الفلاسفة والحب – الحلقة 15-

لم يحاول أحد مواجهة الرؤى المختلفة للفلاسفة حول الحب لدرجة أن المرء قد يكتشف مزيدا من العمق في الحديث عن الحب في الأغاني الشعبية عنه عند المفكرين المعاصرين. إذ ثمة فكرة سائدة بأن الفلسفة والحب لا يجتمعان ويقطن كل منهما في غرفة منفردة، منذ العصور الحديثة على الأقل.
فمع كون الحب الظرف القدري للسعادة عند غالبية البشر، والعنصر الدائم لكل أشكال الدراما الأدبية، إلا أن الفلاسفة قد أثاروه بتحفظ يشبه من يدخل إلى قفص الأسد ويخشى أن يؤكل حياً.
فقد نفهم أن الفلاسفة يطالعون تلك العاطفة الغريبة بكثير من التعقل لأنهم مشغولون بتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية العقلية، فيما يؤدي الحب بالإنسان إلى الموت كمدا.
هناك العديد من أنواع الحب، نزوة الأيام المعدودة، الاستلاب المقيد، الفتور المستمر، الجموح الخاطف، الاعتياد البارد.. ولم يفلت الفلاسفة من كل تلك الأنواع.
قضية هذا الكتاب لماري لمونييه واود لانسولان ترجمة دينا مندور، محاولة للنظر في هذه النقطة بعدالة، على طريقتهم المرتبكة أو المختالة، واللاذعة في معظم الأحيان، بل والعدائية الشرسة التي انتهجها بعضهم، والحديث عن كل ذلك بلهجة حاسمة فجميعهم في الحقيقة لديهم ما يقولونه لنا عن الحب، وعما يصاحبه من وهم وخلود، وما يولده من معاناة، وعن الطريقة التي نطمح بها لترويضه.

القلعة الحصينة

يقول مونتاني: « فليتجه المرء قدر المستطاع إلى الحرية واللامبالاة»، ويحذر من الاستسلام لقدرة «الوسائط العاطفية» المربكة بل وينصح بالتزام شاطئ الذات، المرسى الأوحد « للميناء الدائمة» في العالم كله .
وأن يرتاب في دقات القلب لأنه أكثر تقلباً من عضوه الأهوج. واستبعد أن يترك ذاته لمشاعر يخاطر معها بالضياع الكامل. بل ما يهمه.
هو الحصول على المتعة، والتخلي عن الغوغائية»، كما دعا إلى ذلك شوبنهاور في ما بعد. والحالات القليلة التي شعر فيها بالغيرة أقرّ «أنها مرض بلا جدوى يصيب النفوس البشرية». لم يقبل الفيلسوف أي شرخ في القلعة الداخلية التي أشار إليها الرواقيون. وهو الدفاع الذي حاز الإعجاب في مواجهة الفوضى التي عمت عصره، وكانت مدعاة للندم بلا شك بين كل الخبرات الإنسانية الأكثر كثافة. هل بإمكاننا أن نلمح وسط هذه الظلامية والدماء، التي سالت في القرن الأكثر عنفاً في تاريخ فرنسا، رياحاً مواتية للارتباط والحب؟ لو كان الأمر كذلك، لحملنا أنفسنا على تصديقه وبالتوازي مع عصرنا- سان بارتيلمي سبتمبر 2001 – الحروب الدينية – محور الخير في مواجهة محور الشر- الطاعون الإيدز، فمن الممكن أيضاً طرح الفرضية باعتبارها صالحة اليوم، حيث سيق الحب نحو الشر. وهنا نتذكر العبارة التي صاغها فرويد بكثير من ا الدقة حين قال إن أجهزتنا المناعية تكون في أضعف حالاتها حين نحب. وأن الألم يفر من أنصار مذهب السعادة (الإيدونيست) مثلما هاجمت الأوبئة عمدة بوردو في قصره !
11
من
قد يكون من الملائم أن نوضح أن مونتاني ينتمي إلى تلك الفئة. البشر التي لم تعرف عاطفة الأم. لقد تربى بالكامل في حضن العائلة انتقل «ميشو الصغير من أحضان المربية، التي قامت بإرضاعه أيضاً، إلى كنف المدرسين المعنيين بتعليم الأطفال في منازلهم، قبل أن يلتحق وهو في السادسة بالمدرسة الداخلية في جويان. أبوه هو بيير إيكام وكان أفضل أب : بین الآباء في نظر ميشيل كان والده مسؤول الاسطبل الملكي ويحمل نسب عائلة من التجار في مدينة بوردو انضمت حديثاً
علاقته
إلى طبقة النبلاء، وهو من اختار هذا النوع من التعليم لابنه. وكانت بوالده تتسم بالكثير من الحنان الحقيقي، على عكس، علاقته بوالدته التي غابت تماماً عن الذكر في كتابه الأعظم «المقالات»، وهذه العلاقة التي كانت بمثابة الحرب المفتوحة. فهي امرأة جافة وعدوانية، تدعى أنطوانيت دولوب، لم تحتمل إطلاقاً مغامرات ابنها البكر. وحاولت بشتى الطرق إقناع زوجها بحرمانه من الميراث. والضغينة كانت راسخة بينهما حتى إن بيير ايكام احتاط ونوَّه في وصيته بكل شروط ميثاق التعايش بين الأم والابن بعد موته، بالتفاصيل المملة حتى في ما يتعلق بأي السلالم الخشبية المتنقلة سوف يستخدمها كل منهما! ولكن على الرغم من هذه الاحتياطات الدقيقة، كان السلام بينهما مستحيلاً. رحلت أنطوانيت من القصر، وختمت حياتها في بوردو، في ر الثامنة والثمانين، من دون أن تتنازل عن أي من ممتلكاتها لحفيدتها
عمر
ليونور، الطفلة الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة من أبناء ميشيل. ری ما عساه يمثل من ثِقَل على النفس كره كهذا(۱)؟ عزى البعض(2) قدراً كبيراً من سوداوية مونتاني إلى كراهية الأم، المواتية لانطوائه.
المحبة السامية
ذات مرة، جرّب مونتاني الهَجْر ، على الرغم من رغبته في أن يظل مخلصاً لهذا الحب، وشاركه رجل آخر في هذا الشعور كان يدعى اتيان
دي لا بواتي Etienne de La Bootie حيث كل شيء كان مسموحاً بينهما، حتى إنه أطلق عليه حب عمره عندما التقيا للمرة الأولى في عام 1559، كان مؤلف «خطابات العبودية الاختيارية» يبلغ من العمر ثمانية وعشرين . عاماً، وميشيل خمسة ( وعشرين عاماً. كان الأول متيماً بامرأته، والثاني يحبّ كل النساء المحامي والقاضي، هل استهلكا جسدياً تلك الصداقة العميقة، التي قد لا يتحقق مثلها إلا مرة واحدة كل ثلاثة قرون في أفضل التوقعات؟ أسهم كتاب المقالات بإيضاح بعض التفاصيل التي تفيد في الإجابة عن السؤال. حيث ذكر في إشارة موجزة إلى الممارسات الإغريقية، التي ترفضها أخلاقياتنا»، ولكن النقد كان ينصب تحديداً على الفارق الزمني بين العاشق والمعشوق. ولكنه بلا أهمية، على مستوى العمق المهم هو أنه من خلال علاقته بلا بواتي، اكتشف تلك الصلة الحميمة بين الأرواح حيث يذوب كل منهما في الآخر تماماً بحيث تصعب رؤية «الخط الفاصل بينهما.
وصف مونتاني علاقته بإتيان في الفصل المحوري المعنون «عن الصداقة (127) بأنه تحت تأثير نمط من الافتتان والدراما العاطفية أصابته صاعقة الحب أثناء حفل أقامه برلمان مدينة بوردو: «وفق بعض تعليمات من السماء » ، «لا أعرف أي قوة غير مفهومة وقدرية». إنها «صلة إلهية»: «كان يعرفني أكثر من أي شخص آخر»، «حتى أعمق نقطة في دواخلي. وفي النهاية اختفى إتيان، فقد اختار أن يكون مع ميشيل وليس مع زوجته حيث توفي إثر نوبة إسهال حادة وهو في الثانية والثلاثين من عمره، وتركه مدمَّراً، كشخص بتر نصفه، ملقى «في عتمة الليل الخانقة» لحياة الوحدة. لقد أحبَّه بالتأكيد حباً لا يوصف، حبا لا يفسره سوى سبب مبهم «لأنه كان هو ولأنني كنت أنا».

>إعداد: سعيد ايت اومزيد

Top