الترجمة الأمينة الخيانة والخائنة الأمانة

-5-
إذا كان لابد من ترجمة الشعر، فليضطلع بمسؤوليتها الجسيمة وينهض بأعبائها الثقيلة، ترجمان أشواق المحبين، الذي هو الشاعر نفسه، أو من لديه ملكة الشعر، ومعرفة بأسرار اللغتين، المترجم عنها والمنقول إليها.
ولكن، ما هي الترجمة الملائمة لنقل رسائل العشاق من وإلى كل الآفاق : الترجمة الشعرية، في قالب الشعر الموزون المقفى، الشديد القيود، العمودي التقليدي، أم الترجمة النثرية، في شكل النثر، المرسل، الحر، أو بالجمع المبدع بين الحسنيين: النثري والشعري المرسلين، حرّين طليقين؟
! وأضيف إلى الترجمة النثرية النقل الحرفي بالذات

منذ انتعاش حركة الترجمة والنقل والتعريب في العصر الحديث كانت لأساطينها وسلاطينها مذاهب فيها شتى : بين مقيد ومطلق للعنان واللسان، وخائن وأمين، ومتصرف وحاذف ومضيف، ومقدم ومؤخر، ومختصر ومفسر ، و حَرْفي النقل عن النص الأصلي.
في الحقبة الخصبة الأولى لحركة الترجمة الأدبية الحديثة كانت السيادة والريادة للترجمة الأدبية النثرية_ والحَرْفية_ التي كان الإقبال عليها أشد من الإقدام على الترجمة الشعرية التي تليها.
كانت الريادة في الترجمة الشعرية للعلامة سليمان البستاني الذي ذهب إلى أن الشعر إذا ترجم نثرا ذهب رونقه، وبهت رواؤه، لذا نقل إلياذة هوميروس بأسلوب الشعر الموزون المقفى العمودي،
-في أحد عشر بيت من الشعر العربي- أو النقل الشعري، الذي وصفه طه حسين بالنظم. بينما يميل آخرون معاصرون إلى الترجمة النثرية، لاعتقادهم أن الوزن ليس كل شيء، كما رأى الجاحظ في عروض القريض العربي، بل “المهم هو الامانة في نقل المعاني والصور والخيال، مع المحافظة على الروح في الأثر المنقول”.
غير أن الترجمة الحرفية بالذات ربما هي الأقرب إلى تقمص روح النص الأصلي، كما لدى مترجمين ملتزمين بالأمانة مثل شيخ النقل الحرفي الأمين عادل زعيتر القائل: “راعينا مبدأ حرفية الترجمة من أول الكتاب إلى آخره، مع الانسجام وعدم الإبهام”
ومن “محفوظاتي” الفارسية، هذا البيت اليتيم الذي بقي عالقا بالذاكرة من دروس الفارسية أيام الطلب الجامعي على يدي مدرسيها الفقيدين العزيزين عبد اللطيف السعداني والعلامة محمد بنتاويت التطواني الذي درسنا إياها من خلال أشعار الشاهنامة للفردوسي ورباعيات الخيام وامتحننا فيها: وهو البيت التالي:
بالفارسية:
– كر كوهري طاءتت نسفتم هركز
نوميد نايام زبركاهي كرمت.
بالترجمة الشعرية:
– لو لم أكن أخلصت في طاعتك
فإنني أطمع في رحمتك.
وفي الترجمة الحرفية:
– إذا لم أنظم أبدا جوهر طاعتك
فأنا أطمح إلى زبرجد كرمك.
فماذا ضاع في الترجمة الشعرية؟ وماذا بقي في الترجمة الحرفية؟
! وأيهما أقرب منالا! وأرحب مجالا! وأحبّ جمالا
يتبع

في إصدار جديد يعرض قريبا بعنوان:
“من دروس الأدب الروسي”

 بقلم: إدريس الملياني

Related posts

Top