بنية الحكي وجمالية التلقي.. في المجموعة القصصية “أنفاس مستقطعة” لعبد الواحد كفيح

تشكل المجموعة القصصية “أنفاس مستقطعة” لعبد الواحد كفيح، أنموذجا سرديا/حكائيا بامتياز باعتبارها تجسد مزيجا من التقنيات السردية، والمونولوجات الداخلية التي تراهن على تعدد في الحدث، وخصوبة في المرجعيات، وحنكة في تناول الوقائع والأحدات، وانتقائية مفرطة في اختيار الشخصيات السردية، ومحاولة توحيدها وفق سياقات متعددة، لكنها في آخر المطاف تكشف عن انسجام في الطرح، واتساق في تداول المعنى في قالب إبداعي / خلاق يتغيا استثمار المعطى النصي/ اللغوي ومزجه بالمعطى السوسيو- ثقافي، محاولا إبرار خصوصية محلية (مدينة الفقيه بن صالح ونواحيها).

فتنوع التيمات في العمل القصصي، أبان عـن احترافية المؤلف في توظيف التراث، والأسطورة، والرمز والتشكيل اللغوي، والتصوف، والفلسفة والتاريخ توظيفا واعيا ينسجم مع بنية العمل الإبداعي.

“أنفاس مستقطعة” عمل إبداعي يزاوج بين الكتابة الأدبية الخالصة، والحكي المنبثق من ذات مبدعة/تحاول رصد القلق الوجودي، وإثارة كل المشكلات والمعضلات الإنسانية في بعدها السيكولوجي النفسي والتاريخي، كما هو الحال في قصة “أنفاس مستقطعة من زمن ولى” التي تحكي قصة مسعودة والدة صالح، تلك المرأة التي بلغت من العمر عتيا، وأصيبت بمرض الزهايمر أو الخرف، فشرعت في كل مرة تخلع سروالها أمام سكان الحي، لكي يكتشف تفاصيل عورتها الصغار قبل الكبار، كما أنها تمارس مجموعة من الأفعال الخطيرة والمنكرة من بينها:

  • إيمانها بالشعوذة وإذكاء نار الفتنة بين سكان الحي.

  • طلاؤها لعصارة الحناء لرأسها وصدغيها لإخفاء علامات الشيب.

  • تعليق حذوة حصان أو عجلة مطاطية على الجدران.

  • وضع يديها في الحناء وطبع خميسية على الجدار.

وداخل نفس القصة نلمس ذلك التوهج التاريخي في قول السارد: “ومن كان مثلي مولعا بالتاريخ فإنه لا محالة سيتذكر ماسورة المدافع المتحفية المعروضة على قلاع المدن الشاطئية المغربية، تحسبا لعدو وهمي أو محتمل. وسيسمع لا محال سيوف البرتقيز في البريجة وموكادور وقعقعة سنابك خيل عقبة بن نافع الفهري وهي تطأ شواطئ الأطلسي”.

فالسارد لا يرى تعارضا بين سلاح مسعودة، والسلاح الحقيقي فكلاهما يؤدي وظيفته على أحسن وجه.

“أنفاس مستقطعة” رؤيا متكاملة/ جوهرية في جمع شتات الذاكرة المغربية، خصوصا في محاولة الكاتب إلى تدوين الزمن الثقافي الشفوي، ومحاولة صيانته، كما هو الأمر في قصة “خراب حلقة” باعتبارها البداية الفعلية لملامح المسرح المغربي عبر استثمار الحلايقي على عدة قنوات لإيصال خطابه منها:

(الموسيقى – الحركات – الإشارات – اللإكسسوارات…) وهي أيقونات متحولة ذات دلالات سيميائية/ولسانية قلما نجد لها نظيرا في مشهدنا الفني/المسرحي المعاصر. فسيكيولوجية استقطاب الجماهير، واخضاعها لتأثير الحلايقي ليست بالعملية السهلة، فسحر القيادة يحتاج إلىى مهارات وكفاءات متعددة للإحتفاظ بالآخر يلازم حلقتك أو محاضرتك، والحلايقي في آخر المطاف كما هو الأمر في قصة “خراب حلقة” رجل ذكي وعملي ويقاوم كل من يحال إفساد حلقته أو السخرية من عمله، كما هو مصير الشرطي والشاب في نفس القصة.

“أنفاس مستقطعة” متن قصصي يقوم على دعامات متعددة، ويحاول في كل قصة أن يمارس تقنية التذويت، وأن يشعرنا أنه يوجد في قلب كل قصة، ويشارك الشخصيات همومها وآمالاها وآلامها، ويقترح عليها بعض الحلول، ويحشر نفسه في مواقف متعددة. كما هو الأمر في قصة “زمن الحكي” فموت الجدة وشهرزاد لا يعني انتهاء زاد الحكي، أو خيال الحكي، بل هنا امتدادات أخرى يقترحها السارد وردت في القصة على الشكل التالي:

  • الجدة تحكي.

  • شهرزاد تحكي.

  • الحفيد / السارد يحكي.

  • بنت السارد / الكاتب تحكي.

لنتأمل امتدادات الحكي:

يقول السارد: “جدتي وشهرزاد وجهان لعملة واحدة، الأولى تحكي، والثانية تحكي، الأولى أفنت زهرة عمرها تنسج من الخيال، والثانية بالحكي تحارب الحتم والمآل”.

فالجدة وشهرزاد هما منبع الحكي وإن اختلفت أهدافهما وغايتهما وتوجهاتهما، فلكل واحدة منهما مبرراتها ودوافعها للحكي والسرد.

انتقال الحكي وعدواه من الجدة إلى الحفيد، عبر مبرر قد يستسيغه القارئ وقد لا يستسيغه في قول السارد:

“اكتشفت قمقما، وجدت دواة وقلما. منذ ذاك تأبطت رقعي ومسوداتي، وأقسمت على نفسي ألا أمتهن قط طول حياتي غير فن الحكي”.

هناك إذن بدائل للحكي لدى السارد، كون الحكي ملكة يمكن أن يمتلكها أي إنسان يتوفر على طموح كبير ورغبة قوية في امتلاك وعاء المعرفة، والتمكن منها.

الحكي قد يكون وراثيا، وهذا إشكال لم يطرح بعد في ثقافتنا السردية القدية أو الحديثة، والسرد قد يكون مكتسبا، وقد يستلهم، وقد يتشكل في البنية اللاشعورية للإنسان.

السارد بديل أو امتداد لزمن الحكي عند الجدة أو شهرزاد، ومشعل الحكي كما عبر عنه في قصة  “زمن الحكي” يقول السارد “له مريدون وأتباع يتعهدونه ويحفظونه من التلف والضياع، خير خلف لخير سلف”، يقول السارد: “واليوم حدثوني أن ابنتي تصدرت الطليعة. استلت سيف الحكي من غمد الصبا وبجرأة الزمن الفتي أجهزت على شرطي مرور الأيام والليالي الخوالي”.

“أنفاس مستقطعة” ترصد لتدافع الفكر والتاريخ بشكل يجعل المساءلة المعرفية/الإبستمولوجية مشروعة وذات أبعاد ميتا – لغوية تسعى لتوصيف المشهد الإبداعي في شموليته، بناء ومعنى وشخصيات، في تفاعل لهذه الشخوص مع الزمن والمكان، وقدرتها على  الإسمترارية في إنتاج خطابات دينامية تتصدى لصدإ الوقت والأفكار، وهذا التصدي نراه جليا في المقطع التالي:

“زاد الوزر وزرا وكنت القائد الذي لا يكبو فرسه ولا تقهر عزيمته أن تكون جنازته هبة للنسور الكاسرة والأيادي الغادرة.. في مأتم فيه تجوز الأضاحي حلالا وحراما. تلك لياليهم وهذه ليلتي طويلة، وطول الليالي يكيد لللأحلام ويغتال الرؤى إلا ما طلع الفجر عليها، لكن ما كل أنوار الفجر يا سادة بخيوط شمس”.

فالرهان الإيجابي في هذا المقطع من قصة “العقاب” هو التسلح كما جاء على لسان السارد بمبدأي المواجهة والمجابهة، وامتطاء صهودة التحدي والتحلي بالصبر والعزيمة القوية، فالنصر مع الصبر، والتجلد يغلب القهر.

تتكون المجموعة القصصية “أنفاس مستقطعة” لعبد الواحد كفيح من ثلاث وعشرين قصة، تتميز بتنوع مضامينها ورؤاها وتعالج التيمات التالية:

  • تيمة الموت.

  • تيمة الحكي.

  • تيمة الوهم.

  • تيمة التذكر.

  • تيمة الخيبة.

  • تيمة السؤال.

  • تيمة الهجرة.

  • تيمة التصوف.

  • تيمة المدينة.

  • تيمة الجنون.

  • تيمة الحب.

  • تيمة الخمر.

  • تيمة العقاب.

  • تيمة الثورة.

  • تيمة العهارة.

ففي قصة “المقبرة” تبدو تيمة الموت جلية وواضحة، فالمقبرة ضمنيا تنتمي لمعجم الموت، وجزء لا يتجزأ من مكوناته، ففي هذه القصة يتحدث السارد عن موت أخيه الصغير، وذهابه مع أمه للمقبرة للترحم على الفقيد، دون نسيان الإشارة إلى الشواهد المنصوبة على القبور، ووصفه عالم الأموات ونصيحة أنه له بألا يقرأ ما هو مكتوب على الشواهد في قوله: “فكان لا يفوت والدتي بين الفينة والأخرى أن تنهاني عن قراءة أسماء ساكني القبور وتاريخ ميلادهم ووفاتهم، لأن ذلك حسب زعمها يطمس العقل ويذهب الذكاء وينقص من حدة البصر”.

وتبدو تيمة ” الحكي” جلية في أغلب النصوص المتداولة في المجموعة القصصية، في قصة “زمن الحكي” وقصة “فاتح يناير” حيث يتمرد الراوي على بنية الزمان والمكان وتجاوز جميع الفضاءات المتكررة والأحداث الرتيبة في قوله: (وأنا الذي طالما عشت في مأمن تحت ظل حكايات جدتي الخرافية، تدفعني نرجسيتي لتمزيق التأشيرة وجواز السفر رافضا إياه، ولأسافر بدون زمان ولا مكان. ألقي بنفسي في اليم تتقاذفني أمواج الرياح فارا مما يسمى بلعبة الزمان والمكان).

تراهن “أنفاس مستقطعة” على تجاوز بنية الوهم واستبدالها ببنية الواقع، فالوهم في المجموعة القصصية وإن جاء على شكل حلم فهو في آخر المطاف مجرد استيهامات وتخيلات لا أساس لها من الصحة، فوهم الوصول إلى الضفة الأخرى وتحقيق الأحلام كما في قصة “تابوت طائر” حيث النهاية المأساوية لكل الحالمين بالوصول للضفة الأخرى، حيث الجنة حيث الفردوس، ويصاحب وهم الوصول للضفة الأخرى، تحقيق أحلام أخرى، الظفر بقلب الحبيبة والزواج بها، وفي عمق البحر فكر أن يكتب لها رسالة، المهم أن تصلها كيفما كانت الظروف، ولا يهم من يحمل الرسالة “قد تحملها عروس البحرأو جنياته أو فيروز الشطآن لا يهم فللبحر سعاة بريده”.

وهم الانتظار جعلها تفكر في رسالة لم تكتب بعد، لكن السارد تعجل الكتابة نيابة عنها يقول فيها “صبنت كل صوف القرية بأدمعي وغزلته على مغزل الأماني وبرموش الأعين خطت لأحلامي فراء دافئا يتسع لصدر حبيبي”. وهم الانتظار لحبيب قد يأتي أو لا يأتي، عشيق وضع روحه وأحلامه وآماله في قارب موت لا يمتلك فيه الحالم بذرة صغيرة من ضمانة، بطش البحر، وقساوة أسماك القرش، وغدر البحار الهائجة الماكرة.

“علقت آمالها على مشجب العودة، سوت آهاتها ولواعجها على تيار ذبذبات كل نسمة صباح تبعث عبر الأثير، تتحول في مخيالها إلى معسول الكلام، تذكرها بالحمص المالح زاده، مكرها في قوارب الموت. اهتزت القرية لعودة الغائب. لم تنبس ببنت شفة، لا أحد يعلم. وصلت قافلة التوابيت الطائرة. وكان نصيب القرية منها واحدا. فتحوه وعوض أن يجدوه حاروا في أمره، فبداخل التابوت وجدوا مظروفا وسع رسالة مكتوبة ببياض ناصع البياض”.

الوهم الذي صاحب أكثر من شخصية في المجموعة القصصية لازمه وهم فكري من السارد في انتظار تحويل هذا الواقع البئيس المزري إلى واقع تتوفر فيه كل مقومات العيش الكريم، ورد الاعتبار للتاريخ العربي الطارف منه والتليد.

الوهم في المجموعة القصصية، وهم نكوصي/ارتدادي يجابه بنية أخرى هي بنية “التذكر” فكلا البنيتين تواجه الأخرى، فالوهم بالرغم من سلبياته، لن يضاهي التذكر في صلابة مواقفه، فإن كان التذكر مؤشرا على سلامة الذاكرة وقوتها، فهو مؤشر يحمل تبعات نفسية قلما يتم التخلص منها.

فالتذكر حضور وغياب، ظاهر وباطن، إحجام وإقدام، رهبة ورغبة، وبين هذه الثنائيات الضدية تكمن عملية احتواء التذكر باعتباره إخلاصا للأشياء والمعنى، ووفاء للذاكرة، لأن الشعوب بلا ذاكرة ولا تاريخ موت نهائي وحتمي.

التذكر تهييج للذاكرة، عبر واجهتين:

– واجهة استقطاب الأفكار القديمة وإعادة طرحها من جديد على محك التحليل والتركيب والبرهنة والاستدلال.

– واجهة العمل على محو بعض الأحداث والوقائع المؤلمة، والتذكر في مقابل النسيان يحمل طابعا لاشعوريا بلغة فرويد، فنحن لا ننسى إلا الأشياء التي نكرهها، ولا نتذكر إلا الأشياء التي يربطنا بها رابط روحي وحميمي، حيث نجد ذواتنا بشكل قوي.

يقول السارد في قصة “العقاب”: “علمهم أيوب الصبر وعلمني الإجهاش بالبكاء فكنت قربانا لوخز الذكريات، أحمل على عاتقي براءة تلك البلابل العاشقة، موقدا أوجاع الماضي في حوض الذكرى. ذكرى مسراتها أبراج عالية، قطوف دانية.”.

فتيمة التذكر تتأرجح بين اعتباره أي التذكر حاجة ملحة لاستحضارها وتمثلها، وفكرة غير مرغوب فيها تسعى الذات إلى محوها وإزاحتها من الذاكرة.

فالتذكر إن لم يكن في وقته يتحول بالنسبة للذات الساردة وصمة عار، لأن التذكر ينبغي أن يصاحب ذارتنا جميعا، وبدون تذكر تكون ذواتنا وعقولنا معرضة لمرض الزهايمر اللعين أو الخرف القاتل.

ولعل العلائق الاجتماعية والسياسية والتاريخية في “أنفاس مستقطعة” تؤرقها عوائق كثيرة في تدارك مستويات الواقع الفعلي وتحقيق نسبة أعلى من الفهم لشخوص العمل الإبداعي.

لقد اعتبرت النكسة في “أنفاس مستقطعة” امتدادا لهزائم أخرى عبر التاريخ العربي القديم بثقافته وفنونه وحضارته لتعود إلى السطح الأسئلة التي طرحها مفكرو النهضة، لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟

فالخيبة في المجموعة القصصية لعبد الواحد كفيح لا تؤجل عملية انتحارها إلى حين، بل تباشر عملية الهدم والبناء في غياب الزمان والمكان، وهي عملية مركبة في العمل الإبداعي، تطرح الوقائع كما هي دون زيادة أو نقصان، وما ينتج عن هذا الطرح من خيبات متعددة نحددها كما يلي:

– الخيبة لدى الأم في عدم حفظ ابنها لآية يس. في قصة (المقبرة)

– الخيبة في عدم إتمام مراسيم الحلقة في قصة (خراب حلقة)

– الخيبة  في جمع العسل وموت بطش في قصة (النحل)

–  الخيبة في عدم استمرار زمن الحكي بموت الجدة كما في قصة (زمن الحكي).                                        

–  الخيبة في عدم وصول القائد وأتباعه إلى الخبر اليقين كما في قصة (حالة استنفار).

– الخيبة في عدم استعادة أمجاد العرب كما في قصة  (حلم على قارعة القرن 21).

– الخيبة في عدم الوصول للضفة الأخرى، وخيبة الحبيبة من الزواج كما في قصة (تابوت طائر).

فالخيبة في المجموعة القصصية، ما هي إلا تمظهرات جانبية لخيبات أخرى، لا يكشف عنها ظاهر النص المدروس، بل يمكن استنباطها من خلال الملفوظ الصادر من السارد نفسه، أو ليس السارد هو المؤلف نفسه كما يقول جاب لنتفيلت، فالبنية السردية في العمل القصصي توازيها بنية مسكوت عنها لدى الكاتب الحقيقي، أو الكاتب الضمني.                                       

ما يمكن قوله بصدد المجموعة القصصية “أنفاس مستقطعة” وإن تداولت قضايا وتيمات ومواضيع تمكن الكثيرون من التطرق 7ليها، إلا أن القاص عبد الواحد كفيح استطاع التمكن من آليات اشتغاله الفني، موظفا مهارات ذاتية نابعة من ذات / مبدعة تنهل من مرجعيات معرفية في نظريات القصة ومكوناتها، وبهذا التفاعل الصادق مع مجموع القصص الواردة في المجموعة يكون عبد الواحد كفيح قد حقق للقارئ لذة النص التي تحدث عنها رولان بارت، بنكهة قاص مغربي وظف رموز الثقافة الشفوية المكتوبة والشفوية وإخضاعها لمسطرة الخصوصية المحلية/الفقيه بن صالح نموذجا حي الانبعاث.. هذه الخصائص المحلية، مضاهية وتحديا للمركز، فالخصوصية تعتبر من وسائل الالتزام لدى الكاتب/القاص وفي غيابها لن تكون هناك كتابة، لأن خيانة الخصوصية أو بالأحرى تجاهلها يعتبر خيانة لمسقط الرأس/للوطن الصغير.

بقلم: خالد عبد اللطيف

Top