في الحاجة إلى رؤية دامجة لإصلاح منظومة التربية والتعليم

تستقر كل الترددات السياسية والاقتصادية لتطور الدول ونماء حال الشعوب والأمم على مدخل رئيسي لخلق المتغير الاجتماعي في معادلة التوازنات المجتمعية، ألا وهو التعليم القوي الدامج والمنتج. فلقد كان ولازال السبيل الوحيد نحو الترقي الاجتماعي لمختلف الفئات، بل هو المرتكز الطبيعي للعموم نحو إنتاج الأطر والكفاءات في مختلف المجالات، والدليل أن كثيرا من الدول كانت في أدنى سلم التنمية البشرية، لترتقي إلى أحسن وأعلى المراتب بعد تركيزها على إصلاح حقيقي وجدري لمنظومتها التربوية التعليمية، بشكل دامج يستحضر مكانة الجميع في وطن يتسع للكل ويحقق التلاقح الثقافي والاندماج الاجتماعي.

  إن المعضلة الكبرى التي تعيشها مختلف الدول المنتمية للعالم الثالث، أو تلك السائرة في طريق النمو، هي تخليها عن دعم قوي لمنظومة التربية والتعليم العمومية، والارتماء في أحضان الحلول السهلة للنمط الليبرالي الذي ساد ضدا على أنف رافضيه جراء إملاءات الغرب والدول المانحة والأبناك الدولية، التي حضرت وتحضر توصياتها في مختلف البرامج والسياسات العمومية، على اعتبار أنها المنقذ من الإفلاس والعجز المالي للدول من خلال القروض الممنوحة، تلك القرارات المبنية على تصورات بعيدة المدى، هدفها يغاير تماما المنطلق الدافع لاعتمادها، كما يدعون بأن القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم ترهق وتستنزف الميزانية العامة للدولة، وهو الوهم المصدق  للأسف، والتوجه السلبي الذي أدت نتائجه إلى المزيد من التخلف والرجوع إلى الوراء، عكس مظاهر التقدم الحاصلة في العمران والتجهير وغيرها، لنجد أنفسنا في معترك دوائر سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، إذ كيف لنا أن نفهم تطور الاقتصاد في ظل تزايد نسب الفقر والأمية والتخلف؟ و كيف نفهم تحقيق النمو وبالمقابل نجد بروز مجتمعات مفككة إلى طبقات متنافرة غير متكاملة من الشعب الواحد.

لقد توالت الإصلاحات في بلادنا على مدى أكثر من خمسين سنة، بعد أوج العطاء التعليمي ومردوديته الإيجابية في حقب مغرب السبعينات والثمانينيات، فغالبية الأطر المتواجدة اليوم المدبرة للشأن العام الوطني والمحلي، ما هي إلا نتاج تلك المراحل الذهبية لأجيال عاشت في ظل الاستعمار، وناضلت من أجل الاستقلال وبنت بسواعدها، رجالا ونساء، مستقبل الوطن من خلال البناء المؤسساتي للمغرب الجديد، وكان للنضال في الوسط التعليمي دوره الأساس في بناء وصناعة العقل البشري المغربي التواق إلى البناء والتشييد والتغيير، فكانت المدرسة العمومية الفضاء الوحيد للعلم والمعرفة والتربية والتنشئة الحقيقية على حب الوطن والدفاع عنه، وشكلت مركز التكوين والتأطير، وكانت الجامعة أيضا محطة لتطوير الذات والتطلع للأفاق المنشودة، وشكلت هي الأخرى فضاء للنقاش السياسي والفكري الجذاب، ليتعزز الفضاء العام  أكثر من خلال روافد التكوين والتأطير الموازية الأخرى كدور الشباب وهيئات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والهيئات النقابية، في تداخل جدلي قوامه تحويل الأحلام إلى حقائق والانتصار للوطن بمجد نسائه ورجاله.

     إن ما نعيشه اليوم لا يحتاج إلى الكثير من التشخيص، فأمراض منظومة التربية والتعليم  تعددت وأضحت مزمنة للأسف الشديد، لم تنفع ولن تنفع معها المسكنات، بل تحتاج إلى عمليات جراحية متعددة. فحقا نحن في حاجة ماسة اليوم إلى إرادة حقيقية وصلبة للتغيير والإصلاح الحقيقيين، من أجل هذا الوطن المحتاج لكل واحدة وواحد من بنات وأبناء هذا الشعب الوفي، نحو بناء مجتمع متوازن قضيته الأساس بناء منظومة تعليمية قوية تعد صمام أمان التوازنات الاجتماعية، و تعتبر منطلق أوراش التنمية في مختلف المجالات وكافة الأصعدة، منظومة تعليمية غير مفيئة لا تكرس للطبقية، ولا تؤمن إلا بجودة التأطير وجودة الإنتاج والمردودية.

      حقيقة، لا توجد وصفة سحرية أمام مجمل التراكمات السلبية التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، حيث تعقد الأمر أكثر جراء المتغيرات والتحولات العالمية وآثار العولمة، لكن أمر الإصلاح لا يعد مستحيلا إذا التقت مختلف الآراء نحو رؤية واحدة وموحدة، وانبنت إرادة التغيير من خلال إيمان الجميع بأن التعليم قضية وطنية، وأن الجميع مسؤول ومدعو للانخراط العملي في هذا الإصلاح المنشود، وتم إفراز القرار بقوة مركزية دافعة، بحمولات تتلاقى مع مصالح مختلف الأطراف المتداخلة، قرار يرمي إلى فتح المجال للاستثمار المقنن في مجال التعليم للخواص تحت إشراف مؤسساتي للدولة بشكل عام، اعترافا بأن تكلفة التعليم باهظة على الحكومة كيفما كانت، ولابد للجميع أن يسهم في ذلك، لكن ليس بالشكل العبثي كما نراه ونعيشه اليوم، ولا بالصيغة التي تكرس التنافر الاجتماعي وتعزز مظاهر الكراهية والحقد بين صفوف فئات الشعب، و ليس بمنطق تبضيع التعليم وتسليعه، بل بأساليب أخرى تحمي حقوق الجميع في تلقي تعليم جيد وهادف بحجم إمكانيات كل فئة من فئات الشعب، وذلك بناء على أسس الدولة الاجتماعية التي تراعي مختلف الأوضاع، وتبحث في سبل العيش المشترك على قواعد التضامن والتآزر، إذ أن الضرورة الملحة اليوم تدعو إلى خلق رؤية دامجة للقطاع العام والخاص، باستراتيجية سياسية واقتصادية واضحة، قوامها تعزيز مكانة الدولة كمتدخل رئيسي في المنظومة التربوية، وتثبيت قانوني لمبادئ التضامن الاجتماعي والتكافل الاقتصادي.

    إن معطى إحداث السجل الاجتماعي الموحد عبر قانون 18-72 الذي صادق عليه البرلمان سنة 2019، بمثابة تأطير قانوني يمكن الدولة من آليات استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي، وإحداث وكالة وطنية للسجلات، هدفها حصر الفئات المعنية بالاستفادة وضبط التحولات الاجتماعية للمواطنين بين مرحلتي الفقر واليسر، واعتماد ضوابط اجتماعية تيسر سبل تحقيق الأهداف المرجوة من بلورة السياسات الاجتماعية إلى نتائج ملموسة، سيشكل تلك الأرضية الخصبة لزرع متغيرات جدرية في إصلاح تعليمي بنيوي يستجيب لمطالب الجميع ويتماشى ومتطلبات المرحلة الراهنة، فالكل يريد التعليم الجيد والمنتج، والكل يريد الأمن والأمان لأبنائه وبناته، والكل يريد التكوين العصري والحديث الدامج والمدمج، والكل أيضا يضحي حسب إمكانياته الذاتية من أجل بلوغ ذلك بنسب متفاوتة، ليسقط كل من موقعه  اليوم في استغلال بشع من طرف بعض الخواص ممن يستطيعون توفير جزء من مطالب المواطنين المشروعة، التي باتت مغيبة غائبة وغير متوفرة في منظومة التعليم العمومية للأسف الشديد.

  إن لجوء العديد من الفئات الاجتماعية الميسورة والمتوسطة نحو التعليم الخاص ليس بالضرورة اختيارا رفاهيا أو ما شابه ذلك، فالغالبية العظمى أصبحت مضطرة إلى الخضوع لهذا التوجه، أملا في تلقي أبنائها وبناتها لتعليم معين مؤدى عنه قد يفي بالغرض المرجو من ورائه، وهو ضمان نوعي لتحقيق الاستقرار النفسي والأمن الاجتماعي بوجه خاص، دون الالتفاف إلى مسألة المردودية التعليمية، التي يسهم فيها عمليا معظم الآباء والأمهات وأولياء التلاميذ بمجهود إضافي من طرفهم أو من طرف آخرين عبر ما يسمى بظاهرة “الدروس الخصوصية”!، لكن وإن كان هذا الاختيار ينم عن توجه مصلحي خاص بتلك الفئات الاجتماعية المعنية، فإن له تبعات ومخلفات تؤزم الواقع أكثر مما هو عليه، وتدعو للتساؤل حول مشروعية تبني هذا الاختيار حتى من لدن أطر وأساتذة ومدبري منظومة التربية والتعليم العمومية؟، بل وانخراط غالبية الفئات المتوسطة المتنورة، ومنتجي السياسات العمومية من أطر الدولة ومنتخبيها؟!، في ورش تعليمي خصوصي  فرض نفسه ضدا على رغبتهم، مستغلا الطريق المفروش له بالورود من طرف من أسهموا تاريخيا في تراجع وتدمير النظام التعليمي العمومي، فمعظم تلك الفئات الاجتماعية المعنية، لا تدري أو أنها متغافلة عن إسهامها في خلق التفاوت الاجتماعي وخلق التباعد الثقافي بين أبناء الجيل الواحد، دون أن تفكر ولو لحظة واحدة في ضريبة اختياراتها على المجتمع كله، مما كرس لطبقية تعليمية نتائجها السلبية الوخيمة  ظاهرة  للعيان في مجتمعنا اليوم للأسف الشديد.

  إن الحلول المثلى تكمن في دمج معقول ومنتج للفاعلين في القطاع التربوي التعليمي من مؤسسات الدولة ومؤسسات الخواص، وذلك بالانطلاق من مركزية التعليم كقضية وطنية للدولة تشرف عليها وترعاها، وتنخرط فيها مختلف الفعاليات المسهمة بشكل مباشر وغير مباشر، كما نص على ذلك القانون الإطار 51-17 لمنظومة التربية والتعليم، من خلال إشارته للشراكة قطاع عام خاص في المجال التربوي التعليمي، وهنا يمكن أن تتولى الدولة تأطير وإنتاج الأطر التربوية والإدارية لمختلف المؤسسات التعليمة العمومية والخصوصية معا، وتعمل هذه الأطر تحت مراقبتها وتتلقى أجورها وتعويضاتها من الخزينة العامة للدولة، بل تشرف الدولة على مباريات التوظيف والتعيين والترقي، وتعمل على تحسين أوضاعها الاجتماعية والمادية ورفع مكانتها الاعتبارية داخل المجتمع، وتصحيح الاختلالات القانونية البنيوية في أوضاعها الإدارية، كما تتولى الدولة اختيار البرامج التعليمية والتربوية ومواكبة التطور في المناهج والبرامج للمؤسسات التعليمية بشقيها الخاص والعام. وهنا يطرح سؤال الاستثمار في مجال التعليم بين مطرقة التوجه الاقتصادي المربح وسندان التضامن الاجتماعي؟ ليكون الجواب هو أن الاستثمار في هذا لقطاع ليس كباقي الاستثمارات الاقتصادية، فصناعة العقل البشري ليست تجارة وليس صناعة تكنولوجية كما تصنع “الروبوتات” أو “الإنسان الآلي” بل هو استثمار في نمو المجتمع ورقي الدولة وازدهارها، يتطلب بالضرورة خلق آليات مغايرة في هذا القطاع الحيوي كما يتوجب أيضا ذلك في قطاع الصحة هو الآخر.

   إذن، وبناء عليه، سيكون جميع الملزمين بتلقي خدمة تعليمية موحدة، خاضعين لأداء رسوم وواجبات تختلف حسب الفئات الاجتماعية ومداخيلها المادية ومكانتها الطبقية، وهو الأمر الذي أشار القانون الإطار 51- -17 دون تدقيق، سيأتي ذلك حتما من خلال النصوص التنظيمية لهذا القانون،  فتتولى الدولة ذلك ويستفيد القطاع الخاص من استراتيجية جد هامة للدولة في تدبير الموار البشرية وتحقيق الربح المادي المعقلن جراء المداخيل الثابتة والغير ثابتة. إذ بإمكان القطاع الخاص أن يكون شريكا للدولة بناء على معايير موضوعية ومقومات قانونية ومادية، تجعله يستفيد من التجهيزات والبنيات التحتية والأطر التعليمية العمومية بشروط تخدم تحقيق ذلك الإدماج المنشود، بإشراك مختلف الفئات الاجتماعية الفقيرة منها والمتوسطة والغنية.. في نفس المنظومة التربوية عامة كانت أو خاصة، حسب الاختيار الطوعي السليم، هكذا نكون أمام استفادة الجميع من تعليم متساو مؤدى عنه حقا، بنسب تتفاوت حسب دخل وتصنيف كل فئة اجتماعية من خلال محددات ومبادئ السجل الاجتماعي الموحد، تعليم مبني بالضرورة على عدالة اجتماعية ومجالية، لتحظى الفئات الاجتماعية الفقيرة والهشة من إعفاء تتولى الدولة تدبيره تضامنيا بين مختلف الفئات، فنضمن ذلك التلاقح الاجتماعي والثقافي الذي غاب عنا لعقود، بل أسهمنا جميعا في تغييبه عبر سياسة تعليمية فئوية جعلت عامة المواطنين الفقراء والمهمشين بعيدين عن الانخراط المدمج والدامج، وعبر سياسات عمومية وسعت الفوارق بين المجالين القروي والحضري.

إن لهذه المسألة الكثير من الإيجابيات على المجتمع، ولها إيجابيات أخرى على الأفراد داخل المجتمعات، كما كان عليه الحال سابقا،عندما كان أبناء جميع الفئات الاجتماعية يدرسون في نفس القسم  بنفس المؤسسة التعليمية، في وقت لم يكن فيه شيء اسمه التعليم الخصوصي، كان هناك فقط تعليم خاص بالبعثات الأجنبية، فرضته الحقبة الاستعمارية أنداك، فاستمر حضوره وأصبح هو الآخر ملجأ لبعض الميسورين في هذا الوطن، القادرين على تحمل تكلفته المادية الباهظة. والآن ستشكل العودة القوية لحضور الدولة في هذا القطاع الحيوي سندا لمختلف الفئات المتضررة جميعها من الوضعية الحالية، ويكون بذلك المخرج السليم لمحو الطبقية التعليمية وتوحيد فضاء التنافس لفائدة أبناء وبنات الشعب الواحد، حضور قانوني وسياسي يجعل من القطاعين العام والخاص رافدين لمنظومة تربوية وتعليمية وازنة تحقق الأمل في رفع الجودة وإنتاج الأطر الكفأة القادرة على تحقيق النجاح الاجتماعي الفردي، والكفيلة بتدبير شؤون الدولة والسير بالوطن نحو مصاف الدول المتقدمة.

  بذلك نكون قد انتصرنا على عدو داخلي من صناعة أيدينا، يتمثل في التخلف والجهل، حيت أنه رغم بذل الجهود تلو الجهود في إصلاح غير واقعي عبر التاريخ، أضعنا الكثير من الوقت والمال، وتاه الكل في خضم مخلفات تعليم غير سوي، كان نتاجه السلبي أكثر من نتاجه الإيجابي ولا يزال. هنا قد يعتبر البعض أن هذه الرؤية الدامجة المقترحة، صعبة التحقيق من زاوية إقناع القطاع الخاص بها، وهو المستفيد الأول الآن من الوضع القائم، الجواب يكمن في إرادة الدولة، فهي الحكم، وهي التي تمنح الرخص بفتح هذه المؤسسات، وبإمكانها فرض الشروط وبناء شراكات سندها يكون تشريعيا صادرا عن البرلمان، متجاوبا مع سياسة حكومية تضمن حق الجميع أفرادا ومؤسسات، فالواقع يبين أن تدخل القطاع الخاص أصبح ضروريا في عالمنا اليوم، وبالتالي علينا التعامل معه بمنطق الربح الاجتماعي في مقابل الربح المادي، خاصة في قطاع التربية والتعليم وقطاع الصحة هو الآخر.

وعليه يعتبر إصلاح التعليم أمرا مهيكلا لمؤسسات الدولة ومختلف مناحيها الاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن أن يقبل أي عاقل استمرار الوضع القائم كما هو عليه الحال، وبذلك يكون الجميع مسؤولا متحملا لنصيبه في تحقيق النتائج المرجوة لبلوغ الأهداف العامة، التي تضمن العيش والتعايش، وتنتصر للإرادة الجماعية في تحقيق رغبات الذات البشرية، التي تنزع نحو طموحاتها المشروعة في النجاح والتميز، والتي لابد أن تبنى على صعيد واحد محمل بالروح الوطنية الصادقة، مشبع بالإيمان المطلق بالمجتمع المتضامن ضد أي نزعة فردانية مرضية تقتل الأفراد وتدمر المجتمعات في العمق.

بقلم: جمال كريمي بنشقرون

Related posts

Top