الذكـرى 69 لليوم الوطني للمقاومة…استحضار تضحيات شهداء الحرية والاستقلال والوحدة الترابية

خلد الشعب المغربي ومعه أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحريـر أمس الأحد 18 يونيو 2023 الذكـرى 69 لليوم الوطني للمقاومة، الذي يقترن بذكرى استشهاد البطل محمد الزرقطوني والذكرى 67 للوقفة التاريخية لبطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، استحضارا لتضحيات شهداء الكفاح الوطني في سبيل الحرية والاستقلال والوحدة الترابية، وتجسيدا لقيم البرور والوفاء لأرواحهم الطاهرة.

لعت ملحمة ثورة الملك والشعب للتصدي لمؤامرة المستعمر الذي سخر كل الوسائل لبسط نفوذه وهيمنته، فأقدم في يوم  20 غشت 1953 على فعلته النكراء بنفي بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس والأسرة الملكية الشريفة، متوهما أنه بذلك سيخمد شعلة النضال وجذوة الكفاح الوطني والتحريري. لكن الشعب المغربي المتمسك بمقدساته الدينية وثوابته الوطنية فجرها ثورة عارمة مضحيا بالغالي والنفيس من أجل عودة الشرعية والمشروعية التاريخية بعودة الملك المجاهد الشهم الذي فضل المنفى على أن يرضخ لإرادة المستعمر وإملاءاته.

انطلقت المظاهرات الشعبية وأعمال المقاومـة والفداء لتهز أركان الوجود الاستعماري وتضرب مصالحه وتستهدف دهاقنته وغلاته، حيث تكونت خلايا ومنظمات المقاومة المسلحة بالدار البيضاء وبسواها من المدن المغربية بتعبئة شبـاب متحمس هب لإعـلاء راية الوطـن والذود عن حماه وحياضه وصون عزته وكرامته. وكـان الشهيد محمد الزرقطوني أحد هؤلاء المقاومين الأفذاذ والرموز الخالدين الذين هيأوا لانطلاق المقاومة ورسم أهدافها وإرساء تنظيماتها حيث انتصب بطلا من أبطال الكفاح الوطني، حريصا على تقوية تنظيمات المقاومة وامتداداتها، لا يألـو جهدا ولا يدخر وسعا بتنسيق وتعاون مع رفاق دربه في النضال دفاعا عن مقدسات الوطن وثوابته، إلى أن لقي ربه شهيدا يوم 18 يونيو 1954 اثر اعتقاله من لدن السلطات الأمنية الاستعمارية حيث فضل الشهادة حفاظا على أسرار المقاومة والتضحية من أجل استمرارها، معطيا بذلك المثال على روح التضحية والغيرة الوطنية والنضالية التي جسدها شهداء الوطن البررة، والمقاومون وأعضاء جيش التحرير الأفذاذ متحملين كل الشدائد إيمانا بعدالة قضيتهم الوطنية ومقاصدهم النبيلة في تحقيق أماني وطموحات الشعب المغربي في الحرية والاستقلال.

فبسيرته النضالية التي تستحق أن تكون عبرة للناشئة والأجيال الصاعدة، طبع الشهيد محمد الزرقطوني عنوان مرحلة بكاملها وجيلا كاملا بسماته وميزاته، فما فتئ اسمه يتردد عند كل المنظمات السرية الشيء الذي يحيل على مركزية دوره في العمل الفدائي والمواجهة المسلحة للمستعمر الأجنبي.

ولعل البيئة الاجتماعية والتربوية التي عاش وترعرع فيها البطل والشهيد محمد الزرقطوني قد مكنته من الاحتكاك بفضاءات الزوايا والطرقية المتنورة والمصلحة بحكم طبيعة عمل والده الذي كان مقدما للطريقة الحمدوشية، الأمر الذي كان له الأثر البالغ في التنشئة النفسية والأخلاقية لمحمد الزرقطوني، وعمق تربيته الدينية التي قوت فيه الروح الإيمانية والقيم والمبادئ الوطنية منذ طفولته، حيث أتم حفظ القرآن الكريم في سن الرابعة عشرة، وعايش وهو طفل بعض الأحداث الوطنية، منها تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال حينما دخل المدرسة العبدلاوية وعمره 17 سنة. وفي سنة 1945، أصبح محمد الزرقطوني عضوا نشيطا في حركة الكشفية الحسنية .

وفي أوائل دجنبر 1952، وقعت الأحداث الدامية الشهيرة بالدار البيضاء تضامنا مع الشعب التونسي الشقيق على اثر اغتيال الزعيم النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد وألقي القبض على زعماء الحركة الوطنية، وعندها أيقن محمد الزرقطوني أن ساعة  العمل الفدائي حانت، فأخذ يبحث عن المال والسلاح. وعندما امتدت يد المستعمر إلى ملك البلاد ورمز سيادتها جلالة المغفور له محمد الخامس ، في 20 غشت 1953، شرع محمد الزرقطوني ورفاقه في خوض غمار الكفاح الوطني وبدأوا بنسف القطار الفرنسي الرابط بين الدار البيضاء والجزائر. واتسع مجال عمل مجموعة الزرقطوني ليشمل ربوع التراب الوطني، وخاصة مدن فاس ومراكش وقلعة السراغنة.

وتكللـت الملحمـة الكبرى لثورة الملـك والشعب بعودة جلالـة المغــفور له محمد الخامس ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني والأسرة الملكية الشريفة من المنفى إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955، وإعلان بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وإشراقة شمس الحرية والاستقلال.

وقد حرص جلالة المغفور له محمد الخامس أن يجعل من يـوم 18 يونيو 1954 يومـا للمقاومة، اعترافا واعتزازا بتضحيات شرفاء الوطن الذين استرخصوا أرواحهم فداء للوطن، حيث بوقفته التاريخية يوم 18 يونيو 1956 بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء أمام قبر الشهيد محمد الزرقطوني، مجسدا بذلك قيم الوفاء والبرور بنضالات وعطاءات الشهداء والاعتزاز بملاحـم وبطولات المقاومـة المغربية حيـث قال في حقهم: “شاء الله عز وجل أن نقف اليوم على قبرك لا لنبكي شبابك الغالي، فإن أمثالك لا تقام ذكراهم بالبكاء ولا لنجدد التعزية لأهلك وذويك ، فإن فقدانك أعظم شرف، أصبحت تعتز به أسرتك، ولكننا جئنا اليوم لنتذكر المثل العليا التي بذلت في سبيلها روحك الطاهرة”.

 وأضاف جلالته مشيدا بملاحم المقاومة: “… لقد كنا في منفانا، شهد الله، نتلهف شوقا إلى أخبار مقاومة أبطالنا، فكانت هي أنسنا في نهارنا، وسمرنا في ليلنا، وكان يقيننا راسخا في أن تلك المقاومة، وقد كنا أول من حمل مشعلها، ستظل تستفحل يوما بعد يوم حتى تستأصـل جذور الباطـل، وها نحـن اليوم نستظل بدوحة الحرية التي غرسها وسقاها فدائيون بزكي دمائهم…”.

       وإن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد هذه الذكرى المجيدة، لتتوخى التعريف برصيد الملاحم والأمجاد التاريخية الوطنية ورموزها وطلائعها الخالدين وتلقين دروسها وعبرها للناشئة والأجيال الجديدة والمتعاقبة، حفاظا على الذاكرة التاريخية الوطنية، تمشيا مع التوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس إعلاء لصروح الوطن وارتقاء به في مدارج الحداثة والتقدم والتعبئة الشاملة والمستمرة، دفاعا عن مقدسات الوطن وثوابته، وحفاظا على هويته ومقوماته واستلهاما لقيم الوطنية الحقة والمواطنة الإيجابية والملتزمة والسلوك المدني القويم.

وإنها لمناسبة سانحة لتجدد موقفها الثابت من قضية وحدتنا الترابية وتعلن استعداد أفرادها لاسترخاص الغالي والنفيس في سبيل تثبيت السيادة الوطنية بأقاليمنا الجنوبية المسترجعة ومواصلة الجهود والمساعي الحثيثة لتحقيق الأهداف المنشودة والمقاصد المرجوة في بناء وطن واحد موحد الأركان، قوي البنيان ينعم فيه أبناؤه بالحرية وبالعزة والكرامة.

وبهذه المناسبة المجيدة، نظمت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالدار البيضاء وقفة ترحم أمام قبر الشهيد محمد الزرقطوني تميزت بإلقاء كلمات استظهرت التضحيات الجسام والأيادي البيضاء التي أسداها شهداء الحرية والاستقلال والوحدة الترابية والواجب الوطني، والإنصـات للخطاب التاريخي لجلالة المغفور له محمد الخامس على قبر الشهيد محمد الزرقطوني في 18 يونيو 1956، كما تم تنظيم مهرجان خطابي تخللته كلمات وشهادات استحضرت أمجاد وروائع تاريخ الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال وتثبيت الوحدة الترابية والدفاع عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية والمقومات التاريخية والحضارية، وكذا تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالمناسبة.

إعدها للنشر: سعيد ايت اومزيد

Related posts

Top