في رحاب فكر عزيز بلال -الحلقة 18 –

عزيز بلال

التنمية… ما لا تقوله الأرقام! 

عندما نتحدث عن التنمية، تتبادر إلى الأذهان مؤشرات اقتصادية باردة: نسب النمو، معدلات الاستثمار، أرقام الإنتاج… لكن هل تختزل هذه الأرقام حقيقة التنمية؟ ولماذا تفشل العديد من الدول، رغم الخطط والاستراتيجيات، في تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي ومستدام؟ 

في قلب هذا الجدل، يبرز فكر عزيز بلال، الاقتصادي المغربي الذي لم ينظر إلى التنمية كمعادلة حسابية، بل كمشروع مجتمعي تحكمه تفاعلات اجتماعية، ثقافية، وأيديولوجية، لا تقل أهمية عن العوامل الاقتصادية. في كتابه “التنمية والعوامل غير الاقتصادية”، يقدم بلال طرحا نقديا لواقع التنمية في دول العالم الثالث، كاشفا عن الروابط الخفية بين الاقتصاد والسياسة، بين التراكم الرأسمالي والتبعية، وبين الصناعة والهيمنة التكنولوجية. 

 البورجوازية الصغرى العربية بين التقدم والتناقضات في فكر عزيز بلال

نواصل في هذه الحلقة قراءة الفصل الرابع من كتاب “التنمية والعوامل غير الاقتصادية” للمفكر عزيز بلال، حيث يتناول مسألة البورجوازية الصغرى العربية ودورها في التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة.

يسلط بلال الضوء على مدى قدرة هذه الفئة على إحداث تغيير حقيقي في البنية الاجتماعية والاقتصادية، ومدى تناقضاتها الداخلية التي تؤثر على سيرورة التنمية.

يرى عزيز بلال أن التطور السياسي في بعض البلدان العربية خلال العقود الأخيرة أدى إلى صعود قوى اجتماعية تنحدر من البورجوازية الصغرى إلى مراكز السلطة، معتبرا أن هذه الظاهرة تستوجب تحليلا عميقا، لا سيما أن هذه الفئات تطرح نفسها كقوى دافعة لـ “التنمية الوطنية”.

ويؤكد بلال أن البورجوازية الصغرى ليست طبقة اجتماعية متجانسة، بل هي تكتل لفئات مختلفة تتموقع بين البروليتاريا والبورجوازية الكبرى؛ تضم هذه الفئة صغار المنتجين الحرفيين، والفلاحين الميسورين، وأصحاب الورش والمقاولات الصغيرة، والتجار، وأصحاب المهن الحرة، إضافة إلى المستخدمين المؤهلين والتقنيين وموظفي الدولة (باستثناء الفئات العليا منهم التي تنتمي للبورجوازية المتوسطة والكبرى).

يشير بلال إلى أن هذه الفئات شهدت توسعا كبيرا بعد الاستقلال، حيث ازداد التوظيف في الإدارة العمومية، وتوسعت المؤسسات العامة، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الحاصلين على الشهادات العليا والمتوسطة، وبالتالي تعزيز حضور هذه الفئة في مختلف القطاعات.

تناقضات البورجوازية الصغرى

يحلل بلال الإشكاليات السياسية والإيديولوجية التي تواجهها البورجوازية الصغرى في العالم العربي؛ فمن جهة، تتبنى هذه الفئة، أو على الأقل النخب التي تمثلها، خطابا مناهضا للإمبريالية يميل إلى الطابع التقدمي، ويستخدم مفاهيم اشتراكية أو شبه اشتراكية لتبرير مشروعه المجتمعي؛ هذا التوجه يسوق على أنه سبيل لتحقيق الاستقلالية الاقتصادية والتحرر الوطني.

لكن من جهة أخرى، يشير بلال إلى أن هذه الفئة، بمجرد استحواذها على السلطة، تكشف ممارساتها حدود وتناقضات خطابها الأيديولوجي؛ فهي تعمل على إحداث بعض التغييرات السوسيو-اقتصادية التي قد تخدم في ظاهرها مصالح الجماهير، لكنها في الواقع تكرس وصاية ثقيلة على الفئات الشعبية، حيث يتم تقليص استقلالية البروليتاريا وتقييد حريتها التنظيمية والسياسية.

يرى بلال أن هذا الوضع يعوق إمكانية تطوير ثورة وطنية ديمقراطية حقيقية، إذ تعاني هذه المشاريع من هشاشة داخلية تجعلها عرضة للتراجع أمام الضغوط الداخلية والخارجية.

فبينما ترفع هذه الفئة شعار الاستقلالية، تبقى في كثير من الأحيان مرتبطة ببنيات التبعية الاقتصادية والسياسية، ما يجعل قدرتها على تحقيق تحول جذري محدودة.

إشكالية التحول الاجتماعي والسياسي

يشير بلال إلى أن الانتقال من البنيات الاجتماعية القديمة، التي تهيمن عليها التبعية، إلى بنيات جديدة تتمتع بدينامية ذاتية، يواجه تحديات كبرى، ففي كثير من الحالات، تفشل البورجوازية الصغرى في تجاوز هذه التناقضات، ما يؤدي إلى جمود أو حتى انتكاس في مسار التنمية الوطنية.

ويؤكد بلال أن الخطاب الاشتراكي الذي تتبناه بعض هذه القوى لا يستطيع إخفاء هذه التناقضات، حيث تتجلى في الممارسة الفعلية مدى محدودية قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الجماهير الشعبية.

فبينما تقدم بعض الإصلاحات الشكلية، تبقى الفجوة قائمة بين الشعارات والممارسة اليومية، ما يجعل هذه التجارب عاجزة عن تحقيق تغيير جذري في الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

عبد الصمد ادنيدن

Top