تمويل التنمية البيئية.. الدول العربية في حاجة إلى مصادر وبرامج جديدة

سجل اعتماد أهداف التنمية المستدامة واتفاق باريس بشأن تغير المناخ في عام 2015، لحظة حاسمة في مسار التعاون الدولي من أجل التنمية، فكلاهما ينطوي على تغييرات جذرية في النظرة إلى التنمية ومتطلبات تحقيق غاياتها. لذا؛ أصبحت الحاجة ملحة إلى نموذج تنموي متجذر في اقتصاد أخضر، يقوم على إعطاء وزن متساو للتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.
وتلبية هذه الأهداف الثلاثة تؤمن أساسا سليما لمعالجة نواقص الاقتصادات العربية، من تخفيف الفقر والبطالة، إلى تحقيق أمن غذائي ومائي وطاقوي، إلى توزيع أكثر عدالة للمداخيل. إلى ذلك، يركز الاقتصاد الأخضر على الاستعمال والتوزيع العادلين للأصول الطبيعية من أجل تنويع الاقتصاد، وهذا يوفر مناعة في وجه تقلبات الاقتصاد العالمي.
في أجندة 2030، اتفق قادة العالم على 17 هدفا تجسد نهجا متكاملا للتنمية. أما اتفاقية باريس، فنصت للمرة الأولى على أهداف محددة للحد من انبعاثات الكربون التي تساهم في تغير المناخ، بما في ذلك التحول إلى الطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة، وتعديل أنماط الاستهلاك.
ويمثل التغير المناخي تهديدا كبيرا للبلدان العربية، التي تقع في منطقة هي من الأكثر تأثرا بنتائجه، وأشدها فداحة ارتفاع مستويات البحار وندرة المياه العذبة، وانعكاسات ذلك على الإنتاج الغذائي. كما أن للعرب مصلحة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبخاصة تلك التي تساعد في مواجهة التحديات المترابطة بين المياه والطاقة والغذاء، إلى جانب تحديات التنمية الاجتماعية والبشرية عامة.
تتطلب الاتفاقيتان استثمارات ضخمة، تستدعي بدورها آليات تمويل مبتكرة. الحكومات وحدها لا تستطيع تلبية كل الاحتياجات؛ لذا فإن منظمات المعونة وصناديق التنمية والشركات والقطاع المصرفي مدعوة جميعها إلى المساهمة. ويقَدر أن المنطقة العربية ستحتاج إلى نحو 230 مليار دولار سنويا مخصصة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة تحديداً. وقد قُدّرت الفجوة التمويلية في الدول العربية التي تعاني من العجز بأكثر من 100 مليار دولار سنوياً، سيبلغ مجموعها التراكمي 1.5 تريليون دولار حتى عام 2030. كما تشير التقديرات إلى أن الخسائر في النشاط الاقتصادي بسبب الحروب والصراعات في المنطقة منذ عام 2011 تجاوزت 900 مليار دولار. وبالنظر إلى آثار عدم الاستقرار على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، فمن المتوقع أن ترتفع الكلفة أضعافا.
وتشهد مصادر التمويل العامة والخاصة في المنطقة العربية انحسارا، وهي ليست على مستوى التريليونات اللازمة لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة. ويتفاقم الوضع بسبب الضغط السياسي المتزايد على حركة المساعدات ونقل الموارد من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية.
من العقبات الرئيسية التي تحول دون تمويل التنمية المستدامة، أن المنطقة العربية مصدر صاف لرأس المال. وفي مقابل كل دولار واحد يدخلها من خلال تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، يتم إعادة استثمار نحو 1.8 دولار فعليا في الخارج، إما بواسطة تدفقات الاستثمار المباشر إلى الدول الأجنبية، وإما من خلال تحويل الأرباح التي يحققها المستثمرون الأجانب. وفي الوقت نفسه، تظل المنطقة مقرضة للبنوك الدولية، إذ كانت ودائع العملاء العرب لدى البنوك الرئيسية خارج المنطقة أعلى باستمرار من القروض المقابلة للعملاء العرب من هذه البنوك. ولا تزال تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المنطقة متقلبة، وهي تتركز في عدد قليل من البلدان والقطاعات المختارة، وبخاصة تلك المرتبطة بإنتاج النفط، مع تدفقات لا تذكر إلى البلدان المنخفضة الدخل. وخلال السنوات العشر الأخيرة، أعادت المنطقة العربية في المتوسط 2.5 دولار إلى مناطق أخرى، في مقابل كل دولار تم تحويله إليها. وهذا يؤدي إلى حدوث تسربات كبيرة في التمويل الإنمائي.
وتحتاج التريليونات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في الدول العربية إلى تعبئة جميع أدوات التمويل. وإلى جانب العائدات المالية المحلية التي يجب تطويرها، هناك حاجة إلى تأمين مليارات الدولارات الإضافية واستقطاب مصادر متنوعة للتمويل، بما فيها مساعدات التنمية الرسمية من الدول، والاستثمارات الخارجية المباشرة. كما توفر مؤسسات التنمية الإقليمية والدولية والأمم المتحدة والصناديق الخاصة بالمعاهدات الدولية، مثل المناخ والأوزون، مصدرا إضافيا للتمويل في الدول ذات الدخل المنخفض.
إن الموارد الإضافية، من جميع المصادر الداخلية والإقليمية والدولية الممكنة، ضرورية لتمكين البلدان العربية من تحقيق أهداف التنمية المستدامة والتصدي للتغير المناخي. لكن فضلا عن تأمين مصادر جديدة للتمويل، يجب التركيز على كفاءة استخدام الموارد المالية المتوافرة من القطاعين العام والخاص، وتغيير وجهتها حيث يلزم الأمر، وفق جدول أولويات، لدعم المشاريع والبرامج الكفيلة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
كذلك، لا بد من القضاء على الفساد والهدر، ووضع سياسات متكاملة، واعتماد شروط صديقة للاستثمار. فليس من المنطق الاقتصادي السليم الاستمرار في خيارات الاستثمار التقليدية القديمة، في موازاة العمل على استقطاب موارد مالية جديدة وتحويلها لدعم استثمارات مبتكرة صديقة للبيئة.

(*) الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) ورئيس تحرير

مجلة “البيئة والتنمية”

Related posts

Top