انتخابات فرنسا…

من المؤكد أن نتيجة الدور الأول من اقتراع رئاسيات فرنسا مثلت “زلزالا سياسيا” لم تشهده من قبل الجمهورية الخامسة، وأفضى ذلك إلى دور ثان سيقام في سابع ماي المقبل من دون الحزبين الكبيرين، أي الحزب الاشتراكي والاتحاد من أجل الجمهورية.
هذه النتيجة غير المسبوقة هي، من دون شك، ستسود السجالات السياسية والإعلامية الداخلية بفرنسا، على الأقل إلى غاية الانتخابات التشريعية المرتقبة في يونيو، ولن تكون من دون انعكاسات على المشهد السياسي والحزبي العام هناك.
قراءة ما وقع يوم 23 أبريل في فرنسا، وما أسفرت عنه صناديق الاقتراع هناك، لا تحمل، في الواقع، مفاجأة كبيرة بخصوص ما حققته مرشحة اليمين المتطرف، وذلك بالنظر لنتائجها السابقة ونتائج حزبها، وأيضا بالنظر لما أفرزته انتخابات مماثلة في بلدان أوروبية أخرى في السنوات الأخيرة، ثم بالنظر كذلك للسياق العام الحالي، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وأثر كل ذلك على مشاعر وتوجهات الناخبين، ولكن القراءة تحمل مفاجأة حقيقية، ودروسا أساسية من جهة مرشحي الحزبين التقليديين لليمين واليسار، وهذا يجب التوقف عنده والتمعن في رسائله.
لقد أبانت انتخابات الدور الأول لرئاسيات فرنسا عن رغبة الناخبين في شخصية لها كاريزما مختلفة، تستطيع أن تتمثل تطلعات الناس وانتظاراتهم في الخطاب والبرنامج والتوجه.
هذه النتيجة التي زلزلت أفق الانتظار في فرنسا كشفت كذلك أن الفرنسيين يرفضون السياسيين الفاسدين أو الذين يستغلون مناصبهم للاغتناء غير المشروع أو لاستفادة أقاربهم وذويهم.
وهذه النتيجة كشفت، في المقابل أيضا، عن رفض الناخبين لمغامرة وشعبوية اليمين المتعصب، وهو ما عززته اليوم قرارات وتصريحات أغلب قادة الأحزاب الفرنسية من خلال الدعوة إلى التصويت لماكرون والالتفاف حوله لوضع “باراج” أمام مرشحة اليمين المتطرف لوبين.
والدرس هنا له شقان أساسيان، يؤكد الأول منهما أنه لا يمكن بحجة الدفاع عن قيم وثوابت الجمهورية ومبادئ الدولة أن نصوت على فاسدين ومتورطين في فضائح المحسوبية والاغتناء من المال العام، ويشدد الثاني على أنه ليس ضروريا للانفلات من هؤلاء السياسيين الفاسدين أن نرتمي مباشرة في أحضان المتطرفين، وأن نصوت للانغلاق والتعصب والانعزالية.
يعني هذا إذن أن الناخبين يرفضون هذه القطبية الثنائية المفتعلة، ومن ثم هم بحثوا عن بديل آخر، وعن خيار ثالث من خارج المعسكرين التقليديين، وهذا ما جسده المرشح ماكرون الذي ليس له ماض سياسي، ولم يتورط في ملفات فساد أو فضائح، ونجح في صياغة خطاب وبرنامج يستوعبان انتظارات فئات واسعة من الفرنسيين، واستغل بقوة الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي، وامتلك القدرة على إحداث التميز عن باقي المنافسين، وفِي نفس الوقت هو جسد التغيير بواقعية ومن داخل الهيكل العام للمنظومة المؤسساتية الكبرى الحالية، ولم يعانق كثيرا معجم المزايدات واللغة الشعبوية لليمين المتطرف، ولا سعى إلى دك أركان النظام.
ومن الدروس المهمة الأخرى كذلك التي منحتنا إياها فرنسا هذه الأيام، هذا الاستنفار العام وسط الأحزاب لدعم ماكرون، وبناء جدار وطني متماسك ضد فوز اليمين المتطرف في الدور الثاني.
لم تغرق الطبقة السياسية في تصفية الحسابات (وإن كان الأمر موجودا على كل حال داخل الأحزاب بين قياداتها)، ولكنها سارعت إلى إعلان الاصطفاف ضد لوبين.
بقي أن نشير إلى أن ما أفضى إليه الدور الأول من رئاسيات فرنسا، وضع البلاد ومشهدها السياسي بكامله في مرحلة جديدة لا زال مستقبلها غامضا، ويجب انتظار ما سيعرضه ماكرون، بعد فوزه في الدور الثاني، وما إذا كان سينجح في تشكيل أغلبية داعمة له أم لا، وهل سيختار إنشاء حزب انطلاقا من الحركة التي أسسها، وأيضا كيف ستكون نتائج الانتخابات النيابية القريبة، وعلى ضوئها خريطة الجمعية الوطنية الجديدة، وما إذا كان ذلك سيكرس فوزه وزعامته أم سيضطره إلى “التساكن”، أو إلى خيارات تحالفية أخرى.
برغم أن ما انتهت إليه انتخابات الدور الأول كشف عن احتجاج شعبي حقيقي وسط الناخبين ضد اليمين واليسار معا، وذلك على غرار ما عبرت عنه صناديق الاقتراع في بلدان أوروبية أخرى، فإن الفرنسيين، مع ذلك، أبقوا على باب الأمل مواربا، واختاروا ماكرون عِوَض الارتماء في حضن الجبهة الوطنية، والتصويت للتعصب والتطرف والانغلاق.
يمكن أن نتعلم نحن أيضا من فرنسا وشعبها…

محتات‭ ‬الرقاص

[email protected]

Related posts

Top