حان وقت الاستيقاظ…

الخطاب الافتتاحي الذي ألقاه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، زوال الخميس الماضي في بداية فعاليات الجامعة الصيفية لمنظمة الشبيبة الاشتراكية التي أقيمت بأزمور، مثل مرافعة سياسية وطنية وأخلاقية حقيقية من أجل مصلحة ومستقبل البلاد.
لقد استحضر الأمين العام مأساة مقتل الشابة حياة، وذكر أن مئات الآلاف من الشباب يعيشون نفس وضعيتها الاجتماعية، وكثير منهم أضحى يفكر في مغادرة الوطن، ولفت إلى خطورة هذا الأمر، معتبرا أن ذلك يسائل اليوم الأحزاب والحكومة والنقابات والجمعيات، ودعا، على ضوء ذلك، إلى ضرورة الاستيقاظ والتعاطي مع الأحداث بالجدية اللازمة.
لم يكن الأمين العام يلتف حول الكلمات أو المعاني، وإنما كان يمسك بوضوح التعبير والأسلوب، وبالكلمات المباشرة، قناعة منه بدقة المرحلة، وبضرورة الوعي بالخطر الذي يهدد اليوم بلادنا، والذي قد يؤدي، في حال استمرت الأوضاع المأساوية للشباب على ما هي عليه من انسداد أفق، إلى نتائج ومآلات لا تحمد عقباها.
لم تكن لغة حزب التقدم والاشتراكية هنا سوداوية أو تشاؤمية أو قاسية أو مروجة للإحباط والتيئيس، ولكنها كانت، كما دائما، صريحة وواضحة، وتقوم على “تحليل ملموس لواقع ملموس”، ومن ثم هي تستحق أن ينصت لها.
في المشهد السياسي والحزبي الوطني، وكما لو أن ما يعانيه من جمود وانتظارية جراء ممارسات عديدة ومتتالية ليس كافيا، فإن بعض مكوناته لم تتردد في خلق ملهاة أخرى لتزجية فراغها الفاضح، وشغلتنا هذه الأيام بتراشق كلامي بئيس فيما بينها.
بعض هؤلاء السياسيين لا يجتهدون سوى في “السنطيحة” وقلة الحياء و”تخراج لعينين” وإنتاج الضحالة والجهل، ومن ثم يصعد تنبيه حزب التقدم والاشتراكية قويا وعاليا ممسكا بالعقل وبعد النظر ليحذر الجميع من الاستمرار في إشاعة الهذيان واللامعنى، ولينبه الكل إلى أن البلاد أتعبتها هذه السخافة التي يتقيأها بعض أشباه السياسيين، ومثل المخبولين هم يصرون على السخافة ويبدأون حتى في… تحليلها والتنظير لها.
البلاد اليوم، بدل ذلك، هي في حاجة إلى قول الصراحة علانية، والإقرار بأن التغيير يجب أن يشمل السياسة ابتداء وأساسا، وأن يتكرس المعنى في كامل مستوياتها وحواليها. 
ليس مقبولا أن تفشل ممارسات ومخططات وبرامج وتوجهات قبل بضع سنوات فقط، وهي كلها كانت قد انطلقت من العقلية نفسها أول مرة، وجرى الترويج لها على هذا الأساس، وتم تخويف الكثيرين من انتقادها أو رفضها، ولما أفلت نجومها، أو أن قادتها، وحتى الطبالون الذين كانوا ينفخون في خوائها، انكفأوا كلهم على ذواتهم الخاصة وأخرست ألسنتهم، لا يخجل آخرون اليوم من الخروج علينا لإعادة تكرار ذات الصنيعة وإنتاج نفس العمى الذي أوصلنا إلى الانسداد.
هذه الوجوه التي تحاول اليوم صناعة الوهم حوالينا، وخلق أجندات ومواعيد وسقوف وهمية أخرى، هي لم تستفد من دروس وإخفاقات الماضي القريب، وأيضا هي تنسى أصلها نفسه ومن أين أتت، وبعض رموزها التي تتقدم صفوفها لا تستحيي من الحديث عن التغيير، برغم علمها وعلم الجميع أنها كانت دائما عدوة كل تغيير إيجابي، وبأنها لم تحل بعد مشكلتها الخاصة التي تبقى مرتبطة في أصلها وامتدادها بأسلوب سياسي ماضوي لم ينظف حواشيه بعد من الرواسب الموروثة والباقية…
إن من يسمح اليوم لنفسه بإنتاج كلام غير مسؤول في السياسة، أو يتقيأ على الناس خطابا مسطحا ومتكلسا لا يقود البلاد سوى إلى المجهول، عليه أن يعرف قبل ذلك هو نفسه من أين أتى، وأن يعي الحجم المهول للضحالة الملتصقة به تاريخيا، وأيضا الفضائح التي يذكرها كل الناس وتتصل به، شخصا وهيئة….
حزب التقدم والاشتراكية، من جهته، وبرغم كل ما استهدفه في الفترة الأخيرة، وما تلقاه من ضربات، هو لم يرتم في صحون المزايدة أو نفخ الأوداج أو الكلام الشعبوي، وإنما بقي ممسكا بالعقل وبرصانة الفكرة واللغة والقول والهدف، واختار أن يدق نواقيس التنبيه في وجه كل الفرقاء، وأن يدعو إلى الانتصار للوطن و… للمستقبل.
إلى…”المعقول” إذن، وليستيقظ الجميع.

< محتات‭ ‬الرقاص

[email protected]

Related posts

Top