تحل في شهر فبرايرمن كل سنة، ذكرى ولادة الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة. فبالنظر إلى القيمة التاريخية والمعرفية والعلمية والإنسانية لرحلة الرحالة المغربي ابن بطوطة، الذي وصف بـ “مسافر العرب والعجم” و”رحالة الإسلام”، فإن رحلته الشهيرة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، التي أملاها على كاتبه أبي عبد الله بن جزي الكلبي بأمر من السلطان أبي عنان، قد حظيت باهتمام مجموعة من المؤرخين والباحثين والمترجمين العرب والأجانب، القدامى والمحدثين.
ومن شأن الاحتفاء بذكرى ابن بطوطة، أن يجعلنا نستعيد رحلته الشهيرة، بما لها من قيمة إنسانية ومعرفية وحضارية وتاريخية وجغرافية ودينية، وبما تضمره بين ثناياها من ملامح عامة من شخصية مُرحلنا ابن بطوطة وذكرياته ومغامراته، عدا ما تحفزنا عليه رحلته من أشكال التنقيب عن بعض ما بقي غامضا وغير معروف من شخصية ابن بطوطة وعصره ورحلته الرائدة.
والاهتمام بابن بطوطة كونيا، ليس وليد اليوم، فمن شأن قراءة أفقيه في أشهر المصادر والمؤلفات والموسوعات العالمية، أن تظهر لنا مدى اهتمام المؤرخين والمؤلفين والمترجمين القدامى والمحدثين، عربا وأجانب، بابن بطوطة، وخصوصا اهتمامهم برحلته، وذلك في كونه اهتماما يزاوج بين الانتصار لابن بطوطة ولحكايات رحلته، كما فعل على سبيل المثال الكاتب البريطاني تيم ما كنتوش سميت (Tim Mackintosh-Smith) في كتابه عن ابن بطوطة، المعنون بـ “أسفارمع طنجي” (Travels with a Tangerine) الصادر عام 2001، وهو عباره عن “رحلة على خطى ابن بطوطة”، وفيه يستوحي كاتبه سيرة ابن بطوطة، بمثل ما يمكن اعتباره بمثابة “ذيل” لرحلة الرحالة المغربي. ولم يتوقف هذا الكاتب عند هذا الحد، بل إنه ذهب إلى حد تتبع المرحلة الأولى من رحلة ابن بطوطة، في انطلاقه من طنجة إلى القسطنطينة…
ومن جهه أخرى، انصب اهتمام بعض الباحثين على التشكيك في بعض ما قد يكون من صنع الخيال أو الإملاء أو النسخ في رحلة ابن بطوطة، خصوصا وأن بعض الناشرين، حسب ما ذكره العلامة عبد الهادي بوطالب في هذا الصدد، قد سمحوا لأنفسهم بالتصرف في نصوص الرحلة، حذفا وتركيبا وإضافة، وذلك موضوع يستحق بدوره البحث والتنقيب وإجراء المقارنات، وكذا التمييز بين الوصف الموضوع والوصف الحقيقي، فيما يتصل بحكايات الرحلة، أخذا بعين الاعتبار، هنا، كون ابن بطوطة رحالة عربي ومغربي الأصل والمولد والنشأة، ويبقى سببا من بين أسباب أخرى، لاتهامه والتشكيك في بعض حكاياته في زمن مضى، من لدن مؤرخين ومؤلفين أجانب، وهو الأمر الذي لم تفت العلامة المغربي عبد الله كنون نفسه فرصة الإشارة إليه في كتابه “ابن بطوطة، ذكريات مشاهير رجال المغرب”.
لقد جاء تأليف عبد الله كنون لكتابه عن ابن بطوطة، في سياق اهتمامه بالتأريخ والكتابة والدفاع عن النبوغ المغربي، كرد فعل ضد الاتهامات التي ووجهت بها الثقافة والأدب في المغرب، في فترات سابقة، وخصوصا من قبل المشارقة. كما أنه السياق نفسه الذي واكب تأليف عبد الله كنون لسلسله من الكتب التي اعتنت بالانتصار للنبوغ المغربي ولأدباء المغرب ورجالاته، ضمت خمسين كتابا، احتل منها ابن بطوطة الكتاب الخامس والعشرين.
ولم يتوقف اهتمام عبد الله كنون بابن بطوطة، عند حدود تأليفه لهذا الكتاب، الذي خص به رحالتنا ضمن السلسلة المذكورة، بل إنه اهتمام متعدد، يلامس قضايا أخرى تخص ابن بطوطة، كقضيه أخذه أو عدم أخذه عن ابن تيمية، والتي خصص لها عبد الله كنون حيزا قصيرا ضمن كتابه “في اللغة والأدب”، فضلا عن اهتمامات أخرى بابن بطوطة ورحلته، في سياق كتابات موازية للمؤلف نفسه. غير أن ما يهمنا نحن مما كتبه عبد الله كنون عن ابن بطوطة، هو تتبع طريقته في التأليف ومنهجيته في الكتابة عن مشاهير رجال المغرب، وتحديدا ما يتصل بكتابه عن ابن بطوطة، موضوع هذه القراءة، باعتباره كتابا غنيا في معلوماته ومرجعياته ومقارناته، كما أنه كتاب، كما جاء في مقدمته: “في غاية الدقة والضبط والتركيز والاختصار الذي يفي بالغرض، عن الرحالة أبي عبد الله بن محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي المشهور بابن بطوطة”.
تكمن، إذن، أهمية كتاب عبد الله كنون عن ابن بطوطة، في مزاوجته بين اختصار الرحلة في مراحلها المحكية، وهو عمل ليس بالأمر السهل، وخصوصا أمام تعدد أسفار ابن بطوطة وتعدد حكاياته ومزاراته واتصالاته، وبين تدخلات المؤلف لتدقيق حدث أو لتوضيح غموض أو لتأويل فكرة أو لإثبات حجة أو لعقد مقارنة. من ثم، فهو كتاب يجمع بين البحث في الرحلة والبحث في المصادر والمراجع. من هنا، تكمن صعوبة الكتابة عن ابن بطوطة وعن رحلته، سواء بالنظر إلى المسافة الزمنية التي تفصلنا – كما تفصل المؤلف – عن عصر الرجل أو بالنظر إلى ما عرفته “رحلة” ابن بطوطة من تعددية في المخطوطات والطبعات والترجمات، ولا أدل على ذلك مما قام به عبد الهادي التازي في تحقيقه وإخراجه لرحله ابن بطوطة، معتمدا في إنجاز هذا العمل الهام على ثلاثين مخطوطا، وهو ما لم يسبق أن قام به باحث من قبل…
من بين ما يستدعي الانتباه كذلك، بخصوص كتابة عبد الله كنون عن ابن بطوطة، نشير إلى اعتماده للطريقة التقليدية في اختيار المنهج والمنظور وطريقه الكتابة، ويظهر ذلك من خلال قيامه بتقسيم كتابه إلى سلسلة من العناوين واللوحات التي تناولت على التوالي حياة ابن بطوطة، بدءا باسمه ونسبه ومولده ونشأته العلمية وتكوينه الخلقي ومكانته بين الرحل وتقويم رحلته، مرورا بتقسيم الرحلة إلى مراحل، تحدث فيها عبد الله كنون عن الرحلة الأولى إلى أقطار المشرق ورحلته الثانية إلى الأندلس، فرحلته الثالثة إلى السودان وعودته إلى المغرب، وصولا إلى حديثه عن وقفات أخرى، تخص حياة ابن بطوطة ورحلته ووفاته، وأخيرا دفاع البعض عنه، بمن فيهم عبد الله كنون نفسه.
تلك، إذن، هي الخطوط الكبرى التي يتكون منها هذا الكتاب، وهي تغطي حياة ابن بطوطة منذ ولادته إلى ما بعد وفاته، والمؤلف من خلال ذلك إنما يتوخى موضعة حياة ابن بطوطة ورحلته ضمن سياق تاريخي ومعرفي شبه شمولي، تيسيرا للقارئ وتبسيطا له، من أجل تمكينه من الإلمام بعصر الرجل وبكلام الناس فيه، وإن اتضح أن عبد الله كنون لم يكن يتوخى من وراء كتابه هذا المراهنة على الشمولية والإكثار من سرد المعطيات والتعرض لكل ما كتب أو قيل عن ابن بطوطة وعن رحلته، وإنما الغاية من ذلك هي كتابه ترجمة لحياة ابن بطوطة، من خلال أهم فتراتها وأغناها، مراعاة من المؤلف للمقام الذي يكتب في سياقه، والذي يتطلب الاختصار والتركيز على الأهم بالدرجة الأولى، هو الذي يقول متحدثا عن ابن بطوطة: “وبذلك أمكنه أن يذكر من أحوال هذا الملك وبلاطه وحاشيته الشيء الكثير (…)، وكذلك ذكر فتكاته التي تغطي على إحسانه، مما لا يمكن تلخيصه إذا جاوزنا الحد الذي نلتزمه في هذه التراجم”، وعبد الله كنون يقصد بذلك تراجم باقي المشاهير من رجالات المغرب الذين كتب عنهم.