التبوريدة الصحراوية.. ترسيخ للهوية الثقافية الحسانية المغربية

لم يكن اعتراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، بالتبوريدة المغربية كتراث ثقافي غير مادي عالمي، وإدراجه ضمن اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي أمرا اعتباطيا، بل هو اعتراف كامل بغنى وتنوع التراث الثقافي المغربي، وجمالية التبوريدة المغربية وارتباطاتها التاريخية والسياسية، والفنية، والثقافية.

لقد أولت مختلف الجهات والمناطق المغربية  اهتماما كبيرا بفن التبوريدة، وعملت كل منطقة بمميزاتها الخاصة على تطوير هذا الفن التراثي الجميل الذي شهد قفزة نوعية من خلال رسم خيوطه كتراث لامادي وإبداع فني متجدد، حظي باهتمام الكثير من الممارسين والباحثين في ظهوره وتشكله والحفاظ على خصوصياته وتطويره.

دلالات التبوريدة الصحراوية ومميزاتها:

تنفرد التبوريدة الصحراوية عن باقي الطرق الأخرى بمميزات خاصة، فكانت حاضرة في كل المواسم والتظاهرات المحلية والجهوية والوطنية والدولية، راسمة عراقة التراث المغربي الصحراوي محافظة على خصوصيته الفنية والتاريخية. فهي تحاكي الحروب والصراعات التاريخية بالمنطقة على مستوى المقاومة والدفاع عن الأرض الصحراوية  المغربية. والحال أن البحث في سياق التبوريدة بكل مدارسها واتجاهاتها، وتسليط الضوء على الطريقة الصحراوية الحسانية يجعلنا ننفض الغبار عن هذا الفن التراثي المتميز، وذلك من خلال الوقوف على سياقه التاريخي، إذ يعود إلى القرن الخامس عشر، وهي محاكاة لهجوم عسكري شنه فرسان مغاربة على أعدائهم بالغابات والجبال والخنادق.

                                                                                                   نموذج من التبوريدة الصحراوية

لا يمكن أن نكتفي بهذه الجوانب الشكلية لإبراز دلالات وأهمية التبوريدة كتراث ثقافي لامادي، بل إن التبوريدة بمختلف مدارسها وخاصة التبوريدة الصحراوية، قد تميزت بامتدادها الجغرافي والذي يغطي جل الأقاليم الصحراوية، ونوع اللباس بالإضافة إلى الحركات، وكيفية ممارسة الطقوس، فكل هذه المميزات تتحدث عن مواقف بطولية مرتبطة بالمهام العسكرية وشبه العسكرية، تتمظهر في إغضاب الخيول والقيام باستعراضات على صهواتها، بفضل مهارات أهل الصحراء في تقنيات المصارعة العسكرية، عبر تتابع الهجمات بخيولهم وعتادهم وإفراغ الفرسان لدخيرتهم في الرمال والخنادق التي يختبئ فيها العدو، وهذا ما يجعل الفرسان يوجهون بنادقهم للأسفل. ومن ثم أصبح فن التبوريدة بكل طقوسه يعكس لنا ما وقع في الحروب مستعرضين في ذلك قوتهم وشجاعتهم والتي امتازت بها مختلف الجهات والأقاليم المغربية.

حافظت مختلف المناطق والجهات المغربية على فن التبوريدة، وعملت على إعطائه ما يستحقه من عناية، فكان للمناطق والأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية دور هام في الحفاظ على هذا الموروث الثقافي ومنحه صورة تحاكي عراقة التراث المغربي وغناه وتنوعه، وبالتالي فالتبوريدة الصحراوية جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي المغربي اللامادي. بل أكثر من ذلك فقد امتزجت التبوريدة بصيغتها الصحراوية بوجدان الشعب وعراقة تقاليده مما جعل هذا الفن ينتقل من المحلية إلى العالمية.

الخيول المستعملة في التبوريدة الصحراوية:

تتميز الطبيعة المغربية بصفة خاصة والعربية بصفة عامة بالتنوع، وفي ضوء هذا التنوع سنتحدث عن أنواع الخيول التي تستخدم في ميدان التبوريدة التقليدية، بحيث تتنوع ألوانها وصفاتها، وهكذا نجذ:

– الكمري، هو حصان أبيض اللون، يتميز بجمال عيونه. وهذا النوع من الخيول تعتمد عليه كثيرا مناطق زيان.

– الأدهم وهو الحصان الأسود صاحب الخلاخل كما يقال.

– البركي السليماني وهو أحمر اللون.

– البركي المحروق ويكون لونه أحمر داكن.

– الصنابي وهو أصفر اللون.

– الأزرق ويكون في البداية أسود وبعد ذلك يحط الريال بلغة الخيالة ثم تأتي مرحلته الأخيرة بحيث يصبح أبيض اللون.

فكل هذه الأنواع من الخيول تُستخدم في ميدان التبوريدة بعد ترويضها وتدريبها والعناية بها وتزيينها بأحسن السروج وأفضلها، لتعطي صورة تحاكي ترابط التراث المادي واللامادي وتسرد عراقة التراث المغربي وغناه.

 وتتميز المناطق الصحراوية باستعمالها لإناث الخيول عوض الذكور منها في مجال التبوريدة، في استحضار رمزي لتقنية عسكرية استعملها أجدادهم في مناورات الحروب، عندما كانت خيول العدو الذكور تفقد السيطرة بمجرد احتكاكها بالإناث. بالإضافة إلى أن إناث الخيول تتميز بسهولة قيادتها وبكونها طيعة وصبورة، وسريعة… وذلك راجع إلى ما يمتاز به الجو الصحراوي، وما تفرضه الطبيعة الصحراوية، والذي فرض على المهتمين بفن التبوريدة اختيار الخيول الملائمة والصبورة للحر والجو الصحراوي وتقلباته.

                                                                                                           نموذج من التبوريدة الصحراوية

ومن المميزات التي وجب أن تتصف بها الخيول المستعملة في ميدان التبوريدة التقليدية أن تكون عزيزة النفس وحرة، وكل هذه المميزات والصفات مجتمعة في أنثى الحصان، حيث كان يستعملها أهل الصحراء خاصة في الحروب والمناوشات العسكرية، فهي تقوم بتحريك الأذنين عند اقتراب شخص غريب فيحترس صاحبها ويأخذ حذره، وهذه صفات الخيول العربية البربرية الأصيلة.

زي الفارس الصحراوي وعتاده:

يتطلب فن التبوريدة عتادا ولباسا تقليديا خاصا، يختلف باختلاف المناطق والجهات، فلكل جهة زي خاص يميزها عن الجهة الأخرى. ونظرا لأهمية اللباس في مجال التبوريدة التقليدية، يحرص الفارس على أن يظهر في أحسن صورة وأجمل منظر من خلال اختياره أحسن الملابس والتي تعكس انتماءه الثقافي، فاللباس يعطينا صورة بليغة متعددة المظاهر. ويتكون زي الفارس الصحراوي من:

  1. السروال: وهو السروال المغربي التقليدي الفضفاض، أو ما يطلق عليه “الحسبي” أو “القندريسي”.
  2. الضراعة: وهي عنصر أساسي تمتاز بها المناطق الجنوبية للملكة المغربية على باقي المناطق الأخرى.
  3. السلهام: غالبا ما يكون السلهام أسود اللون.
  4. العمامة: فالعمامة، إما أن تكون زرقاء اللون، أو سوداء، وذلك بتناسق مع الضراعة.
  5. الحذاء (تماك): فهو حذاء الفارس المصنوع من الجلد، ويتم ربط مهاميز فيه من الوراء وذلك لنقر الخيل، وتسييسها وجعلها تقوم بأداء حركات متناسقة، يستحسنها الجمهور (الريضة أو ما يطلق عليها بالهدة).
  6. البندقية: بندقية البارود أو ما يطلق عليها “المكحلة” وهي من العناصرالأساسية للتبوريدة، وتمثل تجسيدا حيا لارتباط هذا الطقس الاحتفالي بالحروب التي خاضتها القبائل المغربية قديما ضد المستعمر.
  7. الدليل: حقيبة تقليدية مصنوعة من الجلد بوسطها مصحف.
  8. الخنجر أو ما يطلق عليه “السَّكين” أو “السَّكينة” وهو عبارة عن سيف موضوع
  9. في غمض عليه نقوش، وغالبا ما يكون هذا الغمض من الفضة.

خاتمة

عرف فن التبوريدة بصفة عامة والصحراوية الحسانية على وجه الخصوص تطورا كبيرا، وأسهم المهتمون به وممارسوه في إدخال مجموعة من التزيينات على التبوريدة بغية تطويرها دون المساس بقيمتها الاعتبارية، وذلك على مستوى الخيول والسروج واللباس. فكان للفرسان الصحراويين دور كبير في ترسيخ هذا الإرث الثقافي كتراث فني عريق من خلال تطويره، وتجديده وتثمينه، فتمكن هذا الفن التراثي من أن يضمن له مكانا بين الفنون والأشكال الفرجوية، والرياضات الحديثة مما ولد للكثير من المهتمين الوعي بترسيخ أهميته لما له من بعد تاريخي واقتصادي، وإنساني وثقافي، وباعتباره مكونا أساسيا من مكونات الثقافة المغربية، وبناء هويتها ورسم عراقة التراث المغربي على الصعيد المحلي والوطني والدولي.

* بقلم: سفيان بوشراك

Top