“لوحات مكسرة” للكاتب المغربي إدريس الصغير

تمتد تجربة إدريس الصغير الأدبية على مساحة زمنية طويلة، أكسبته خبرة بالسرد وعوالمه، لذلك فإن روايته الأخيرة “لوحات مكسرة” (منشورات التوحيدي – الرباط 2019، 131 صفحة)استطاعت التعبير عن سردية جديدة في سبع عشرة لوحة عن علاقة طفل مزداد في أربعينيات القرن الماضي، بالحكاية والواقع، وفي الحالتين كان الأثر بالغا ولعله في الحكاية كان جميلا وممتعا بينما كان في الثاني قاسيا ومدمرا.
تُروى الرواية بصوت سارد يريد أن يكون حياديا فيُغالبه الأمر وهو يخاطب الشخصيات، يسرد لوحات عن مغرب خمسينيات القرن الفائت في مدينة لم تتعين بالاسم، من أبطالها ولد الوزانية الذي نما في خيال الطفل ووصله بالنضال ضد المستعمر، ثم يأتي علي النجار ليؤكد أهمية الذاكرة وارتباط المصائر وتأثيث السرد بأحداث معلومة لدى القارئ من قبيل نفي السلطان محمد الخامس وحملة مقاطعة البضائع الفرنسية والعديد من العلامات التي رسخت في ذاكرة الطفل الذي يتحول إلى قناع للسارد: “الآن وهو يحكي كل هذا. بعد ما يزيد عن ستة عقود يبدو له الأمر كفيلم سينمائي شاهده في صغره، ولم يعد يتذكر منه سوى بعض المشاهد التي رسخت في الذهن، بينما طوى النسيان معظم الأحداث، كما طوى الزمن أبطالها” (ص: 21) ، ورغم ذلك فهو يعلن عن كونه بات بركانا من الحقد ومن الكراهية لكل من ظلموه ومنعوه من حقوقه.
كما تبرز شخصية رابحة صاحبة الفرن التي لها قرابة بولد الوزانية وزوجة سابقة لعلي النجار ، امرأة متفتحة وقوية فرّت من سجنها بقصر القائد الطاغية ، بجوارها صبي الفرن والكثير من الحكايات المتصلة بالنضال الوطني ضد الاحتلال الفرنسي وما تلا ذلك من اعتقال واستنطاق وتعذيب انتهى بالمؤبد لعلي النجار. ثم صبي الفرن ودوره قبل أن يصبح ملاكما ، بعد ذلك جاء الاستقلال وبقي النجار في السجن مدة أخرى وانطلق الصراع من جديد في صيغة أخرى وبيع الفرن وينفتح العالم على تحولات وتشوها تغريبة في السلوك والنفوس.
سيشكل اللوح رقم 13 أقوى الفصول التي تربط ما سبق بما لحق، حيث يحاور السارد الصبي في مواجهة صريحة ويسائله ويعترف بالتناقضات كما لو كان يتحدث إلى مرآة صافية؛ وهو اللوح الذي جاء نتيجة ما تخلل باقي الألواح من مقاطع شديدة التركيز على الصبي وقد أصبح رجلا ناضجا أثخنه الواقع بجراح لا تبرأ أبدا كما في اللوح السادس:
– “تبدو كل هذه الأحداث بعيدة مغرقة في القدم هو الآن في العقد السابع من عمره. شيخا يشرئب بعنقه نحو مصيره المحتوم المؤدي إلى القبر”. “لكنه لم ير شيئا من أمانيه قد تحقق. كل ما لفّ حياته فشل في فشل وإحباط في إحباط”. فحبيبته التي أحبها وكان ينتظرها أمام باب الفرن صغيرا “لم يُكتب له أن يقاسمها العيش كما كان يتمنى ويحلم”. اليوم هو رجل وحيد معدم مهمل لا يلتفت إليه أحد، ولا يعبأ بوجوده أحد. في عهد الدولة الوطنية، التي دخل فيها السجن في زنزانة آوت علي النجار أيام الاستعمار، دخل السجن لأنه كان مناضلا في صفوف الطلبة فقضى العقوبة ثمنا للقيم العليا وأصيب بالعرج، ثم انخرط في سلك التعليم وفاته قطار الزواج وهو يزداد حزنا وكمدا وحقدا فطال به العمر وتحول إلى نكرة، و”كثيرا ما ندم على انخراطه في النضال الذي لم يجن منه سوى تشوه جسدي وألم نفسي مضن قاتل”، بينما الكثير من رفاقه أصبحوا وزراء أو أصحاب رؤوس أموال.
يعود السارد إلى تأكيد أن “الفتى الذي أصبح الآن شيخا مسنا، يعيش وحيدا، مستسلما لأمراضه وحالته الصحية التي تتدهور يوما عن يوم”، بينما يرى الناس منبطحة ذليلة لأجل فتات بسيط. لذلك فقد فكر مرارا في الانتحار وانكب على الشرب فتحول إلى شخص عدواني يسب ويشتم ويتبادل اللكمات في زمن المسخ..
في نهاية الرواية يموت الصبي الشيخ بعد عملية جراحية على المعدة فتعلو أبواق الإعلام وهي تذكره بطلا بعدما كان نسيا لزمن طويل.
استطاع ادريس الصغير أن يجعل من روايته هذه، صرخة ضد مجتمع الزيف والوهم والانتهازية والنفاق؛ وهي تجربة تستكمل سروده الروائية والقصصية التي كتبها، في روايات”الزمن المقيت” 1983، و”كونشيرتو النهر العظيم” 1990، و”خريطة القبور” 2011. و”إشاعات في مهب الريح”2012 أو في “ليلة العشاء الأخير”2013. أو في الرواية المشتركة مع عبد الحميد الغرباوي “ميناء الحظ الأخير”1995.

Top