السينما كدعامة ديداكتيكية لتعزيز المعرفة التاريخية للناشئة

إن جميع الدراسات التي تناولت كفايات الحياة المدرسية توصلت إلى أن هذه الكفايات دعامة أساسية لتمكين الأفراد من امتلاك قدرات تجعلهم يندمجون في محيطهم بشكل متوازن ومندمج، سيما أن التغيرات المجتمعية سريعة، الأمر الذي يقتضي تجويد الحياة المدرسية أكثر من أي وقت مضى.

ولهذه الغاية اعتبرت الحياة المدرسية مؤسسة اجتماعية وتربوية تروم تربية النشء وإكسابهم مهارات وكفايات متعددة ومتنوعة، وتنمية وصقل مواهبهم وملكاتهم، لتسهيل اندماجهم في مجتمعاتهم وجعلهم قادرين على التكيف معها.

وعلى هذا الأساس كان الميثاق الوطني للتربية والتكوين صريحا عندما نص في المادة التاسعة من القسم الأول على هوية مدرسة جديدة، هي مدرسة الحياة أو المدرسة المفعمة بالحياة بفضل نهج تربوي نشيط، يتجاوز الشحن السلبي والعمل الفردي.

وتعتبر مادة التاريخ والجغرافيا من المواد الدراسية التي لها ارتباط وثيق بالحياة المدرسية بل هي جزء لا يتجزأ من تلك الحياة التي ينخرط فيها مختلف الفاعلون. فهي مادة تربي على القيم وعلى الاختيار وذلك من صميم توجيهاتها التربوية، وهي مواصفات يتم تعزيزها داخل الفصل والمؤسسة وعبر انفتاح المؤسسة على محيطها الخارجي .

إن التاريخ هو الحياة، فهو مطالب بأن تساير التطورات والتحولات التي تشهدها البشرية، ومنها الثورة المعلوماتية وعلى رأسها الصورة وما يرتبط بها من وسائط إليكترونية، الأمر الذي يعني فهم جديد للتاريخ، وبالتالي تتضح قيمة الصوت والصورة في توثيق ذاكراتنا الجماعية.
إن حفظ الذاكرة الجماعية من الأهداف التي يسعى الدرس التاريخي إلى تحقيقها وجعل الناشئة تعتز بالانتماء المحلي والجهوي والوطني، وبالتالي الافتخار بالمشترك الجماعي الذي يجد فيه كل واحد منا رافدا من روافد ذاته.
وقد سعت أنشطة الحياة المدرسية وعلى رأسها توظيف السينما في التاريخ من أجل تعميق الوعي التاريخي لدى التلميذات والتلاميذ مما يقوي الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية للأمة المغربية.

وليس غريبا أن نجد الوعي التاريخي وإثبات المشترك الجماعي يشغل أساتذة وأستاذات مادة الاجتماعيات، مما جعلهم ينخرطون ويؤسسون نوادي مدرسية تحمل على عاتقها معجم التراث واللغة ونمط العيش والهوية… والسعي إلى التصدي للنمط الجارف الذي تفرضه العولمة وأحادية القطبية.

إن من مقومات الحياة المدرسية انفتاح المؤسسة على محيطها الثقافي، وعلى هذا الأساس قررت ثانوية التميز التقنية أن يكون المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بكلميم فضاء لتعميق المعرفة التاريخية للتلميذات والتلاميذ عبر عرض شريط سينمائي وثائقي بعنوان “رسالة إلى باروخا” وهو الفيلم المنبثق من كتاب دراسات صحراوية  Estudios-saharianos  لمؤلفه خوليو كارو بروخا وهو عالم أنثروبولوجيا ومؤرخ كلفته حكومته في الصحراء المغربية (وهي وقتها مستعمرة إسبانية) سنة 1952م، وأنجز طبعته الأولى سنة 1955 باللغة الإسبانية.

إن هذا الفيلم الذي أعده الدكتور أحمد صابر عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير سابقا والباحث المتخصص في الدراسات الإسبانية، والذي أطره أمام جمهور التلاميذ وأطر المركز المتدربة والباحثين المهتمين كان مناسبة لفتح نقاش حول من يكتب تاريخنا؟ وكيف يكتبه؟
لقد اخترنا المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بكلميم ليكون شريكا في هذا النشاط المدرسي لأسباب ديداكتيكية وتكوينية، دون أن ننسى أن من مقومات الحياة المدرسية تغيير الفضاءات المدرسية المنغلقة التي توحي بالروتين بفضاءات منفتحة قوامها التحرر والإبداع والتعلم الذاتي والإحساس بالجمال والنظام والتشكيل الجمالي والبيئي وهي كلها صفات متوفرة بفضاءات ثانوية التميز التقنية وتجد لها فضاء أرحب في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الذي يمثل مشتل التكوين في الحياة المدرسية وفضاء لمهنة التدريس وتجويده.


الناشئة بالثانوي التأهيلي والاستغرافيا الاستعمارية…

كفاية ثقافية واستراتيجية

الفيلم الوثائقي “رسالة إلى باروخا” يعزز الكفاية الثقافية لدى المتعلمين ويكسبهم مفاهيم جديدة عبر تعرفهم على الكتابات التاريخية الأجنبية التي كتبت على المغرب سيما منها الإسبانية التي كان الجنوب المغربي فضاء لها. والتي كان الهدف منها ضبط المورفولوجية القبلية لقبائل واد نون، والتعرف على عوامل تضامنها وتنوعها الأمازيغي الحساني بروافد عبرية وإفريقية….

إن الفيلم الوثائقي “رسالة إلى باروخا” فرصة للمتعلمين ليدركوا أن الدراسات الكولونيالية خضعت في أحيان كثيرة لإيديولوجياتهم ولأحكامهم المسبقة، ولكنها تتيح للباحثين مجالا واسعا للكتابة التاريخية.

إن هذا الوثائقي من شأنه أن يعزز ملكة اتخاذ المواقف لدى جمهور التلاميذ حول الكتابة التاريخية الاستعمارية التي استهدفت تدقيق التاريخ المحلي تمهيدا للحملة الاستعمارية أو تقوية لوجودها، وهي فرصة لذلك لتتخذ الناشئة المدرسية مواقف إيجابية اتجاه التاريخ المحلي والثقافة الشفاهية التي ستجعلهم يستوعبون الهوية الحضارية المغربية وإنجازات الإنسان بالجنوب المغربي في الفترة التي تناولها الباحث الإسباني باروخا.
إن فيلم “رسالة إلى باروخا” مكن المتعلمين من الاستئناس بشخصيات مغربية تاريخية محلية كان لها الدور الكبير في بناء واستدامة المشترك بالصحراء المغربية، وهي فرصة كذلك للمتعلمين للاستئناس بمفاهيم تاريخية من قبيل: البركة – المحميون – العرف – الرحل – الخيمة – التحالفات – الجهاد – الشيخ ماء العينين…

يعتبر التعليم الثانوي بوابة للتعليم الجامعي ومن تم يعمل على تنظيم وترسيخ ما اكتسبه المتعلم من معارف ومهارات المرحلة السابقة/ وفي هذا الصدد يندرج منهاج مادة التاريخ التي تسعى لإعادة تحديد مهام المدرسة ومكانة المتعلم ووظيفة المادة اجتماعيا وتربويا، وجعل المتعلم قادرا على فهم فترات تاريخية مهمة في مجاله المحلي والوطني والدولي.
إن عرض فيلم “رسالة إلى باروخا” أمام التلاميذ يترجم أحد أركان حقوق الإنسان وأبسطها وهو حق المغاربة ككل/ وساكنة الصحراء على وجه الخصوص، في معرفة ما كتب عنهم وعن أسلافهم ومن أي منظور كتب، فقد كان له أيضا مفعوله المباشر علينا بخصوص كسر العائق اللغوي المتمثل في اللغة الإسبانية، وتقريب “الصورة” التي يبلورها بروخا في مؤلفه إلى القراء عموما باللغة العربية والتي أضيف لها في الفيلم اللغة الأمازيغية واللهجة الحسانية.

فيلم “رسالة إلى باروخا” الذي يؤرخ لما هو محلي بعيون إسبانية من شأنه تربية الناشئة على القيم، هذه الأخيرة التي تشكل أحد المداخل الثلاث للمنهاج التربوي المغربي، فمثل هذه الأنشطة العلمية تجعل المدرسة المغربية تقوم بدورها الريادي، وتحقق رهان مواطن متشبث بالثوابت الدينية والوطنية لبلاده، في احترام تام لرموزه وقيمه الحضارية المنفتحة، ومعتز بانتمائه للأمة المغربية وذلك في صلب التوجيهات التربوية لمادة التاريخ بالمدرسة المغربية. 

بقلم: الحسن تيكبدار

Related posts

Top