَةْ ذَاكْ غْزَالِي! مَا خَاصّْنِي مَنُّه غِيرْ الْفِيشْ!...»
«... غَادِي نْضَحَّكْ فِيَّ الاَطْيَارْ! بَايَنْ خَاسَرْ! خَاسَرْ! خَاسَرْ!...»
«... تَى هَذْ الَحْرِيرْ كِي لْبَاسْ الْمِيرْ! تَى هَذْ الرِيشْ مَا يَنْفَعْنِيشْ! مَا كَ يَقْضِيشْ!...»
«... التَّنْقِيزَه خَارْجَه عْلِيَّ! خَارَجْ خَاسَرْ! خَاسَرْ! خَاسَرْ!...»
«... غِيرْ الاَ بَدَّلْتْ التَّنْقِيزَه بِشِي مَشْيَه بَتْهَنْدِيزَه...»
«... تْكُونْ مَعْبُورَه قْيَاسْ الْقَالَه، كِمَا مَشْيَةْ الْيَمَامَه!»
تَّبْشَرْ الُغْرَابْ وَطْلَقْ عَبْسَه، قَالْ مَا خَاصَّاهْ غِيرْ نْغَيْزَه،
وَبْدَا التَّمْرِينْ فِي ذَاكْ الْحِينْ، كَيْقَلَّدْ مَشْيَةْ الَحْمَامَه!

***

نْهَارْ تْقَامْ الْمِهْرَجَانْ، بْدَا الإسْتِعْرَاضْ فَ الأمَانْ، وْكُلَّ خَلْعَه شَادَّه گَنْصَه، كُلَّ طَيْرْ وَرَّى مَا عَنْدُه، بَالدَّهْشَه فِيهْ، اللَّجْنَه كَامْلَه تَنْظُرْ لِهْ،
حْتَى وَصْلَتْ نُوبَةْ الْغُرَابْ، شَدَّاهْ الْخَلْعَه مَنْ بُوطُه، يَا الله خَطْوَى فَ الْمِنَصَّه، بْدَا يَتْرَاجَلْ وَوْقَفْ مَبْهُوضْ وَالرَّعْدَه فِيهْ، مَشْيَةْ الَحْمَامَه تَلْفَتْ لِهْ!
شَفْ التَّلْفَزَه تْصَوَّرْ فِيهْ وَالْمُصَوِّرْ كَيْزُومِي عْلِيهْ وْتَى الصَّحَافَه الْمَكْتُوبَه وَالنَّاسْ تَدْوِي، قَالْ فْ خَاطْرُه «غَ نْسَلَّكْهَا بَاشْ مَّا كَانْ! نَعْتَقْ رَاسِي اَوْ لاَ نَتْبَهْدَلْ!»
بْغَى يَرْجَعْ لَلتَّنْقِيزَه، تْلَفْ عْلِيهَا، مَا بْقَى عَارَفْ كِي يْجِي لِهَا! وْمَا بِينْ يْنَقَّزْ وَ يْخَطْوِي مَا نْزَلْ مَنْ فُوقْ الْمِنَصَّه تَى عْلاَيْنْ وْمَا رُوحُه تَنْسَلّْ!
مَنْ ذَاكْ النّْهَارْ وْذَاكْ الُغْرَابْ حَايَرْ فْ أمْرُه، كِيفْ آشْ يْدِيرْ!
مْوَضَّرْ، تَالَفْ فُوقْ الْحَضِيضْ!
بْغَى يْقَلَّدْ مَشْيَةْ الَحْمَامَه وْتَلَّفْ فِيهَا مَشَيْتُه! مَا لْقَى تَدْبِيرْ!
مَا كْسَبْ فْرَاخْ، مَا خَلَّى بَيْضْ!

***

الِّي يَتَّكْسَى بْتَاعْ النَّاسْ عَدُّه عَرْيَانْ، مَنْ غِيرْ اغْنَانْ، غَدِ يَتْقَرَّسْ فَ اللّْيَالِي! مَا عَنْدُه شِي!
وَالِّي بَاغِي يَعْمَلْ شِي شِي يَتْمَيَّزْ بِهْ، يْجِيبُه مِنْ عِنْدِيَّتِهْ، اَوْ لاَ يَصْدَقْ بَانِي بَالرَّاشِي!
وْكُلَّ وَاحَدْ، قَدّْ لْحَافُه يْسَرَّحْ رَجْلِيهْ!
اِلاَ كَانْ غَرَضُه بَلْحَافُه، تَى يَدْفَى فِيهْ!


blog comments powered by Disqus
 
الرئيسية أعمدة مواقف مَشْيَةْ الُغْرَابْ

الجزيرة