تدبير الاختلاف

يلاحظ منذ مدة تبعات الانشقاق الذي حدث داخل الودادية المغربية للمدربين، انشقاق نتج عنه تنظيم آخر يسمى برابطة المدربين المغاربة.
قانونيا فمن حق أي مجموعة تتوفر فيها الشروط والصفات أن تكون كيانا خاصا بها في إطار ظهير الحريات العامة وتأسيس الجمعيات، وهذه مسألة لا نقاش فيها، ولا يمكن لأي كان مصادرة هذا الحق.
إلا أنه في كثير من الأحيان، يحدث التشتت والتشردم والانقسام تحت قناع التعددية، وهذا ما نشاهده بمجموعة من الميادين والمجالات السياسية والجمعوية والنقابية والرياضية والصحافية أيضا.
وإذا كان التاريخ قد علمنا أن تأسيس التنظيمات -كيفما كانت هويتها- هو استجابة لحاجة المجتمع أو ضرورة مسايرة تطور ما في مجال من المجالات، أو حتمية تاريخية تلبية لمطالب جماعية، أو لأن درجة الخلاف داخل تنظيم ما وصلت إلى درجة اللا-عودة واستحالة إيجاد حل وسط، ففي الغالب فهذه الشروط غير متوفرة في كثير من الأمثلة والحالات.
الطرح السليم الذي لا يمكن أن يزايد عليه أي أحد أو أي جهة، هو كيفية تدبير الاختلاف من الداخل والإصلاح من وسط التنظيم وليس من خارجه، وهذا يفسر ظهور تيارات مثلا داخل الأحزاب السياسية الكبيرة، وهي مسألة مسموح بها ومتعايش على أساسها.
نحن هنا نناقش الأشياء من منطلقات عامة، ولا نستهدف أو نخص شريحة دون غيرها، إلا أن هذه المنطلقات أصبحت -ومع كامل الأسف- خارطة طريق معمول بها في العديد من المجالات، ومبررا لإحداث انقسام وتشتت مؤسف، وقد بلغت الحمى الآن إلى مهنة التدريب.
قبل تأسيس اتحاد جديد خاص بالمدربين يترأسه اللاعب السابق لفريق الجيش الملكي التنيوني، ويتحمل مسؤولية كتابته العامة عبد القادر يومير الذي اشتغل بالمجال لسنوات طويلة، كانت هناك محاولات تأسيس في التسعينات، لكيان مواز لودادية المدربين التي تضم الأغلبية الساحقة من الأطر الوطنية العاملة بالمجال، إلا أن محاولة المؤسسين هذه لم تصل مداها لأسباب متعددة، وأقبرت في المهد.
وحتى عندما يكون تأسيس جمعية أو كيان أو تنظيم آخر فلا ينبغي قطعا أن يبنى على عداء الآخر أو تبرير وجوده على أساس انتقاد الجهة الأخرى والاجتهاد في إظهار هفوات أو أخطاء بالجهة التي كان الشخص أو الجماعة المنشقة ينتمي لها أو استفاد من التواجد يوما ما بداخلها.
فالمطلوب في هذه الحالة، هو إظهار الجديد فيما يخص خدمة الشريحة التي يتم التحدث باسمها، وإبراز أسباب النزول من خلال العمل والاجتهاد وتقديم مقترحات جديدة والعمل للصالح العام وإظهار رقي في التعامل، والاحترام بعيدا عن التجريح والانفعال الزائد، وتحويل المسألة إلى خلاف شخصي، وليس اختلافا في التوجه أو المنظور أو المنطلقات.
كما أن الطرف الآخر مطلوب منه عدم الدخول في جدال عقيم والبقاء على مسافة من أي خلاف داخل التنظيم الآخر، والتعامل بمبدأ أن أرض الله تسع الجميع.
للأسف فعقلية “الدكاكين” أصبحت طاغية في كل المجالات، والغالب أن يبحث الشخص أو المجموعة المنشقة في أي قطاع من القطاعات عن مصالح شخصية ومكاسب آنية ونفعية بالدرجة الأولى، وهذا ما يساهم في تمييع المشهد وإحداث انقسام وتعدد مشوه.
ننتظر الجديد الذي سيأتي به هذا التنظيم الجديد الخاص بالمدربين، والأكيد أن الأطر التي ارتبطت بمبادرة التأسيس لها من القدرة والكفاءة والدراية والخبرة والغيرة ما يؤهلها لخدمة الأطر العاملة بمجال التدريب، وبعد ذلك يمكن مناقشة إيجابية المبادرة من عدمها.

محمد الروحلي

Related posts

Top