بحضور نخبة من الفنانين والمثقفين والإعلاميين والأساتذة والطلبة، وبتنسيق مع جمعية أصدقاء متحف الطنطان، نظمت بالمدرسة العليا للفنون الجميلة في الدار البيضاء محاضرة تخصصية ألقاها الباحث في الجماليات ومدير المعهد العالي للموسيقى في صفاقس بتونس د. محمد بن حمودة، في موضوع “الإبداعية التشكيلية المعاصرة ـ ثورة ثقافية”، وذلك صباح يوم الجمعة 25 مارس 2022. أدار اللقاء الناقد التشكيلي إبراهيم الحَيْسن وفي مستهله ألقى مدير المدرسة المبدع سعيد كَيحيا كلمة افتتاحية رحب فيها بالأستاذ المحاضر وبالضيوف والأطر التربوية الحاضرة، مبرزاً قيمة الأستاذ المحاضر وكذا قيمة موضوع اللقاء، أملاً أن تتكرَّر مثل هذه اللقاءات التي تندرج ضمن الإشعاع الثقافي والفني الذي توليه المدرسة أهمية قصوى، ليلقي عقب ذلك الباحث والناقد الفني د. عبد الله الشيخ كلمة عن الأطر التربوية بالمدرسة مبرزاً فيها الأبعاد البيداغوجية والتثقيفية لمثل هذه اللقاءات ومؤكداً على الحاجة إلى مناقشة مثل هذه المواضيع الرَّاهنة مع ما تطرحه من أسئلة متجدِّدة لفهم البنيات الأساسية للإبداعية الفنية المعاصرة في اتصالها بالفكر والثقافة.
من ثورة الفكر إلى ثورة الثقافة
وبعد عرض مجموعة من أغلفة إصداراته مع تعليقات، قدَّم الباحث بن حمودة محاضرة استعرض فيها مجموعة من المفاهيم والسياقات الفكرية والثقافية والجمالية التي يندرج فيها هذا الموضوع، مستشهداً في ذلك بنماذج إبداعية وكتابات تنظيرية قاربت هذا الأمر من زوايا متنوعة، من ذلك قول إيميل زولا: “لقد كان عليّ أن أنسى الكثير من الأعمال التي أحببتها من أجل أن أحب الجديد” (يقصد أعمال مانيه)؛ والجديد المقصود لا يندرج في نطاق الأغراض ولا يتعلق بالتقنيات ولكنه يتمحور حول رهانات ثورة ثقافية جديدة؛ وتتمثل جدّتها في أنها ثورة على تلك الثورة الفكرية التي سبقتها تاريخيا والتي اقترنت بثورة الفنان الكلاسيكي على العمل الفني الخاضع لمواصفات صاحب الطلبية والعمل في المقابل على أن لا يلتزم المبدع إلا بمقتضيات إلهامه الداخلي. والواقع أن هذا الجديد الذي أذعن له “زولا” له صلة بمراجعة ميل المؤسسة الفنية للمبالغة في إعلاء منزلة المنتوج الفني وذلك من أجل الانفتاح على إمكانية التوافق على معايير نخبوية جديدة. ومن أهم عناصر جدتها هو طابعها المفارق، بما أنها تحرص على الجمع بين شرط التميز، من ناحية، وبين كونية الحق في تلك النخبوية، من ناحية أخرى. ولذلك صعب على “زولا” التفاعل مع الجديد الذي طرحته الانطباعية وذلك لأنها استهلت مسارا يربط الأصالة بالمتشابه وليس بالمباين.
وقال الباحث بن حمودة أن التدرج في تبسيط المسألة يمنح إمكان الانطلاق من واقعة تكرر رفض لجنة الفرز المشرفة على المعرض السنوي الذي تقيمه الأكاديمية للوحات شباب جديد يرسم بطريقة مختلفة؛ وهو ما تسبب على مر السنين في إحداث لغط أصبح حديث الصحف والساحة العامة؛ مما جعل صدى الإقصاء المذكور يبلغ مسامع السلطة العليا؛ خاصة بعد الصدمة التي أحدثها، سنة 1863، عرض “ماني” للوحته الموسومة “غذاء على العشب”. وفعلا، واجه نابليون الثالث الإشكال الفني المذكور باتخاذه لقرار إداري – سياسي (تلفيقي) فاستحدث معرضا سيكون مخصصا للمرفوضين ويكون، بالتالي، في حلّ من الالتزام بالمقاييس الأكاديمية؛ وإلى اليوم يُشار لهذا المعرض باسم “معرض المرفوضين”. والحاصل هو أن هذا المعرض بدا وكأنه قد أعلن عن المنحى الذي سيأخذه التشكيل المعاصر في تعطيل “الاعتماد الأكاديمي”. ولكن على أي أساس يمكن القول أن “معرض المرفوضين” أعلن عن الخط التحريري للإبداعية الموالية له؟ الجواب عن هذا السؤال يبدو بسيطا ولكنه خطير؛ إذ يمكن القول إن الشباب الانطباعي سمح – عندما قام بتعطيل “الاعتماد الأكاديمي” – بمضاعفة المرجعية الإبداعية الممكن اعتمادها: إذ إلى جانب مرجعية “الفن” أصبح من المتاح اعتماد مرجعية “اللافن”. هكذا وضع “معرض المرفوضين” حدا لأحادية المنوال الفني الذي انطلقت أسسه مع عصر النهضة الأوروبية معلنا بذلك عن ظهور أصناف من الإبداع تتميز بعدم تمحورها حول الأكاديمية وتفاعلها، في المقابل، مع مقاييس جديدة تسمح بالانفتاح على مضمرات العصر الذي تعايشه تلك التعبيرات الابداعية، كل لحسابها الخاص ومن منطلقها الخاص. يبقى أن نعرف السبب الذي لأجله علق المرفوضون “الاعتماد الأكاديمي” كما عطّلوا – بسببه – “حاكمية الفن”.
في هذا الخصوص، قال بن حمودة أيضاً: لابد من التشديد على واقعة أن الشباب الانطباعي -ومن ورائهم مختلف التيارات المعاصرة المستلهمة لمنوالهم – قاموا بنقل محور العملية الابداعية من سجل القدرة على اصطناع الأغراض وعلى توظيف التقنيات والسرديات إلى مجال القدرة على تمييز جوهر الأشياء. هكذا يمكن القول إن مدار الخصومة بين التصوير الأكاديمي والشباب الانطباعي تلك المنزلة التي يعقدها كل طرف منهما لجوهر الأشياء. إذ من فرط تمحور التصوير الأكاديمي حول المرئي انتهى به الأمر إلى فقدان القدرة على ملامسة جوهر الأشياء وذلك بحكم أن الأخير هو في عداد الظواهر المتوارية.
مضيفا أنه في المقابل، أوجز الفنان المعاصر ثورته الثقافية في شعار مفاده أن: “لدينا الأغراض وليس لدينا مشاريع”. وعلى نقيض الأغراض يتطلب المشروع تعاطيا يجمع بين التطبيقي والجوهري. كذلك، فإنه على نفيض القطائع التي يقتضيها الفكر – بحكم خلطه بين المعنى والدلالة – فإن الثقافة (بدلالة الثقافي وليس بدلالة الثقافة العارفة تستدعي تطوير فاعلية ‘التلقف”. ذلك أن الأخيرة تراعي الكفاءة التي تحسن تدبير فاعلية “إعادة القول” التي أشار إليها بلانشو بقوله: “من ذا الذي سيهتم بقول جديد، لم يسبق تداوله من قبل؟ ليس المهم أن نقول قولا، وإنما أن نتلقف قولا سابقا وضمن هذا التلقف، يمكن أن نضمّن في كل مرة قولنا غير المسبوق. “مفاد القول إنه لابد من التوفر على القدرة على تنزيل الفكرة الجديدة على نحو يأخذ في اعتباره السياقات السابقة عليها وهو ما يقتضي من المجدد الانخراط في علاقات قرب ومؤانسة مع من يشملهم المقترح الجديد. فبعد أن كان الفكر يحتكر كفاءة الاستجابة للكلي أصبح الحميمي قادرا هو أيضا على التوفر على نفس الكفاءة ولكن على قاعدة التعاطف والتوجد.
ليخلص الباحث المحاضر إلى فكرة مفادها أنه يمكن القول إنّ مدار الرهان هو التسليم بمركزية التجربة الشخصية ولكن كما باشرها دولوز؛ أي مركزية لا من منظور مقولة “الفاعل المؤسس”، ولكن من منظور أولوية الحدث، وبالتالي من منظور إحداثها لسيرورة بلا فاعل تحتاج إلى تدبير أكثر من احتياجها إلى بناء صوري أو بلاغي، ومنه تطلبها تصدير الموقف على المعرفة. على هذا الأساس كان دولوز دائم التذكير أنه – مثله مثل أرتو- يكتب للأميين؛ قاصدا بذلك أن فلسفته تختلف عن فلسفة الحداثي – التي كانت بالأساس تنويرية – لتتمحور حول رهان وضع حد لتقسيم العمل الاجتماعيّ الذي ينقسم بمقتضاه النّاس إلى فئتين، الأولى منتجة للقيم والثانيّة مستهلّكة لها. وعلى هذا الأساس فقد كان الفاعل الرمزي المعاصر يوظّف منهجاً لا يهتمّ بالوضوح لأنّه يهتمّ بما هو أهمّ: توليد النّديّة وخلق شروطها. وفعلاً، فإنّه من هذا المنظور لا يعتبر مبدعاً فقط مَنْ صاغ نسقاً فلسفيّا أو من أبدع رائعة فنية، بل يشمل الإبداع كذلك كل من يستطيع أن يدخل مع هذه الأفعال في أي صنف من أصناف علاقات الندية، فيمكنه بالتالي أن يتمثلها بحيث يستطيع مثله مثل مقترحها أن يستلهمها ويحوّلها خبرات تخصب معيشه ومعيش من حوله. ولأن الحادث الأبسط يجعل من الإنسان رائيا فقد شدد دولوز على أنه “يبدو أنّنا حيال تخم جديد: إنّ هذا الذي يتشرّب المعطيات كافّة لن يكون سوى ظلّ للعالم، ظلّ عبوديّ له”.
في ختام المحاضرة فتح باب المناقشة حيث طرحت أسئلة متنوعة أغنت اللقاء وفتحت مساحات إضافية حول هذا الموضوع الرَّاهني الشيق، مع توزيع شهادة شرفية وشهادة الاستحقاق على المحاضر ومؤطر اللقاء، إلى جانب بورتريه للباحث محمد بن حمودة أنجزه الطالب حسن الفايز.
وكان، قبل ذلك، أجرى الباحث محمد بن حمودة لقاء تواصليّاً يوم الأربعاء 24 مارس 2022 مع طلبة المعهد العالي للصحافة والإعلام في مراكش، تميَّز بإلقاء عرض حول موضوع “الفن في الفضاء العمومي” بأستوديو IFJ SUP أطره ذ. سيدي حيدة محمد عز الدين مدير المركز الثقافي الداوديات. في مستهل العرض، ألقى ذ. عبد الله إمهاه مدير المعهد كلمة رحب فيها بضيف المعهد ومنوِّهاً بمساره البحثي الأكاديمي وكذا بأهمية موضوع اللقاء الذي عالج مسألة تداول الفن وامتداداته في الزمان والمكان.
من الساحة العامة إلى الضاحية العمرانية
في هذا اللقاء أبرز الأستاذ المحاضر د. محمد بن حمودة أن من الجائز القول إنّ مسار المرور من الحداثة إلى المعاصرة قد تابع تطوره في ضوء تفاعل رهانه مراجعة علاقة الفني باللافني. ومن مظاهر تلك المراجعات ما طرأ من تحولات على مفهوم الإقامة الفنية وما استتبعته من انفتاح على خبرات رهيفة كانت صورية الفن الكلاسيكي تعتبرها لزاجة غير قابلة للمعالجة الفنية. لا عجب إذن أن لا يواكب النقد المتحور حول الكلاسيكية الصيرورة الإبداعية في فعلية تحققها وأن يقصّر في بلورة الفرق بين الإبداع والإبداعية، بين رغد العيش وجودة الحياة، بين الميديا والتداولي، بين الصلاحية العملية والصلاحية الوجودية، بين المعرفة والخبرة، بين الدلالة والمعنى الخ…. والشارع، في الواقع، هو منوال قبل أن يكون مكانا، وهو أقرب للمجتمع المحلي منه للمجتمع العام. ومعلوم أنه، وبعكس المجتمع المحلي الذي هو “الطريقة الصادقة والدائمة للعيش معا، فإن “المجتمع” انتقالي وسطحي. لهذا تشير كلمة “مجتمع محلي” عادة إلى مجموعة من الناس يشتركون في الحي نفسه أو المصالح ذاتها. ولهذا تميز الأخير عن “المجتمع” بكونه أكثر تآلفا، وتركيزا، وترابطا، في حين أن “المجتمع” غير شخصي، ومنتشر، وواسع. ولعلنا لا نجانب الصواب حين نقول إن المعاصرة الفنية التي انطلقت تباشيرها الأولى مع الانطباعيين انطلقت من الشارع ولذلك رفضت المنوال الفني الكلاسيكي بحكم نشأته وتطوره في البلاطات وفي القصور واستلهمت فنا رأى النور في المقاهي وانطلق مع جمهور الأطفال والشيوخ وعامة الناس، عنيت بالحديث السينما. وبنفس رجع الصدى نشأت النخب الثقافية اليسارية التونسية في نوادي السينما قبل أن تتوزع ضمن ثنايا مؤسسات المجتمع، فاقدة أحيانا الصلة الفعلية بالشارع وإن حافظت عليها رمزيا ومعياريا.
وأضاف المتحدث أن الحاصل، هو أن المرور من الأنالوجي للرقمي من شأنه أن يربك النخبوية لأنه يجعل عددا من الكفاءات والامتيازات المتولدة عن ملكية المعلومة – التي كانت تختص بها الطوائف المهنية – على ذمة الجميع، وهو ما يسمح بانبجاس أصوات كانت مهمشة في قاع المجتمع وتموقعها ضمن السطح الأمامي للمشهد الاجتماعي العام؛ ولهذا لا يصح الحديث عن الفنون الرقمية بقدر ما يصح الحديث عن ثقافة رقمية وذلك على أساس البعد الترابطي الملازم للفاعلية الرقمية. وعلى هذا الأساس كان المرور نحو مجتمع المعلومة مترافقا مع نهاية مجتمع المعرفة. ومع ذلك فإن هذا التحول التقديري يظل في شكله التجريدي البحت مفتوحا على الأفضل كما يضل مفتوحا على الأسوأ؛ وحدها القوى المتصارعة تنجح في ترجيح هذه الإمكانية أو تلك. والواقع، هو أنّ أسبقية الرابط والتأطير الشبكي أصبح يسمح للقاء ضمن نطاق الشارع بالتوفر على معدل تضامن مرتفع.
إضافة إلى ذلك، اعتبر الباحث بن حمودة أن الحاصل كذلك هو أنه لم تعد المدينة الأوروبية المعاصرة تعتمد على وساطة “الساحة العامة” ومقارباتها السياسية والفكرية، بما أنها أصبحت مدعوة للانفتاح على سكان الأحياء لا بوصفهم سكان قاع المجتمع ولكن بوصفهم تكريسا لمنوال جماعية يمر من الالتزام بقيم المواطنية إلى التمحور حول الخيارات الترابطية. ضمن هذا السياق العمراني، يصبح للعامل الجغرافي والترابي دوره الحاسم في الحفاظ على حواس الشم والتذوق خلال الإقامة في الأحياء، أو تناول الطعام مع آخرين، وفي خلق الخطاب والصورة. بشكل مواز، سيتم الحرص على مواكبة مجريات سيرورة النقلة من إنجازات الفن الرقمي إلى معطيات الثقافة الرقمية؛ خاصة وأن المصادر الثانوية مثل الأنترنت والروايات والإبداع بأصنافه، تعكس وتعمم التخيلات الشائعة في عمليات إحياء الذكرى. وتمثل الأنترنت أحد المجالات التي يمكن من خلالها إحياء إشعاع الأحياء السكانية بطريقة تصويرية وتسجيلية بحيث يتم تلافي عدم كفاية معايير عمل الساحة العامة وما تحيل عليه من توجه نحو استيعاب العامل العمراني ضمن مقاييس العامل المعماري. في المقابل، سيتم العمل على رد الاعتبار للإقليم وللترابي Territorial في علاقة بالسياقات المدنية، وذلك من خلال اعتماد “الترابي” كمفردة وهو ما سمح كذلك برد الاعتبار لمقولة “العمراني” Urbain و”الحضري” وبالتالي العمل على تخطي التعارض بين “البلدي” و”الريفي”.
وقد ترك اللقاءان معاً صدى واستحساناً طيّباً من طرف الحاضرين، بالنظر إلى القيمة العلمية للأستاذ المحاضر وكذا المواضيع التي تناولها والتفاعل الجيِّد والنقاش المثمر الذي صاحب اللقاءين في مراكش والدار البيضاء.
بيان اليوم