طريقنا الإفريقي، رهاناتنا الوطنية: الخطابان الملكيان المتكاملان

الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة الملك والشعب شدد على كون هذه الملحمة النضالية الوطنية المجسدة لارتباط المؤسسة الملكية بالشعب من أجل الاستقلال وطرد المستعمر، والدعم المغربي التاريخي لبلدان إفريقيا من أجل نيل حريتها وانعتاقها من الاستعمار، هما معا يتواصلان اليوم، ومستمران من خلال تمتين التعاون الاقتصادي والاجتماعي مع بلدان القارة، ويتكرسان ضمن مقومات السياسة الإفريقية للمغرب التي يقودها جلالة الملك.
الخطاب إذن استدعى ثوابت التوجه المغربي نحو عمقه الإفريقي، وربط ثورة الملك والشعب بمضمونها النضالي الوطني والتحرري، كما وضعها ضمن الامتداد القاري والإقليمي، وخلص من ذلك إلى إبراز أهمية الوحدة والتضامن لكي تكون قارتنا قوية وقادرة على كسب كل التحديات المطروحة عليها اليوم.
وضمن هذه المقاربة النسقية والممتلكة لبعد النظر، لم يغفل ملك المغرب الإشارة إلى ما تحقق للديبلوماسية المغربية من مكاسب على صعيد القارة، كما وجه رسائل واضحة لخصوم الوحدة الترابية للمملكة، وكرس معجم الوضوح والصراحة في الحديث إلى الدول الإفريقية منتصرا لشراكة: “رابح – رابح”.
إن تركيز خطاب الملك في:”20 غشت”على إفريقيا وسياسة المغرب تجاهها يعني أن التوجه الإفريقي للمغرب بات أساسيا ضمن سعينا التنموي وأفقنا العام.
من جهة أخرى، يبقى مهما كذلك التمعن في كون الخطاب الملكي كان مسبوقا بكثير تنجيم وتوقعات شاردة أشعل نيرانها بعض” المحللين” الطارئين، الذين تفضلهم قنواتنا التلفزيونية الوطنية وبعض مواقعنا الإلكترونية، ومن ضمنهم من كان شبه أكيد على أن خطاب الملك سيتطرق بالضبط إلى ما أمر به هو في تصريح تلفزيوني.
وكشفت هذه الظاهرة على أننا ابتلينا برهط من محترفي الكلام في شأننا السياسي لا يقل اليوم خطرهم عن مخاطر باقي تجليات عبث حقلنا السياسي وممارستنا المؤسساتية.
لقد بدا واضحا وفاضحا طيلة الأسابيع التي سبقت يوم الخطاب الملكي الكثير من الجهل والبلادة لدى بعض المنتسبين، مع الأسف، إلى سلك التدريس بالجامعة، ولم يخجل بعض المتنطعين منهم من ترديد ذات الجهل دقائق فقط قبل بث الخطاب، ثم عادوا بعد ذلك مباشرة لـ”تخراج لعينين” كأن لا شيء وقع من بين أيديهم أو من أفواههم.
السياسة العامة لبلادنا، يا أيها الطارئون، لا تصنع بموجب ردود الأفعال، وتدبير شأن الدولة لا ترسم معالمه التصريحات والرغبات النفسية والهواجس الذاتية، كما لو أننا أمام معارك الطيش بين فتيان الحواري، ولكنها تصنع بالعقل وبعد النظر، وباستحضار مقتضيات الدستور وأسس دولة القانون والمؤسسات ومرتكزات الديموقراطية وحقوق الانسان، أي بالسياسة!!!
إن خطاب الملك في ذكرى ثورة الملك والشعب عرض توجه المملكة نحو قارته وإصراره على دعمها ونموها وتقدمها ووحدتها، ولإنجاح كل هذا، يقتضي الأمر ربح تحديات الداخل الوطني، وبالتالي جعل النموذج الديموقراطي والمجتمعي المغربي هو أكبر الدعم وأهمه لبلدان وشعوب القارة، أي تماما ما كان قد تضمنه خطاب العرش من قبل، ومن ثم يعتبر الخطابين الملكيين متكاملين ومندمجين، فضلا على أنهما يحيلان، وطنيا، على ضرورة إحداث التغيير وضخ نفس ديموقراطي قوي في حياتنا السياسية والديموقراطية، وتفعيل إصلاحات جوهرية، اقتصاديا واجتماعيا وتنمويا وإداريا، وذلك بما يعزز جاذبية النموذج المغربي ويكرس تميزه إقليميا وقاريا.
خطاب الملك في ذكرى ثورة الملك والشعب وضع محاور العمل الإفريقي للمغرب، وذكر بمحورية قضيتنا الوطنية الأولى، كما أن الأجندة الوطنية اليوم تفرض تمتين جهود الكل، وتقوية العمل الجماعي داخل البلاد من أجل ترسيخ الهدوء العام أولا، ثم مباشرة أوراش الإصلاح المختلفة وتقوية مصداقية العمل المؤسساتي والسياسي وتلبية تطلعات وانتظارات شعبنا.

محتات‭ ‬الرقاص

[email protected]

Related posts

Top