صدر مؤخرا عن مؤسسة AXIONS للنشر والتواصل كتاب جميل بثلاث لغات هي العربية، الإسبانية، الفرنسية، يحمل عنوان “تطوان.. إرث وطموحات متوسطية”.
ويحتفي الكتاب من خلال عدد من النصوص الإبداعية بمدينة “الحمامة البيضاء” وموروثها الثقافي والفني وما تزخر به من موارد ومؤهلات جعلت منها مدينة متفردة لها سحرها الخاص.
المشروع الإبداعي الذي يحتفي بمدينة تطوان والذي أدار نشره كل من كريمة بنيعيش رئيسة جمعية أصوات نسائية بتطوان وسفيرة المغرب في إسبانيا، وسعد الحصيني مدير مؤسسة AXIONS للنشر والتواصل، يقدم باقة كاملة وشاملة لجميع مناحي الحياة وتاريخ المدينة بدءا بتاريخها على امتداد قرون وصولا إلى كونها مدينة المستقبل ووجهة للسياحة والرياضة والترفيه، مرورا بالتراث والثقافات التي تزخر بها المدينة، والمهن والحرف وفن العيش الذي تطور مع تطور الساكنة.
ويقدم هذا الكتاب، الذي صدر في حلة أنيقة ضمن ما يعرف بـ “الكتب الجميلة”، من خلال ستة محاور رئيسية وأزيد من 30 نصا إبداعيا، في 237 صفحة، رحلة ساحرة في أزقة ودروب المدينة، بل ويسافر بالقارئ عبر الزمن، في رحلة لاكتشاف تاريخ المدينة منذ تأسيسها بشكلها التقليدي ذي الطابع الأندلسي نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، وارتباطها الوثيق برجل وامرأة ما يزال صيتهما ذائعا إلى حدود اليوم وهما علي المنظري والسيدة الحرة.
ولا يقف الكتاب عند هذا الحد، إذ في المحور الأول الذي يحمل عنوان “تاريخ على امتداد عدة قرون” يعود إلى ما قبل مرحلة التأسيس الفعلية مع القائد العسكري علي المنظري وعدد من المهاجرين الأندلسيين معه، بعدما تلقوا الدعم من علي بن راشد والي شفشاون، وبعدما سمح لهم السلطان محمد الشيخ الوطاسي بالاستقرار على أنقاض المدينة القديمة، هذه المدينة التي ظلت صامدة على مدى عقود عرفت حروبا مدمرة بعدما أغارت عليها إسبانيا والبرتغال أو ما كان يسمى في السابق مملكة قشتالة حتى عادت ركاما وحطاما، استطاع علي المنظري أن يشيد عليه مدينة ظلت منذ ذلك الحين لها صيت في كافة أنحاء المعمور وتحمل لقب زوجته التي تسلمت زمام حكم المدينة بعده “السيدة الحرة”، كما ظلت تحمل لقب “ابنة غرناطة” أو “غرناطة الصغيرة” لما تحمله من إرث وزخم تاريخي حملته أجيال لأجيال وسالت من أجله دماء زكية في حروب صد ورد لمواجهة أطماع العديد من الجيوش.
وبعد التعريف بالمدينة وتأسيسها، يقدم المحور الأول لمحة عن الكفاح من أجل سيادة المملكة، وعلاقة المدينة بالمملكة الشريفة سواء من خلال اعتبارها بوابة أمان وحدود للعبور إلى مملكة قشتالة وإسبانيا، أو باعتبارها حامية للدولة، وبين مراحل ضعفها التي هب فيها المغرب لنجدة تطوان وأبرزها سنة 1860، ثم يزيد الكتاب في سرد تاريخ الحماية بالمدينة وبروز الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة في الشمال، وصولا إلى الصحافة الوطنية التي لعبت تطوان دورا تاريخيا في تأسيسها وتطويرها بالمغرب عموما.
في المحور الثاني المتعلق بـ “تطوان والتراث”، يواصل الكتاب الجميل سبر أغوار المدينة وتاريخها، بحيث يرجع إلى تطوان بوصفها جوهرة التراث العالمي، ثم يعطي لمحة عن المنزل التطواني، وعن الأحياء والأزقة والحياة بالمدينة ولمّا كانت تسمى، أيضا بالقدس الصغيرة، قبل أن تنقل النصوص القارئ إلى مجموعة من الأماكن التي احتضنتها تطوان بداء بأماكن العبادة، ومرورا بالمتاحف وصولا إلى قاعات السينما.
ويربط الكتاب بين المحور الثاني والمحور الثالث، بحيث يتطرق هذا الأخير إلى “تطوان، ملتقى الثقافات”، وذلك باعتبارها صلة وصل بين الشرق والغرب، ومدينة لتلاقي الثقافات، أثرت فيها الهجرة خصوصا بين الأندلس والشرق، مع احتفاظها بالطابع الأندلسي، كما لا يفوت المحور الثالث استحضار نساء ورجال المدينة الذين كان لهم دور كبير في إشعاع المدينة والـتأثير في مسارها وعبرها مسار البلاد، والذين ما زالت تحتفظ بهم ذاكرة المدينة ويخلد التاريخ أسماء بعضهم، منهم مؤرخون وقضاة، وقادة سياسيون وغيرهم.
ويواصل الكتاب الاحتفاء بالتراث اللامادي للمدينة، حيث يخصص المحور الرابع لـ “ثقافة وفنون” المدينة، مبرزا مكانة المدينة في الأدب والسينما، مخصصا نصوصا تتناول تطوان في الأدب الإسباني، وتطوان في السينما الإسبانية، ثم الموسيقى التطوانية، والحركة الثقافية لتطوان، والعروض المسرحية منذ القرن السابع عشر، بالإضافة إلى تخصيصه حيزا مهما للحديث عن فن العيش بالمدينة، قبل أن يمر الكتاب إلى المحور الخامس الذي يهم “الصناعة التقليدية”، هذا المحور يقارب مدينة “غرناطة الصغيرة” باعتبارها عاصمة للحرف والفنون المغربية الأندلسية، بحيث يتطرق في نصين مهمين للزليج التطواني الذي يعتبر فريدا من نوعه، ثم لدار الصنعة التي تعد منبع الخلود وحافظة الموروث الثقافي والفني المغربي والأندلسي.
وبعدما يسبر في أغوار المدينة ويفشي أسرارها الجميلة، يصل إلى الكتاب إلى المحور السادس والأخير، والذي يخصصه للسياحة والرياضة والترفيه، إذ يقدم مدينة تطوان “الحمامة البيضاء”، كوجهة سياحية رائدة في المغرب، ويمر بالقارئ في لحظات مع شخصيات رياضية من تطوان، ويروي لنا عبر نص جميل قصة فريق أتليتيكو دي تطوان، الذي لعب في الدوري الإسباني، ليختم بنص جميل يحمل عنوان “تطوان تحاكي الذاكرة”.
الكتاب الجميل الذي أصدرته مؤسسة AXIONS للنشر والتواصل قبل أيام قليلة، يشكل، إذن، رحلة ذهاب وإياب في دروب وأزقة المدينة، ويسافر بالقارئ عبر الزمن لاستكشاف تاريخها، منذ مرحلة ما قبل التأسيس، ثم التأسيس، ثم أبرز المحطات الفاصلة في تاريخ المدينة، والمعارك التاريخية والدامية التي كانت مسرحا لها، قبل أن تقف من جديد وتمسح عن وجهها الجميل مآسي التاريخ وتحتفظ في ذاكرتها بتاريخ غني وساحر يجعل منها مدينة جذابة تلقي بسحرها على كل من يعرفها أو يحط الرحال بها، وذلك لكونها مدينة شكلت على الدوام فضاء للاحتفال بالحياة.
يشار إلى أن الكتاب الجميل “تطوان.. إرث وطموحات متوسطية”، أدار نشره كل من كريمة بنيعيش وسعد الحصيني، وشارك في كتابة نصوصه، كل من فاطمة آيت محند، عبد الواحد أكمير، امحمد بنعبود، سلمون بنعطار، كريمة بنيعيش، محمد بويسيف الركاب، مهدي شاعشوع، ماجدولين شرف الدين، إسماعيل شارية، شريفة الدحروش، حسناء محمد داود، عبد العالم دينية، عبد الرحمان الفتحي، مصطفى الحر، أحمد الحسني، يوسرى الحسني، جمال الحجام، سعد الحصيني، مخلص الصغير، لطفي المريني، أناس الصوردو، محمد التويجر، عبد العزيز الطريبق، مهدي الزواق، فيما صور الكتاب لـ “تيدي سوكان”، والترجمة والمراجعة كل من فاطمة آيت امحند، عبد العالم دينية، محمد لطفي المريني، وفي الإدارة التقنية، كمال الحصيني، وفي الإدارة الفنية والرسم كل من محمد بن لحسن وياسين بن لحسن.
كتب: محمد توفيق أمزيان