لنقرأ هذا السلوك الفرنسي

الانتخابات البلدية الفرنسية التي جرى دورها الثاني الأحد الماضي، وإن كانت رهاناتها السياسية وأهميتها الانتخابية العامة محدودة ولا تحدث تداعيات وطنية كبرى، فهي، مع ذلك، تبعث على الاهتمام والقراءة.
لقد جرت في خضم مسلسل الخروج من الحجر الصحي، ووسط كل ما نجم عن تفشي فيروس”كوفيد-19″، وبذلك هي تحيلنا على درس مركزي يتعلق بإصرار فرنسا على الاختيار الديمقراطي المؤسساتي، أي برغم كل الظروف الصحية والمجتمعية الصعبة، وفِي ظل الإجراءات والتدابير الاحترازية، جرى تنظيم انتخابات محلية لاستكمال المنظومة المؤسساتية العامة للبلديات.
طريق مواجهة الأزمات والشدائد يمر كذلك وأساسا عبر الالتزام بالديمقراطية واحترام إرادة الشعب.
صحيح أن هذا الاقتراع المحلي والتكميلي لم يشهد إقبالا مكثفا للناخبين، لكن يبقى ذلك طبيعيا في سياق الظروف المجتمعية العامة المعروفة، بل، وعند إجراء المقارنات قد نعتبره ايجابيا ومهما، ويمثل حرصا مجتمعيا على كسب التحدي الديمقراطي.
من جهة ثانية، ورغم أن نتائج هذا الدور الثاني من الانتخابات البلدية لا يمكن إسقاطها لمعرفة توجهات الناخبين في الاستحقاقات الوطنية المقبلة، أو البناء عليها من الآن لتحديد مؤشرات الخارطة السياسية والانتخابية الفرنسية في المستقبل القريب أو المتوسط، لكن الاختيارات التي نجمت عن هذا الاقتراع ستكون لها، مع ذلك، آثار وتداعيات في السياسات والبرامج، وعلى صعيد الحياة السياسية في المقبل من مراحل بفرنسا.
إن الفوز الهام وغير المسبوق الذي تحقق للخضر، مثلا، في عدد من البلديات والجهات، وبرغم ما قد يكون عزوف الناخبين ساهم في تحقيقه، فهو يكشف، في كل الأحوال، عن حضور قضايا ومشكلات البيئة في الواقع المجتمعي وفِي مزاج الشعوب الأوروبية.
أيضا تحالفات الخضر في عدد من المناطق مع قوى اشتراكية وشيوعية وغيرها، أتاح، بحسب كثير مراقبين، تحقيق هذه النتائج.
ويعني هذا، أن تحالف المدافعين عن البيئة وأحزاب اليسار في عدد من البلديات ربما يمنح مدخلا مهما للمستقبل.
وفي مقابل هذا، لم ينجح اليمين المتطرف في فرنسا في استغلال القلق المجتمعي وتداعيات مرحلة “كوفيد-19″، كما لم يستطع الجمهوريون، من جهتهم،  الحصول على نتائج قوية برغم فوزهم بعدد من البلديات الصغيرة والمتوسطة، والأكثر إثارة للاهتمام الفشل الكبير الذي مني به حزب الرئيس الفرنسي. وكل هذا يعني أن المزاج السياسي والانتخابي العام وسط المجتمع الفرنسي يشهد بداية التبدل، ويمكن للمرحلة السياسية القادمة أن تعرف تنامي وتطور هذه المؤشرات الأولية، وذلك على مستوى الحضور الأكبر لتيمة البيئة مثلا، ولتعزيز التحالفات بين الخضر وقوى اليسار ضمن أرضيات عمل مشتركة. ومن شأن هذه التبدلات في القضايا ذات الأولوية لمرحلة ما بعد “كوفيد-19″، وميولات المزاج السياسي العام للمجتمعات الأوروبية ووسط الناخبين، أن تؤدي إلى تغييرات في الخارطة الانتخابية والسياسية الوطنية والعامة في فرنسا وفِي بلدان أوروبية أخرى.
الدرس الجوهري لنا نحن، هنا، والآن، يبقى هو مركزية الخيار الديمقراطي، وضرورة خوض مسلسلات البناء والتنمية عبر الإصرار على تطوير الديمقراطية والتعددية وتطبيق مقتضيات الدستور واحترام المؤسسات، كما أن التغيير وإنجاح الإصلاحات وكسب رهانات السياسات والبرامج يكون من خلال قوى سياسية جدية وذات مصداقية، وعبر تحالفات واضحة وحقيقية، وانطلاقا من الإنصات الذكي لمطالب الناس والانشغال بالقضايا والانتظارات المعبر عنها.

< محتات‭ ‬الرقاص

[email protected]

Related posts

Top