“رقصات بباب البحر..” للشاعرة المغربية مليكة بنمنصور

ما الإبداع عموما، والشعر خصوصا، إن لم يكن قبضا على المستحيل، وجعله يتساكن مع الممكن، والارتقاء بالممكن من أجل جعله مسكونا بحلم المستحيل، خصوصا والخيط بين الممكن والمستحيل رفيع ورقيق أرفع من خيط الضوء، وأرق من شعرة معاوية، سواء في وجود اللغة/ اللسان، أو في حياة الإنسان/ الوجدان… إنه قبض على المنفلت الهارب عنا وفي غفلة منا.

 إن المتتبع للمسيرة الشعرية الحالمة لهذه الشاعرة المغربية من “ومن بعض مفاتنها” (2007)، إلى “رقصات بباب البحر، قربانا لهرقل عشيق الموجات” (2021)، مروراً ب”شهوات الريح” (2011)، وأعمال أخرى موزعة بين المجلات والملاحق الثقافية للجرائد، سيجدها صوتا من الأصوات الشعرية المتميزة بنكهتها الإبداعية، وبنوع انسيابها اللغوي والتخييلي. ولكن الذي شدني إلى تجربتها الشعرية أكثر هو ذلك العنفوان الشعري المتوله الحالم بالقبض على ما هو هلامي أو يصعب القبض عليه؛ حيث حاولت في الديوان الأول القبض على جوهرها أو مفاتنها المسكونة بالقيم الوطنية والإنسانية الرفيعة في قصائد جميلة مثل “عناقيد من شجر الكلام” و”طقوس”، و”رسائل بلون الجرح وأخرى بلون المطر”، و”مدن أينعت بين أناملي”، و”ديوان الوطن”، وفي الديوان الثاني أمعنت في القبض على الريح بكل شهواته وتقلباته المسكونة بالانزياح الوجودي، وخلخلة ركود الكائنات وإيقاظها من سباتها استجابة لروح التجديد والتجدد، من خلال قصائد بالغة الإثارة الشعرية مثل “سنمشي الوقت”، “أنا والريح”، “أسفة سيدي الوقت”، “أتحداك”، “بلا أجنحة”، “وأجمل الهذيان”، “كالنبوءات كالسراب”، “احتجاج الغيم”، “راحلون”، “كما ترفرف الشاعرات”، “هذا الوطن”.

أما في ديوانها الجديد “رقصات بباب البحر..”  الذي نقدمه للقراء، فقد أبت شاعرتنا إلا أن تقبض على الأزرق المهيب المسمى بحرا، بالرقص عل بابه، وفي الآن نفسه على باب مغارة هرقل، الكائن الأسطوري المهيب، الذي يتوسد تاريخه وأحلام البحرين معا، الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وهما يحكيان، في عناق أبدي، حكاية ذلك المد والجز بين العديد من الحضارات القديمة ومن بينها على وجه الخصوص الحضارة المغربية الأندلسية والحضارات الأورو متوسطية.

 تضم الأضمومة الشعرية “رقصات بباب البحر..”   الصادرة عن مطبعة سجلماسة بمكناس خريف 2021 التي جاءت في 170 صفحة من الحجم المتوسط، خمسة وعشرين قصيدة، جاءت على الترتيب التالي: “هو البحر هو البحر ولهرقل سادنه القرابين” (ص13)، “أنا والريح بباب البحر” (ص27)، “ولا شمس البحر تدري” (ص 33)، “إلى البحر، إلى آخر المصب” (ص37)، “آيات ثلاث والبحر يشهد لي” (ص 41)، “ويسألني البحر الوافر عن صفاتي” (ص 51)، “ماذا فعلت بعيني أيها الأحمق البحر” (ص 67)، “هل تراني كما أراك” (ص 73)، “ولي أجنحتي” (ص 77)، “لا عليك اتبعيني” (ص 81)، “رقصات غائمة” (ص 85)، “أيتها الموجة اتبعيني” (ص 95)، “وشايات” (ص 101)، “عقاب” (ص 109)، “اعترافات بباب البحر” (ص 113)، “هباء” (ص 119)، “حتما ستعود” (ص 123)، “كما أشاء” (ص 127)، “أين اختفى طائري”، “بين ظل وظل” (ص 135)، “انسياب” (ص 139)، “والتهمة الوحيدة أني” (ص 165)، “ليتني كنت ملاكاً” (ص 151)، “أناشيد العبور” (ص 157).

 قاسم دلالي مشترك وراء كل هذه القصائد، ويتلون من قصيدة إلى أخرى، هو من كل الجهات ويستديم نبضها الوجودي، من أقاصيه إلى أعتاب خلوة “الاله/الأسطورة” هرقل صانع الحضارات، تلك الخلوة الغريبة المهيبة التي تجمع بين أسرار البر والبحر، والسماء والماء، هي التي جعلت الشاعرة تستأمنها بقدر ما استأمنت البحر على قصائدها العاشقة لثخوم المطلق، حيث تغني منذ البداية قائلة:

  (بباب البحر إذا اشتهانا الصيف/ جنباً إلى جنب نكون دوماً عاشقين/ لكنه/ ما باله/ كلما اعتلى الأعالي وطار/ تتبعه الحروف الولهى/ وأظل أنا/ وحدي هنا، سجينة هذا الطين) (ص 28).

وتعبر من جهة أخرى عن شعور الإنسان بغربته وإمعانه في التيه، بعيدا عن منابع الضوء والماء، بِقولها في قصيدة بعنوان “لعب تستهويني باب البحر”؛ )ما باله/ ذاك الخطو المتسارع في البيداء القفر/ هاجر فيئ الظل بلا زاد أو قطرة ماء/ ولا جنة بعد الصحراء ولا غابة الطيور المهاجرة/ ولا أنثى تتوسد أحلام الوقت/ ولا شاعرة) (ص 63).

 إننا ها هنا أمام شذرة تستضمر القول بضرورة الحاجة إلى الشعر كبلسم شفوف لجراحات الإنسان ومكابداته وكينبوع ثَرٍ لعطشه ونبراس ضوء لعتمات وجوده.

 من حيث القالب الفني لكتابتها الشعرية نوعت الشاعرة مليكة بنمنصور بين تقطيع مسترسل يشبه الريح في مواله والبحر في مده وجزره، وآخر شذري، جاءت فيه العبارات الشعرية على شكل جمل قصيرة، وفي بعض الأحيان كلمات مفردة مكثفة تمفصِل المبنى والمعني، وتارة تأتي القصيدة مركبة في شذرات بدون عناوين، وقد تضع لها عناوين في قصائد أخرى حسب ما يقتضيه النفس الشعري، بعيدا عن كل أشكال التنميط والتكلف.  ومن ثم يمكن الجزم بأنها تتاخم في هذه التجربة الإبداعية عوالم الكتابة الشعرية الحداثية التي تتماهى فيها الأسطورة بالفلسفة والتاريخ والطبيعة. وتمتح لغتها الشعرية من منابع السلاسة والشفافية وكذا من منابع التجريد والغموض، مع المحافظة دوما على لمسة الجمالية الضرورية للكتابة الشعرية والإلْحاح عن الحرية والتحرير دفاعا عن الإرادة الإنسانية، ولو بالكلمة الشعرية الحالمة. ولقد استدعت في احتفاليتها الشعرية هذه، الراقصة بباب البحر رقصات شعرية أخرى لكل من أمل دنقل، ومظفر النواب، ومحمود درويش، ومحمد السرغيني، ومحمد علي الرباوي، وعبد الكريم الطبال، وعبد الله الطني، استحضروا تيمة البحر أو هرقل في شذارات من قصائدهم، جعلتها بمثابة تصدير لديوانها هذا، مدعمة بذلك جرأتها الشعرية، واختياراتها الجمالية.

 كل ذلك الحلم الشعري البحري، قدمته الشاعر للمتلقي ملفوفاً في غلاف جميل يجلي جوهره التخييلي، تحيل واجهته الأولى إلى ما تلتقي فيه الحقيقة بالأسطورة (مغارة هرقل والأمواج تتراقص ببابه)، وتجلي واجهته الثانية إحدى قرابينه من حوريات البحر والشعر.

وأقول أخيرا لشاعرتنا مليكة بنمنصور مزيدا من الإصرار للقبض على ما يظهر ويختفي وراء عتماتنا، ولا تراه العين إلا حلما، ولا تحلم به اللغة إلا مجازا، دعما لحريتنا المنشودة من المهد إلى اللحد.

بقلم: عبد الله الطني

Related posts

Top