المغرب وفلسطين -الحلقة 17-

تاريخ مشترك وتضامن ضارب في عمق العلاقات

في ظل الأوضاع التي تعرفها فلسطين، سواء بالضفة الغربية أو قطاع غزة من عدوان شامل للاحتلال ومحاولة لإبادة جماعية لشعب فلسطين الأبي، كان للمغرب دائما حضور وازن، لا من حيث التضامن الشعبي أو الرسمي من خلال المساعدات الإنسانية وغيرها أو من خلال دعم جهود الإعمار، وكذا دعم خاص للقدس الشريف.
ومنذ 7 أكتوبر 2023 الذي أطلق فيه الاحتلال الإسرائيلي حربه المدمرة على قطاع غزة واستمراره في مسلسل الاستيطان خاض المغاربة من شمال المغرب إلى جنوبه، ومن غربه إلى شرقه سلسلة من الاحتجاجات والأشكال التضامنية مع القضية الفلسطينية.
ووفق التقديرات فإن المغاربة خاضوا أزيد من 6000 مظاهرة وأزيد من 730 مسيرة شعبية، في أكثر من 60 مدينة مغربية، إضافة إلى وقفات مركزية عديدة وبشكل دوري أمام البرلمان، بالإضافة إلى ما يزيد عن 25 موكبا تضامنيا للسيارات والدراجات، وما يفوق 120 ندوة ومحاضرة لتنوير الرأي العام وتوعيته في ما يهم معركة “طوفان الأقصى” والقضية الفلسطينية وتطوراتها.
هذا الغنى في التضامن مع القضية الفلسطينية يجعل المغرب في مقدمة الدول الأكثر تضامنا مع القضية الفلسطينية بالشارع العربي والمغربي، وهو ما يدفعنا في هذه السلسلة الرمضانية إلى العودة إلى تاريخ العلاقات المغربية – الفلسطينية، وكيف تضامن المغاربة مع القضية الفلسطينية وجعلوها قضية أولى إلى جانب قضية الصحراء المغربية.
وتستند هذه الحلقات إلى قراءة في كتاب “المغرب والقضية الفلسطينية من عهد صلاح الدين إلى إعلان الدولة الفلسطينية” للراحل أبو بكر القادري الذي شغل أول رئيس للجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، وأيضا كتاب “فلسطين قضية وطنية” للكاتب عبد الصمد بلكبير، وأيضا إلى مراجع وكتب أخرى تناولت القضية

إدمون عمران المالح.. المناضل والأديب المغربي الذي رفض تهجير اليهود

قال: لا أعرف أية دولة اسمها إسرائيل

لطالما شكل يهود المغرب جزءا أصيلا من النسيج الاجتماعي والثقافي للبلاد، حيث عاشوا جنبا إلى جنب مع المسلمين لقرون، مشاركين في مختلف أوجه الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية.
ومع توالي الأحداث في الشرق الأوسط، خاصة بعد نكبة 1948، وإعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، وجد العديد من اليهود المغاربة أنفسهم أمام سؤال الهوية والموقف السياسي، خاصة مع في ظل ضغط رهيب كان يمارس ضدهم من الاستخبارات الفرنسية وأجهزة الموساد وغيرها من الأجهزة التي كانت تشتغل ليل نهار على تهجير اليهود من أوطانهم الأصلية نحو أرض فلسطين.
لكن على الرغم من الضغوط، هناك يهود مغاربة لم يتخلوا عن مواقف مناهضة للصهيونية، وظلوا داعمين للقضية الفلسطينية، سواء من داخل المغرب أو في المهجر. وبرزت شخصيات يهودية مغربية في مناهضة المشروع الصهيوني منذ بداياته.
فخلال فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب، رفض العديد من اليهود المغاربة الإغراءات الصهيونية للهجرة إلى فلسطين، متمسكين بوطنهم المغربي. وضمنهم الحاخام المغربي، الذي عارض حينها بشدة محاولات الصهاينة استقطاب اليهود المغاربة، مؤكدا أن “مكانهم الطبيعي هو بين إخوتهم المغاربة”.
في الخمسينيات والستينيات، حينما نشطت الوكالة اليهودية في تهجير اليهود المغاربة إلى إسرائيل، وقفت بعض الشخصيات اليهودية ضد هذه الموجة، مدركة أن المشروع الصهيوني لم يكن سوى أداة استعمارية جديدة في المنطقة. ومن بين هؤلاء كان أبراهام السرفاتي، الذي تحدثنا عنه في حلقة سابقة، بالإضافة إلى مناضلين آخرين، ضمنهم أيضا إدمون عمران المالح المناضل التقدمي في صفوف الحزب الشيوعي المغربي والمثقف والصحفي والمناضل الفذ الذي عارض بشراسة تهجير الآلاف من اليهود المغاربة نحو إسرائيل في منتصف الستينيات، وفند الأطروحات الصهيونية التي سعت لتبرير ذلك، وقال بوضوح “لا أعرف أية دولة اسمها إسرائيل”.
ويعد إدمون عمران المالح واحدا من أبرز المثقفين المغاربة الذين واجهوا الصهيونية بوعي نقدي عميق، رافضا كل محاولات الزج بيهود المغرب في المشروع الاستعماري الإسرائيلي.
لم يكن موقفه مجرد رفض نظري، بل تجسد في مواقف واضحة وصريحة، حيث عارض بشراسة تهجير الآلاف من اليهود المغاربة إلى إسرائيل خلال ستينيات القرن الماضي، ودحض الأطروحات الصهيونية التي حاولت تبرير ذلك. عبر عن رفضه القاطع لهذا الكيان بقوله: “لا أعرف أية دولة اسمها إسرائيل”، وهو تصريح يعكس موقفا جذريا من المشروع الصهيوني الذي سعى إلى اجتثاث اليهود المغاربة من وطنهم.
لم يتوقف نضال عمران المالح عند رفض تهجير يهود المغرب، بل امتد إلى الدفاع عن القضية الفلسطينية بكل قوة. ففي عام 2004، وبعد مجزرة جنين التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي، أصدر بيانًا شهيرًا بعنوان “أنا أتهم”، أدان فيه الوحشية الإسرائيلية، وفضح الانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون. كما أدان العدوان الإسرائيلي على غزة، معتبراً الصهيونية “حركة عنصرية تتباهى بقتل الأطفال والنساء والشيوخ”، ورفض بشدة توظيف “المحرقة اليهودية” كذريعة لتبرير الاستيطان والاحتلال، مستنكرًا استغلال معاناة اليهود الذين ماتوا أو لم يموتوا فيها.
لم يكن رفضه للصهيونية نظريًا فقط، بل امتد إلى المجال الأدبي، حيث رفض ترجمة أعماله إلى العبرية حتى لا تستخدمها إسرائيل في تلميع صورتها أو الترويج لأفكارها. ورغم أنه كتب بالفرنسية، فإن مؤلفاته حملت روحًا مغربية أصيلة، حيث حضر فيها التداخل الثقافي بين المسلمين واليهود في المغرب، والتقاليد المحلية، والسرد الذي كسر القوالب المألوفة في الأدب الفرنسي.
تجلّت مواقفه السياسية أيضًا في أمنيته بالصلاة في القدس، ليس تحت الاحتلال، بل بعد تحريرها، ما يعكس رفضه التام للاعتراف بالسيطرة الإسرائيلية على المدينة المقدسة. لقد كان عمران المالح مثقفًا مناضلًا، لم يفصل بين الفكر والموقف، بل جعل من كلماته سلاحًا ضد الظلم والاستعمار، مؤمنًا بأن الهوية المغربية ليهود بلاده أقوى من أي دعوات صهيونية، وأن قضية فلسطين هي قضية كل من يؤمن بالعدالة.
لقد عاش إدمون عمران المالح قضية فلسطين ليس كمناضل فقط ومساند، بل كان يعيش القضية كجرح ديني جعله يردد باستمرار “أنا أحتاج إلى يهوديتي لأدافع عن الفلسطينيين”، وفي الحرب التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على غزة، عام 2008، قال: “حينما أشاهد ما يحدث بغزة: جثامين الأطفال والنساء والدمار، أحس بالاختناق من الظلم ومن الهمجية والبربرية ومن القدرة، بل الإرادة الرهيبة لإسرائيل على قتل الناس الأبرياء وتدمير شعب بأكمله”.
كان أقسى شيء بالنسبة لهذا المناضل التقدمي والأديب والمثقف الكبير هو ما كان يفكر به بشأن أن يقبل اليهود بضمائر شبه مرتاحة أن تمارس هذه الجرائم بطريقة أو بأخرى على الشعب الفلسطيني؛ خصوصا وأن اليهود، عاشوا التهجير والإبادة والاقتلاع، كما كان يتألم لمحو هذه التراجيديا كلمات أساسية من القاموس السياسي، وهي “الاستعمار الاستيطاني ورديفته المقاومة”.
لقد كان إدمون عمران المالح مثقفا ومناضلًا يهوديا مغربيًا واجه الصهيونية بشجاعة، دافع عن القضية الفلسطينية، وأدان بشدة الجرائم الإسرائيلية في كل مناسبة كان يقترف فيها الاحتلال جرائمه في حق الشعب الفلسطيني. لقد ظل صوته مناهضا لكل أشكال الظلم حتى وفاته.

< إعداد: محمد توفيق أمزيان

Related posts

Top