مبادرات الأحزاب…

في مناخ سياسي وطني يعاني من ضعف كبير في التواصل، ولو في حده الأدنى، بين الأحزاب والقوى السياسية، وغياب أي مبادرة حقيقية تنبثق من حوار بين أحزاب، يمكن اعتبار اللقاء المشترك الذي جمع قيادتي حزب التقدم والاشتراكية والحزب الاشتراكي الموحد قطرة أولى يؤمل أن تفضي إلى لقاءات أخرى مماثلة، وإلى قطرات تسبق الغيث، أي أن تبرز تحالفات حزبية قوية ومنطقية تغني الحوار السياسي الوطني وتعزز دينامية المشهد العمومي.
من المؤكد أن لقاء PPS وPSU كان أوليا، واكتفى الحزبان عقبه بالإعلان عن «عزمهما مواصلة التشاور والتعاون على أساس ما يجمعهما من مبادئ وتطلعات مشتركة»، لكن هذا اللقاء نجح، على الأقل، في التأسيس لبداية حوار مباشر بين تنظيمين يساريين، ووقع اتفاق على الاستمرار في التفكير المشترك في سبل مواصلة الحوار والتعاون، والعمل لتعزيز مجالات النضال المشترك.
القطرة الأولى هذه يجب أن تحقق امتدادها لتشمل قوى يسارية وتقدمية أخرى، وأيضا أحزاب وطنية جادة وذات مصداقية، وأن تتطور ديناميات الحوار والتواصل والعمل المشترك بين القوى السياسية الحقيقية والجادة، وبالتالي أن تتحول العقلية المتفشية في الساحة السياسية الوطنية اليوم من عقلية الجفاء والقطيعة والعداء إلى عقلية أخرى مختلفة تقوم على العمل المشترك والتكتلات، أو، على الأقل، على بلورة مبادرات سياسية وبرنامجية مشتركة من شأنها تقوية حيوية الحقل السياسي والحزبي الوطني وتمتين جاذبيته وإبداعيته.
النفور المستشري اليوم بين الأحزاب وقياداتها، وانعدام أي برامج نضالية أو ترافعية مشتركة في الميدان، لم يؤثر سلبا فقط على عمل الأحزاب وحدها، ولم يؤد فقط إلى تفقير الساحة السياسية والنضالية الوطنية، ولكن كانت له تداعيات وخيمة على باقي مجالات الفعل النضالي والتعبوي وسط شعبنا، وتوالت التراجعات على أكثر من صعيد، وهذا ما يجعل مسألة استعادة الحوار والصلات بين الأحزاب الوطنية الجادة ضرورة مجتمعية وسياسية ذات أولوية.
وضمن هذا الأفق العام يمكن إدراج لقاء قيادتي التقدم والاشتراكية والاشتراكي الموحد، أي ضمن فلسفة السعي لتقوية الحوار بين القوى الديمقراطية، والتأسيس لمسار التشاور والتعاون فيما بينها، وتمتين العمل النضالي المشترك.
بلادنا تشهد العديد من التحولات، فضلا عن أزمات ومعضلات اجتماعية واقتصادية، كما أن حالة قلق تتفشى وسط المجتمع.
وإذا أضفنا إلى ما سبق، ما يعانيه العالم من أزمات وتبدلات مهولة، فكل هذا يفرض إعمال التفكير من لدن الجميع حول مهمات المرحلة، وحاجة بلادنا وشعبنا إلى انفراج ونفس سياسيين جديدين، ومن ثم الحاجة إلى فعل سياسي مختلف.
العمل السياسي بدوره صار عندنا يعاني من التدني، واخترقته، منذ سنوات، كثير ممارسات تحايلية وريعية وانتهازية، والقوى السياسية باتت تعيش مشكلاتها الداخلية المختلفة بشكل منعزل، وكل هذا عزز النفور العام من السياسة، ومن العمل المنظم بشكل عام، وتقلص حضور البدائل في الساحة، وهذا يفرض اليوم العودة إلى العقل، وتعميق التفكير، ليس وفق حسابات أنانية وذاتية قصيرة، ولكن بحجم الوطن ورهاناته، وضمن الانشغال الواعي بمصلحة شعبنا وتطلعاته الديمقراطية والتنموية.
لترفع إذن الأحزاب الديمقراطية الجادة عنها رداء الجمود والتكلس، ولتبتعد عن الأنانيات العقيمة، ولتبدأ التأسيس لطريق أخرى مغايرة لما هو عليه الحال، ولتكن البداية بمبادرات سياسية ونضالية نوعية وجادة، وذلك حتى تستعيد قدرة الفعل.

<محتات‭ ‬الرقاص

[email protected]

Related posts

Top