الممثل والمخرج المسرحي محمود مانا: الحماس بين الفرق المسرحية وبين الممثلين أصبح غائبا

> حاوره : محمد معتصم

لو سألته عن حبه الأول لقال: المسرح، ولو سألته عن حبه الأخير لقال: المسرح. مهووس حد الجنون بأبي الفنون، عاشق بامتياز للخشبة، لكنه مشاغب جميل في أدواره التي يصر على أن تكون مختلفة ومتعددة، عفوي في لغته التي يفوح منها عطر المسرح. سحره المسرح منذ الطفولة فبحث عنه في الصويرة، ومراكش، والرباط ثم الدار البيضاء. هو عضو في الجامعة الوطنية لمسرح الهواة، ورئيس الاتحاد الإقليمي للمسرح بالصويرة. ممثل موهوب بشهادة من جايلوه وأصدقائه، ومخرج متفرد. يسعى اليوم  إلى رد الاعتبار لمسرح الهواة وبالخصوص المهرجان الوطني لمسرح الهواة، الذي يعتبره مدرسته الأولى  التي منحته هذا الحب اللامنتهي.. إنه الممثل والمخرج المسرحي محمود مانا الذي التقيته بمدينته الصويرة وأجريت معه الحوار التالي:

> هل أنت الذي اخترت المسرح، أم أن المسرح هو الذي اختارك؟
< بداية علاقتي بالمسرح كانت منذ الطفولة، تحديدا في سن الثانية عشرة، كنت جرموز في الكشفية الحسنية، حيث لم يكن آنذاك لا دور الشاب، ولا القاعات الثقافية،  وكانت الأحزاب السياسية، وكنت داخل حزب الاستقلال، الذي تعلمت فيه المسرح. لم أختر المسرح، ولم أكن يوما أظن أنني سأحترف المسرح. إذا المسرح هو الذي اختارني. فإذا بي وأنا صغير، كان الأستاذ صابر العربي رحمه الله، رائد المسرح في إقليم الصويرة، حيث كان يشتغل على مسرحية، ولفتت نظره كوني طفل صغير تبدو علي علامات الشغب الطفولي، ولمس في موهبة التمثيل، ومن ثم بدأت علاقتي بالمسرح من خلال القيام ببعض الأدوار، دون إدراك مني لأهميتها، فكبرت في هذا الجو. في بدايتي الأولى كنت أقدم بعض اسكيتشات: تم بعد ذلك قدمنا بأدوار في مسرحيات مكتوبة، وأخذنا نبحث في مجال المسرح الرحب والعميق، وكان هذا إبان الاستعمار. عملت ضمن فرقة الرجاء المسرحية في البداية تحديدا في بداية الخمسينات، حيث كانت الفرقة الوحيدة بمدينة الصويرة، التي كنا نناضل  من خلالها، وكنت أتذكر أننا كنا نقوم بمسرحيات في الأعراس حيث لم تكن آنذاك فرق موسيقية كما هو الحال اليوم لتنشيط الأعراس والحفلات، كان المسرح هو الذي ينشطها من خلال الفكاهة وبعض الأدوار الكوميدية، وفي هذا الخضم تلقيت مبادئ المسرح وتعلمت الكثير في هذا المجال الجميل والراقي. وبعد ذلك في سنة 1961، انتقلت إلى مدينة مراكش، لأنضم إلى فرقة الأطلس مع عبد الجبار الوزير وآخرون، ومثلت معها أعمالا حيث أخذت أتقن فن المسرح وميكانيزماته، وبدأت موهبتي تزداد نضجا، ومع مرور الزمن أي سنة 1969 انتقلت إلى مدينة الرباط، والتقيت هناك محمد أبو الصواب رحمه الله، حيث كان منشطا بالإذاعة الوطنية، وتناقشنا معا المسرح على مستوى العمل والوظيفة، وبتواجدي بالعاصمة تم توظيفي بوزارة النقل من أجل توفير مصاريف اليومي دون التخلي عن المسرح. لكن إقامتي بالرباط لم تدم إلا سنة ونصف، ثم غادرتها إلى الدر البيضاء، والتحقت مباشرة بفرقة البدوي، مع الأستاذ عبد القادر ونعيمة الياس وعائشة ساجد وأمينة بركات ومصطفى الزعري والداسوكين وآخرين، وقضيت لحظات جميلة استفدت كثيرا من تجارب هؤلاء المبدعين،  ثم الحنين إلى موكادور أخذني إليها سنة 1975 وأسست فرقة مسرح الجزيرة مع بعض الأصدقاء، ثم التحقت بفرقة الأسوار المسرحية ( جمعية الأسوار للتمثيل والموسيقى ) بالصويرة، حيث عملت على تغيير اسم الجمعية ونقلها إلى فرقة الأسوار المسرحية سنة 1979 ومن ثم كانت الانطلاقة نحو الأعمال الجادة الملتزمة، بدأنا بمسرحية “المتاهة”. وكان الأستاذ العربي صابر  مثلي وأستاذي في المسرح، تعلمت منه الطريقة في الأداء والإخلاص للمسرح وحب الأدوار، وتشبعت بشخصيته المتميزة والمتفردة وتابعت خطاه بثبات إلى يومنا هذا، كما تأثرت في تجربتي المسرحية أيضا بالأستاذ الطيب الصديقي، حيث عملت إلى جانبه في كثير من الأعمال المسرحية.
> ماهي المسرحيات التي اشتغلت فيها بحرفية أي كمحترف؟
< مسرحيات هزلية وجادة في ذات الوقت، كمسرحية ” متاهة ” و ” النقطة ” التي قفزت بالجمعية قفزة نوعية في عالم المسرح.
> كيف كانت الحركة المسرحية في الستينات؟
< كانت حركة مسرحية قوية وحقيقية، كان لها اعتبار، وحتى السلطات كانت تراقب مسرح الهواة وتتابعه، نظرا لجدية المواضيع والأعمال المسرحية، حيث كانت تلامس المعيش اليومي بكل تجلياته ودلالاته، كغلاء المعيشة، البطالة، ولابد من الإشارة إلى تواجد فرق مسرحية مهمة جدا، المسرح العمالي لوجدة.. هؤلاء هم من أصبحوا اليوم من محترفي المسرح المغربي، جيل السبعينات الذي كانت له البادرة حيث كان يتحلى بالروح القوية للمسرح، ومن ثم أخذ المسرح يتراجع شيئا فشيئا إلى أن أصبح الحال كما هو عليه اليوم.
> لماذا هذا التراجع، وما هي أسبابه؟
< في السبعينات كانت القوة في المسرح الهاوي بارزة بشكل واضح، وكانت الدولة تمول مهرجان مسرح الهواة، مسرح الهواة هو الذي كان الحافز الأساسي للحركة المسرحية، حيث كانت تبذل جهودا كبيرة، سواء على مستوى الكتابة المسرحية، التشخيص، التأليف والتمثيل.. مسرح الهواة كان هو أوج المسرح المغربي لأنه المتنفس الوحيد الذي يعطي فيه الممثل كل ما يملك من موهبة وإبداع وتجربة، ولا أنسى أن وزارة الشبيبة والرياضة كانت تدعمه. ولكن للأسف الشديد، أخذ المسرح يتدهور دون نسيان خطاب الملك الحسن الثاني طيب الله تراه الذي بعث برسالة إلى مؤتمر مسرح الهواة، هذه الرسالة التي  قال فيها: “مسرح الهواة هو النواة الأساسية للمسرح في المغرب” لكن كما قلت بدأ المسرح يتراجع لأن وزارة الشبيبة والرياضة أوقفت مسرح الهواة وعوضته بمسرح الشباب ومن ثم بدأ المسرح أو الحركة المسرحية تتراجع عن بريقها، وتألقها وغاب الحماس بين الفرق المسرحية وبين الممثلين.
> هل كانت لك أدوار خاصة بك، أم كنت تلعب أي دور يسند إليك؟
<لا، كنت أقوم بتشخيص أي دور يسند إلي، سواء كان دورا كوميديا أو تراجيديا، حيث قمت بعدة أعمال وكنت موفقا فيها. والدور الذي قمت به ولا زلت معجبا به وأفتخر به في مسرحية “مجدوب بلادي” لسعد الله عبد المجيد والذي شاركت به الجمعية أنذاك في مسرح الهواة وكان له صدى كبير وطيب يذكر إلى اليوم. وكلما ذكرت فرقة أسوار الصويرة إلا وذكرت مسرحية “مجدوب بلادي” والتي مثلت فيها وقمت أيضا بإخراجها.
> كتجربة غنية وممتدة في الزمان وفي الأمكنة، كيف انتقلت من التمثيل إلى الإخراج المسرحي؟
< الإخراج في نظري كما يقول كبار المسرحيين لا يقرأ، الإخراج تدرس فيه فقط التقنية، وكيف تتعامل مع الممثل تقنيا، وكيف تتعامل مع الإنارة والديكور. الإخراج موهبة وتراكم تجارب ورؤية مسرحية واضحة ودقيقة. الإخراج في اعتقادي الشخصي كما قلت موهبة تصقل وكيفية التعامل مع الممثل.
> أول مسرحية قمت بإخراجها؟
< أول مسرحية كانت من خلال اسكيتشات ولا أخفيك أن ما أقوم به اليوم يدخل في خانة الإخراج الحقيقي.

Related posts

Top