توجه جديد للقضاء بالمغرب في قضايا الإدمان: الإيداع في مؤسسة للعلاج

في سابقة تعد الأولى من نوعها، أصدر فاتح كمال القاضي بالمحكمة الابتدائية بسيدي سليمان، حكما قضائيا فريدا يخص إحدى قضايا الإدمان، حيث قضى بإيداع متهم من أجل السكر العلني البين وخرق الطوارئ داخل مؤسسة للعلاج النفسي.

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ ‏27‏/05‏/2021 حينما أوقفت شرطة مدينة سيدي سليمان شخصا عاينت عليه حالة السكر العلني، البيّن حيث كان يصيح في الشارع العام في وقت متأخر من الليل خارقا بذلك حالة الطوارئ الصحية وما تفرضه من إجراءات حظر التنقل الليلي، ودون ارتداء الكمامة.

وعند الاستماع غلى المتهم تمهيديا، اعترف بالمنسوب إليه، مؤكّدا أنه مدمن على استهلاك الخمور نظرا للمشاكل العائلية التي يعيشها، وأنه في ليلة إلقاء القبض عليه، شرب كمية كبيرة منها وشرع في الصراخ بالشارع العام دون أن ينتبه إلى دخول

وقت حظر التجوال طبقا لقانون الطوارئ الصحية.

بناء على ذلك، قررت النيابة العامة متابعته من أجل السكر العلني البين وإحداث ضوضاء وخرق الطوارئ الصحية، مع إخلاء سبيله.

موقف المحكمة

ثبت للمحكمة أن المتّهم ضُبِط من قبل السّلطات المكلفة بالبحث وهو في حالة سكر بيّن مُحدثاً الضوضاء دون أن يتقيّد بالأوامر والقرارات الصّادرة عن السلطات العمومية في حالة الطوارئ الصحية، وأنه مدمن على استهلاك الخمور نظرا للمشاكل العائلية التي يعيشها. وعليه قررت إدانته من أجل المنسوب إليه، ومعاقبته بشهري حبسا موقوف التنفيذ وغرامة نافذة قدرها 1000 درهم، مع الحكم بإيداعه داخل مؤسسة للعلاج من الإدمان على الكحول لمدة شهرين على نفقته.

تعليق على الحكم

يعتبر الحكم سابقة في طريقة التعامل القضائي مع قضايا الإدمان على المخدرات والكحول. ففي الوقت الذي دأب فيه الاجتهاد القضائي على إعمال عقوبات زجرية موقوفة التنفيذ على المتهمين في هذه القضايا لحل مشكلة اكتظاظ السجون، لجأت محكمة سيدي سليمان إلى إعمال المقاربة العلاجية التأهيلية عوض المقاربة العقابية.

المحكمة قامت بإعمال نص منسي وغير مفعل من نصوص المجموعة الجنائية ويتعلّق الأمر بمقتضيات الفصل 80 من القانون الجنائي الذي يُعرّف الوضع القضائي في مؤسسة للعلاج بأنه يعني “أن يجعل تحت المراقبة بمؤسسة ملائمة وبمقتضى حكم صادر عن قضاء الحكم، شخص ارتكب أو ساهم أو شارك في جناية أو جنحة تأديبية أو ضبطية، وكان مصاباً بتسمّم مزمن ترتب عن تعاطٍ للكحول أو المخدّرات إذا ظهر أنّ لإجرامه صلة بذلك التسمّم”.

يلاحظ أن المحكمة أصدرتْ الأمر بإيداع المتهم داخل مؤسسة للعلاج من الإدمان من تلقاء نفسها ودون أن يتقدّم المتهم أو دفاعه أو النيابة العامة بأي ملتمس في الموضوع، وذلك تفعيلا لدور القضاء كحام للحريات والحقوق وعلى رأسها الحق في العلاج.

من المأمُول أن يسهم نشر هذا الحكم وتداوله على نطاق إعلامي وحقوقي واسع في إعادة النّظر في طريقة تعامل القضاء مع قضايا الإدمان على الخمور أو المخدرات من خلال تغليب المقاربة العلاجية التأهيلية على حساب المقاربة العقابية الزجرية والتي أثبتتْ فشلها نتيجة ارتفاع نسبة العود الإجرامي.

وتجدر الإشارة إلى أن تقرير رئاسة النيابة العامة بشأن تنفيذ السياسة الجنائية لسنة 2019 تطرّق للصعوبات العملية التي تحول دون تفعيل مقتضيات مماثلة في قضايا الإدمان على تعاطي المخدرات تتيح للنيابة العامة إمكانية الاستعاضة عن تحريك الملاحقة القانونية في حق المتعاطين لاستهلاك المخدرات بإجراء فحص طبي عليهم وإخضاعهم -بعد موافقتهم- لعلاج القضاء على التسمم في مؤسسة علاجية طبقا للشروط المحددة في القانون، وهو الإجراء الذي ما يزال معطلا بسبب غياب البنية التنظيمية والمؤسساتية الضرورية لإعماله.

Related posts

Top