الجنوب يعانق الشمال

>  مبعوث بيان اليوم إلى تطوان: سعيد الحبشي
“الجنوب يعانق الشمال” بهذه العبارة أوجز المخرج داوود أولاد السيد، التعبير عن سعادته بتكريمه في حفل افتتاح الدورة الثانية والعشرين من مهرجان تطوان الدولي لسينما البحر الأبيض المتوسط، التي انطلقت فعالياتها مساء السبت الماضي بمسرح سينما إسبانيول، لتتواصل حتى الثاني من أبريل المقبل.
ويبدو أن المخرج المكرم اكتفى في كلمته بثلاث مفردات؟
“الجنوب يعانق الشمال” ربما لسعادته بأن أفلامه، التي تتحدث في مجملها عن جنوب المغرب، استحقت أن تعانق شماله، وربما أيضا لأن السينمائيين عموما، تستأثر الصورة باهتمامهم الكامل، وتأتي المفردات من بعد.
 خلال أمسية الافتتاح بدا المخرج متألقا وهو يتسلم ذرع تكريمه  من يدي الفنانة الجميلة ثريا العلوي، وأعرب للصحافة عن  سعادته بهذا التكريم “الرائع والجميل”، الذي “يتميز بطعم خاص” من مهرجان تطوان  الذي شارك فيه منذ 1985، أي قبل أن يبدأ في إنجاز أفلامه السينمائية الأولى.
وقبل ذلك نوه نائب رئيس المهرجان نور الدين بن إدريس، بسينما داوود أولاد السيد، في معرض كلمته عن المهرجان وتراكماته من خلال تطوره وتطلعاته وأهدافه، مؤكدا أن السينما  والفنون عامة تسهم في الدفع بعجلة التنمية المستدامة وتفتح آفاقا واسعة أمام شباب  المدينة، محييا بالخصوص الحضور البلجيكي في هذه الدورة بالرغم من الظروف الصعبة  التي تمر بها بلجيكا إثر الهجمات الإرهابية التي استهدفت العاصمة بروكسيل.
ومعتبرا أن مهرجان تطوان ظل ملتزما بقضايا حوض المتوسط، من خلال برنامج الدورة الجديدة التي تعيد طرح الأسئلة حول ضفتي المتوسط من خلال الصورة السينمائية، ومن خلال منتديات ومطارحات فكرية، قبل ان يختم كلمته بتوجيه الشكر لضيوف المهرجان وأصدقاءه ولكافة شركاءه على وفائهم والتزامهم بالوقوف الى جانب المهرجان كي تستمر هذه التظاهرة السينمائية في الاضطلاع بدور اكتشاف الأعمال المجددة والأصيلة والحرة.
وقبل  المرور إلى تقديم أعضاء لجان تحكيم الدورة الثانية والعشرين تمتع الحاضرون بلقطات من بانوراما استعادت أقوى اللحظات في دورة السنة الماضية.
وتمت المناداة على ضيف المهرجان المميز المخرج الاسباني لويس مينيارو، الذي أخرج حوالي 23 فيلما، والذي يرأس لجنة تحكيم مسابقة الفيلم الطويل، ووقف معه تحت الأضواء وتصفيقات الجمهور أعضاء لجنته وتابع الجميع موجزا مصورا عن الأفلام التي تخوض التباري هذه الدورة، وتعد هذه اللجنة واحدة من أربع لجان توالت على المنصة وهي لجنة تحكيم الفيلم القصير، و يترأسها الكاتب والناقد المصري أمير العمري، الذي ألف حوالي 14 كتابا حول  السينما، ولجنة تحكيم الشريط الوثائقي التي تترأسها البلجيكية كارين دو فيليرس.
 ولجنة النقاد وهي إضافة نوعية لقيمة المهرجان حيث تم بالتوازي معها إحداث جائزة تحمل اسم الناقد السينمائي الراحل مصطفى المسناوي، و يترأسها الأكاديمي محمد نور الدين  أفاية، لتتويج أفضل الأفلام الطويلة المتبارية.
ليختتم  حفل افتتاح الدورة  بعرض فيلم “المتوسط” الذي يندرج ضمن انفتاح المهرجان  على محيطه المتوسطي وتجاوبه مع معاناة بلدانه، وذلك من خلال قصة المهاجر السري  (أييفا) الذي يغادر بلده بوركينا فاصو بحثا عن حياة أفضل في جنوب إيطاليا، مرورا  بالصحاري الجزائرية والليبية.
ويحمل مخرج الفيلم جوناس كربناينو، المزداد بالولايات المتحدة، الجنسيتين  الإيطالية والأمريكية، أما الفيلم فهو فمن إنتاج إيطالي-فرنسي-أمريكي-ألماني-قطري مشترك.
وحسب برنامج العروض السينمائية فإن الجمهور مدعو لفرجة سينمائية بديعة، تؤكد أن المهرجان ظل وفيا بالفعل لأهدافه وهي حب الفن السابع، وتقدير الأعمال السينمائية المتوسطية الجديدة الحاملة للقيم والمواضيع ذات الأبعاد الإنسانية كونيا، حق قدرها، وأيضا المساهمة في تطوير اللغة السينمائية والتعريف بدور الصورة السينمائية في التحسيس بل المساهمة في تغيير الكثير من القيم السلبية، التي صارت تؤرق الإنسان في ضفة المتوسط وفي العالم الراهن إجمالا.

***

لمحة مقتضبة عن سينما داوود أولاد السيد

داوود اولاد السيد، واحد من السينمائيين المغاربة المتميزين، حاز دكتوراه في العلوم الفيزيائية من جامعة نانسي بفرنسا، لكن حب الصورة سيطر على توجهه حيث بدأ بالتصوير الفوتوغرافي، وانتهى الى السينما ليوقع على أفلام جادة كان فيلمه الطويل «باي باي سويرتي» سنة 1998، ثم «عود الريح» ف»طرفاية» و»في انتظار بازوليني» و»الجامع».
وفي سينما أولاد السيد نلمس الكثير من المجازفة والجرأة مع حرص شديد على إثارة أسئلة وجودية تجسدها كائنات تصر على الحلم والأمل، وتصر على الحياة باعتبارها الاختيار الأول والأخير، كائنات تنتمي إلى الجنوب بما يعنيه ذلك من تداخل للحرمان بالكبرياء.
وأغلبية فضاءات أفلام داود أولاد السيد هي فضاءات مكفهرة ومهجورة، وتتميز بأنها تقبل الهامشيين وذوي الأوضاع المقلقة، وفي تجربته الجميلة « في انتظار «بازوليني» يتأمل المخرج في طبيعة التقاطع بين الواقع والخيال وتأثيره على الحياة اليومية في مجتمع تقليدي تغزوه بين الحين والآخر بعض منتجات الحداثة، كما يقوم، عبرالسخرية والفكاهة، على تسخيف بعض المواقف وتنسيبها خاصة حينما يتعلق بالسلطة والقيم القبلية الجاهزة .
ويبرز إيمانه القوي بوحدة الانسان….. بازوليني يرتدي جلبابا مغربيا يبدو من خلاله وهو يطرح نوعا من تبني ثقافة الأخر من خلال نمط تواصلي هجين.
ومن خلال هذا الخطاب الملتبس يجد المتلقي أو المشاهد نفسه يقر أن الحدود بين الواقعي والمتخيل هي حدود واهية وأن النقاء في مجال الفن، كما في مسألة الهويات، هو وهم كبير علينا أن نحتاط منه.

Related posts

Top